اعوذ بك اللهم من الوساوس المتسلطة ! ولكنها وساوس يقتضيها كياننا ويفرضها علينا فرضا لامناص لنا منه . فلا حاجة ، اذن ، الى التماس العذر ان تناولت من جديد موضوعا كنت اثرته مجرد اثارة ، فى تلميح وايحاء عبر عدد الفكر المخصص لدرس مشاكل اللغة العربية والصادر فيفرى المنصرم.
اقول انها وساوس لان هذا الموضوع كنت قد شرعت فى بسطه سنة 1957 على صفحات جريدة
" الطالب التونسي " . ولئن عدت ، فى هذا المقال ، الى ما كنت قد بسطته اذا ذاك من معطيات الموضوع ، فذلك لان ماعانيته من تقليب هذه المسالة الحيوية جعلني اعتقد ان المشكل الثقافي هو ام المشاكل بالنسبة الى كل البلاد العربية . وزاد يقيني يقينا ما انتهت اليه الازمة المصرية خلال شهر اكتوبر 1956.
فها انا اعود الى الموضوع بعد ما يزيد على ثلاث سنوات واعتقادى ان المشكل لم توضح بعد معطياته الاساسية وما خطابها الزمن خطواته الاولى نحو الغاية المنشودة . اهو جمود الفكر العربى وتحجره بصورة نهائية ؟ ام هي الفوضى التى لا تدعك تتأمل المشاكل وما من شأنها ان تصل اليه فى سيرها نحو الحلول ؟
الحق ان مشكلة الثقافة العربية - ولا اقول اللغة العربية - لا تزال على بساط البحث . واكبر خوفى انها الفت البساط منذ ان القيت عليه فاسترخت ونامت او تناوم عنها الفكر العربي وتثاقل ، لما فى اثارتها من عقبات واتعاب واهوال !
1 - مفترق الطرق
المشكلة التى اثيرها في هذا الموضوع هي من باب محاسبة الضمير بالنسبة الى كل من تهمة شؤون الثقافة العربية وشؤون الفكر العربى : فعلى من اراد التجند لهذا العمل ان يتجرد من كل الظنون والاوهام وان يترك معتقداته
وأهواءه وان يتخلص من ربقة الحاضر واغلال الماضى ويصوب فكره ونظره نحو المستقبل ليتحسس السبل التى يتحتم لاعلى الثقافة العربية فحسب ، بل على الفكر العربى اطلاقا ان يتوخاها ان اراد الخروج من سباته والانطلاق من جديد تلك هي الشروط التى تقتضيها مهمة فحص شؤوننا الفكرية وعلاجها والبحث عن الوسائل الناجعة التى من شأنها اما ان تسرع بتطوير الفكر العربى طبق الاتجاهات التى قد يكون ارتسمها لنفسه دون راسخ عزم ، واما ان توجهه توجيها جديدا ، واما ان تحوره تماما للقيام بوظيفة ربما عجز فى الظروف الراهنة عن القيام بها لانه اصبح غير صالح لها .
