امتنع عنى النوم هذه الليلة . . . مللت التقلب فى فراشى ... لقد نام الجميع وبقيت وحدى . . . كنت افرطت فى الاكل أول هذا الليل . . . رغم علمي بأن ذلك يضرب . . طاب الحديث وتعددت الكؤوس . . . فتناسيت امر معدتى ، وأنا من عادتى النسيان فى مثل هذه الاوقات . . . ثم رجعت متعبا الى البيت ، وقصدت فراشى ...
زوجتى تنام سعيدة مطمئنة ... هممت أن اوقظها ثم عدلت عن فكرتى ، لم أشأ ان احرمها من احلامها ... ولقد استهوتنى فى رقدتها ، فملت وقبلت خدها .
ظلت عيناى بعد ذلك تحملقان تلمعان فى الظلام . . وطال على الليل . . . وجثم على البيت صمت ثقيل ، ظل يحفر فى اعماقى ويوغل فى الحفر . . . ثم تناهى الى سمعى صوت البحر . . . امواجه وهي تضج وتصخب . . .
لم يكن الشاطئ يبتعد كثيرا عن بيتي . . . ولم يكن بيتي هو وحده القريب من الشاطئ . . فالبحر فى المهدية قريب من كل البيوت ، وكل البيوت قريبة من البحر ، يأتيها صوته من كل مكان . . . يكتنفها من كل جانب . . . وهو كذلك يصلنى الى بيتى . . ولقد بدا لى فى هذه الليلة بالذات أنه يحمل فى ثناياه كثيرا من الاغراء والسحر فخرجت اليه .
كانت مراكب صيد السردين تلوح فى منتهى الطرف وهى تخفق بالانوار كقلب نابض لمدينة خلف البحر محتفلة بعيد من اعيادها . . لا شك فى ان السردينة بدأت تتجمع تحت تلك الانوار . . . وان الصيادين قد جعلوا يستدرجونها داخل الشباك ، وهم يراقبون فوارها المتزايد . . . مما لا ريب فيه انهم سيتحصلون على صيد وافر فى هذه الليلة ، فالريح مواتية والبحر هادىء . . .
هذا البحر الذي بمقدور الانسان ان يظل يجدف فيه حتى الصباح من غير ان يتعب ٠٠٠
لا ادرى كم مضى على من الزمن لم اركب فيه البحر . . . لعل ذلك منذ كنت بافعا . . ولم اقف ايضا فوق الصخور ارقب مراكب الصيد وهي تغادر الميناء مع العصر فرقا فرقا فى طريقها الى صيد السردين ...
ان الذين يعيشون جوار الشاطئ لا يستهويهم عادة البحر الا نادرا وفى الاوقات التى يشعرون فيها بالضيق . . . عند ذلك فقط ينتيهون الى ان البحر قريب منهم ، وانه بمقدورهم ان ينعموا بالنظر اليه . . . وهذا ما شعرت به فى هذه الليلة . . وجدتنى منجذبا الى البحر حتى انى لم اكتف بالوقوف أمامه ، فخطوت نحو الموجة ، واقتربت الى ان لامست قدماى حافة المياه . . حيث الرمال ملساء وسهلة كراحة اليد . . كنت وحدى على الشاطئ ، الجو صاف ، والنجوم تخفق فى السماء . . وفجأة لمحت شبح انسان يتحرك بين الكثبان ثم يختفى ثم يظهر من جديد . . وكان هنالك بصيص من النور يصل من اقصى الميناء فيضئ الشاطئ ضياء رقيقا . . . امعنت النظر فاذا هو شبح رجل . فارع الطول . مضطرب الهندام ، مشوش الشعر . . . وشعرت كما لو عصفت بى ريح عاتية . لكننى واصلت سيرى غير مكترث . . واصبحت المسافة بيننا قريبة . . وفتحت عينى ، كأننى أريد أن اخترق الظلمة . . ورأيت وجهه لكن أين سبق لى أن رأيته . . " انه نفس ذلك المتسكع الذى دلف الى المطعم وجاء يقف الى مائدتنا فى اول هذا الليل . . كان صعلوكا فارعا لقد حجب عنا النور بظله الفارغ ومد يده قائلا :