ومهما يكن من امر فالمشكلة مشكلة صدق ونزاهة لا تحتمل التمويه ولا الاغراء بل تقتضى التثبت فى النظر والشجاعة فى التفكير لضبط المراحل التى على الثقافة العربية ان تقطعها كى تخرج من التأزم الى الازدهار ومن الركود الى التقدم السريع
وقبل التمادى يجدر بالذكر ان هذه البسطة السريعة ) التى سوف لاتخلو من نقص ولاخلل ، نظرا لاتساع الموضوع ( ستعتمد دراسة الاحداث الفكرية عبر التاريخ كى نتمكن على ضوء دروس الماضى من التماس الحلول التى يقتضيها الحاضر والتطلع الى ما فيه ضمان المستقبل . واوصى القارىء بان توخى هذه الطريقة يفرض علينا ان لا ننسى ماللمشاكل الثقافية من مظاهر كلية . فهذه المشاكل تفرض حتما على من اراد البحث فيها ان يعرج على الميادين الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية فلا يستغربن افراط المقال فى بحث مسائل تاريخية بعيدة او ثقافية راهنة لمجرد ذكر حادث سياسي بسيط ، ولا يستبعدن ما تولده الظاهرة الثقافية البسيطة من تأثير فى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وذلك لما يوجد من علاقة جدلية واضحة بين مفهومي حضارة وثقافة . لان الثقافة دعامة الحضارة وقوامها ، وهي فى نفس الوقت ، ان استوفت نموها واكتملت ، خلاصة تلك الحضارة وتأليف نواحي كسبها ورقيها تألفا منسجما ، أوقل فى اختصار ، ان الثقافة هى بالنسبة الى الحضارة " ما تحت البنية " ) Infrastructure ( وما فوقها ) Superstruture لذلك كان اضمحلال الحضارة يتبعه اضمحلال الثقافة ، والعكس بالعكس.
وهذا الاضمحلال هو من الخصائص التى نتبين بها ثقافتنا . وقد ظهرت علامات المرض منذ عهد بعيد الا ان شعورنا بها لم يكن الا منذ القرن الاخير وما بذل من مجهودات في سبيل العلاج ، هنا وهناك ، لم يكن ناجعا لانه عوض ان نتحفز لاستئصال المرض اقتصرنا - ومازلنا نقتصر - على مخدرات جزئية لا مفعول لها سوى تأجيل العلاج !. .
ولكن بعد هذه المحاولات الجزئية وما اذت اليه من خيبة وفشل ، وبعد ان اتضحت الاهداف بفضل ما جابهته وما تجابهه الاقطار العربية الحديثة العهد بالاستقلال من مشاكل وصعوبات ، يبدو اننا قد بلغنا مفترق الطرق . وربما
كان هذا هو السبب في تلك الحيرة الطبيعية التى تعرو كل من وقف لمنازلة النفس عندما يفرض عليه الاختيار ، تلك الحيرة التى تبدو على الواعين من مثقفيننا الشاعرين بخطورة الوضع ، فتشمل تفكيرهم وسلوكهم كلما حاولوا فحص المشكل الثقافي . وربما كان ذنب البعض منهم ان حولوا تلك الحيرة الى ضرب من النزعة الفكرية جاهلين او متجاهلين ان فى ذلك تهاونا لا بما عليهم من رسالة عاجلة فحسب بل بالجيل والاجيال ! لان الحيرة هى قبل كل شئ تعطيل وشلل . واعتقد ان نشاطنا فى الميدان الفكرى قد طالت به العرقلة والتعطيل حتى لا نتمادى به على هذه الحال فنأتى على بقاياه . بل الواجب كل الواجب هو ان نقفز به فى ثبات وايمان لان الطريق قد عبدت ، وها هو السبيل يتسع .
2 - عدوان كله عبر !