- " أخوكم جائع " وقال له صاحبى وهو يتطلع فى هيئته :
- " الله ينوب " فتوجه الى بالخطاب وهو يمد يده الطويلة فى وجهى : " أخوك جائع اعطني شيئا آكله " واذكر أنى اجبته قائلا :
- " لا يمكن ان يتصدق الانسان على رجل مثلك " فأجابنى بصوت حاول ان يستدر به عطفى :
- " لماذا . . ماذا فعلت لك ؟ ! " فأجابه أحدنا
- " من يملك جسما مثل جسمك بمقدوره ان يعمل " فقال :
" أنا جائع " قلت له :
- " لماذا لا تبحث لك عن عمل " فقال : " أنا جائع "
- " انت لا تريد أن تفتش عن عمل " فأعادها : " أنا جائع "
- " اذهب للعمل فى الحضائر " فرددها : " أنا جائع "
- " انت تعودت الاستحداء " فأعاد ترديدها : " أنا جائع " وعند ذلك ضحكنا جميعا وقال له احدنا :
- " جائع ، جائع ، جائع . . . ماذا تريد ان نعطيك . . . الله ينوب " فاعادها ببلادة : " أنا جائع " واغرقنا فى الضحك مرة أخرى وقال صاحب لنا :
- " أظن أنك بدأت تفسد علينا جلستنا " ونادينا النادل ، وطلبنا منه ابعاد هذا المتسكع البليد من وجوهنا . . وبينما جعل النادل يدفعه نحو الخارج التفت الينا وصرخ باعلى صوته :
- " أنـــــــا جائــــع " لكن النادل دفعه بقوة الى الخارج واغلق فى اثره الباب ...
نفس ذلك القوام الفارغ الذي رأيته فى المطعم اراه الآن ينتصب أمامى فوق كثيب الرمل . . . لقد تمكنت من رؤية عينيه رؤية واضحة . . رأيتهما ناضبتين ماكرتين كأنها تضمران لى الغدر . . .
وشعرت كأن ريحا تعصف بي . . وتلاحقت دقات قلبي ، وشلت حركة رجلى
فكدت اعجز حتى عن مواصلة السير . . لكننى تحامدت . . كان قريبا منى . . تعد فصل بيننا سوى بضع خطوات . . وفي لمح البصر شاهدته يقفز من فوق كثيب الرمل كأنه الصقر يريد ان ينقض . . يداه مفتوحتان ، وعيناه مستديرتان حمراوان مشتعلتان كعينى الصقر . . . ورأيته يتجه صوبى ... هممت بالفرار فخانتنى قواى . . وسرى فى الوهن ولم تعد ساقاى تقوى على حملى ... فبقيت كالفريسه وقد حدق بى الخطر من كل جهة ، فليس من مفر . . وزادنى ظلام الليله ووحشة الشاطئ فزعا ورعبا . . . وبدأت اليث ثم إحدث ازفر وتحول الزفير الى شهيق مكبوت يتصاعد من صدرى . . حاولت أن اصرخ فلم أجد لى صوتا . . والتفت فاذا حسمه يسد عل الرؤيا ورأيته يهجم ، شعره منفوش وعيناه مشتعلتان ، فاستسلمت وقد عقد الخوف لسانى . . وحارت قواى ، فسقطت على الرمل البارد الرطب . . ووجدته بهبط فوقى . ويعفس على صدرى . . . ثم يمسك بعنقي ويضغط على بقوة . . اصابعه تنغرز فى حنجرتى كالسكين الحاد . . . لم اعد قادرا على التنفس ...
كان رأسى مغموسا فى التراب ... ورأيت النجوم وقد اخذ بريقها بغيب من عينى . . وجعلت أخبط بقدمي على الرمل وانتفض كالشاة المذبوحة . . ثم جمعت ما بقى لدى من قوة واطلقت صيحة اخيرة . . واذا زوجتى توقظنى من نومى ... ففتحت عينى ، فاذا انا فى فراشى وزوجتى الى جانب تربت على ظهرى بيد وتقدم الى باليد الاخرى كوبا من الماء .