ان نزعة التحرر السياسى التى اتسمت بها كل الحركات الوطنية فى البلاد العربية منذ القرن الاخير ، قد انقلبت ، فى هذه السنوات ، الى حركة تحريرية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وبذلك دخلت الشعوب العربية في طور الثورة الحق . ويمكن ان يقال ان هذه الثورة قد اتضحت اسبابها غداة ازمة سويز الفارطة . ويمكن ان يعتبر ذلك الحدث صفحة جديدة من تاريخ الشعوب العربية ، كلها عبر لمن اراد ان يساير ذلك التاريخ ليكتشف الحلول الناجعة التى من شأنها ان تسرع بثورة تلك الشعوب فى غير ما تفريط ، مؤمنا بأن ساعة الثورة الكلية قد دقت ولن تفيدننا ازمة " سويز " البتة ان نحن حشرناها فى نطاقها العاطفى واكتفينا ، لاننا نعلم انها اندلعت غداة امتناع الولايات المتحدة من تمويل مشروع السد العالى ، فاضطرت مصر الى تأجيل ذلك المشروع الحيوى لفقدانها وسائل الانجاز وخاصة لفقدانها الفنيين
انى لا اقول باسطورة الشعوب الفقيرة ، بل هنالك شعوب متقدمة واخرى متخلفة . ولكن -خاصة ان اعتبرنا الشعوب العربية وهي تملك وحدها ما يزيد على ستين في المائة من ثروة العالم الاساسية : اعنى النفط - لا توجد شعوب فقيرة بالطبع . وان اعتبرت فقيرة فما الفقر فيها الا افتقار الفكر ، لانها ان اصبحت متخلفة عن بقية الشعوب الاخرى ، فذلك لان الفكر فيها لم " يهتد " الى استغلال ثروتها الطبيعية . فلذلك ولذلك خاصة اصيبت وستصاب بمحنة الاحتلال الاجنبي . وما كانت مصر لتقاسي الاعتداء المسلح الفرنسى - الانقليزى لو " علمت " كيف تتمكن من تشييد سدها العالي بوسائلها الخاصة : فعجزها عن ذلك لا يعلل بفقداها المال والمال فحسب بل بمستواها الفكرى الذى لا يمكننها من الانتصاب صنوة لبقية الشعوب الراقية . . . وما قضية السد العالى الا جزئية ضئيلة . ولكنها جزئية قامت مقام الرمز : رمز القصور والاخفاق الذي آل اليه تأزم الفكر العربي وتأزه الحضارة العربية وتأزم الثقافة العربية .
يقول " لاكروا " Lacroix: " والثقافة ان لم تكن متصلة بكل ما يكتشفه الانسان ويخترع ويكتسب وينجز ، فما هى الا مخاتلة ! " فانظر الى ثقافتنا العربية تجدها في اطوارها الزاهرة مشعة على العالم باجمعه بما وصل اليه الفكر البشرى اذ ذاك من كسب ورقى . واليوم وقد قطعت صلتها " بكل ما يكتشفه الانسان ويخترع ويكتسب وينجز " فقد اصبحت مخاتلة لان الثقافة لاقيمة لها الا بانجازاتها الايجابية - واعنى بهذا كل ما يدخل فى نطاق الخلق العلمي والادبي والفني - ، تلك الانجازات التى من شانها ان تحرر المجموعة الانسانية التى تنتمى اليها تحريرا مستمرا . ولو لم نجن على ثقافتنا بتركها تتوغل في اعماق المخاتلة لما حلت بنا كل تلك المئاسى بما فيها مأساة السد العالى . فعلى الشعوب العربية ومن لف لفها من شعوب آسيا وافريقيا ان تعلم انه يوجد " بالقوة " فى كل بلاد ، ان لم نقل فى كل بلدة وفي كل قرية ، سد عال ينتظرها ، من شأنه ان يسبب لها ما سببه لمصر من اخطار واتعاب ان هي لم تتأهب للكشف عن الحلول قبل اوانها . لان كل هذه الشعوب في امكانها ان تستغنى عن " الصدقة " لو تمكنت من استغلال خير اتها بوسائلها الخاصة مع اقامة الدليل لأولائك الذين يعتقدون انهم قد احتكروا " الحضارة " والتقدم والرقي ، انها فى غنى عنهم . ولكن ، مع الاسف ! لسنا في غنى عنهم لان ثقافتنا اليوم ، بما هى عليه ، لا تمكننا من ان تكون كذلك : فعندما يعتمد الغرب حاضره ويفخر به ، يجيبه الشرق بماضيه ! وهذا الماضي قد تباعد ونأى بالثقافة العربية . فالنزال اليوم ليس بين مستعمر ومستعمر بل بين مثقف وجاهل ، فأصبح توازن القوى بين الدول لا يقوم على عدد الجيوش بل على المستوى الثقافي . او بعبارة اخرى لا تكون السيطرة الا لمن مكنته ثقافته ) وخاصة ثقافته العلمية ( من الاحراز على اكبر الوسائل الفنية وادقها . هذا ما يفسر لنا قلق الحكومة الفرنسية عندما تنظر الى تخلفها فى الميدان الذرى ، وهذا ما يوضح لنا قول بعض الساهرين على الشؤون الاقتصادية في الولايات المتحدة ، عندما وقف يدشن بعض المعامل الذرية هناك (وكان ذلك سنة 1955 ) ، فقال : " على ابنائنا ان يتنافسوا فى تعلم الرياضيات والا سيأتي يوم يكونون فيه مضطرين الى تعلم اللغة الروسية " ! فما قول قادة الشعوب العربية ، ان كان هذا هو قول احد الامريكين الحريصين على مستقبل بلادهم ؟ ! . . فكأني بقائل يقول انه لم نضيع فى ثقافتنا ولم نعرض عنها منذ زمن بعيد فحسب ، بل اقبلنا على مدرسة الاجانب (سواء كانوا فرنسيين ام انقليز ) ، لا لقصد القيام بتلك الثورة الثقافية التى من شأنها ، وحدها ، ان تضمن لنا المستقبل ، ولكن لانه لم يكن فى مقدورنا ان نفعل غير ذلك وما كنا مخيرين !
ولكن اليوم ، وقد استرجعنا حريتنا واصبح واجبا علينا ان نتطلع الى المستقبل بما فيه اوثق ضمان لهذه الحرية ، يحق لنا ان نطالب كل من عهد له بالسهر على كياننا ان يثبت فى العمل الجدى حتى يمكننا من الخلاص من
تلك الظلمات التى مازلنا نتخبط فيها بعد ان طالت بنا سنوات العبودية . لذا وجب ان نعبد النظر في اسس ثقافتنا وان نتحسس الوسائل التى من شانها ان تجعلنا نلتحق بقافلة الشعوب الراقية . واجب علينا اذن ان ننظر فى تلك الوسائل لا باعتبار المشاكل اليومية - رغم ما هى عليه من خطورة - بل بالتطلع الى مافيه ضمان المستقبل ، والخروج من التخلف الثقافى يقتضي تجنيد الجهود والشروع فى العمل حالا .
اقول هذا وانا اعلم ان من غلب عليهم اليأس والقنوط فقالوا بخضوعنا الابدي للغرب ، في الميدان الثقافي ، كثيرون يعتقدون انه من الجنون ان نحاول النهوض بثقافة لم تبق لها الا قيمة تاريخية . كما اعلم ان من غشى بصيرتهم التعصب كثيرون يقولون بان الثقافة العربية ليست دون الثقافة الغربية قيمة بل قد تفوقها فى ميدان القيم الروحانية . فهؤلاء وأولائك يجيبهم التاريخ مكذبا !
3 - عبرة التاريخ
ان ما يمكن ان نستنتجه من تاريخ ثقافتنا العربية قد يكون على غاية من الوضوح ان نحن تركنا الاحداث الجزئية ، التى لاتكون الا بمثابة الصور القارة التى نلتقطها على صفحة التاريخ ، وان توغلنا فى هذا التاريخ لنتأمله من الداخل حتى ندرك ونفهم سر تطور هذه الثقافة فى سيرها الديناميكى فعوض ان نكتفي بانجازاتها المحسوسة ، نحاول النفوذ الى دواليب ذلك الفكر الذى خلق تلك الثقافة ، بدلا مما انتجته تلك الدواليب نفسها . فالمهم - ان صح هذا التعبير - هي تلك " الآلة الفكرية " بدلا مما انتجته طيلة العصور ، والاهم هو ان نطلع على كيفية تركيبها وطبيعة الاجزاء والعناصر التى تألفت منها وكيفية شروعها فى النشاط والحركة ومقادير السرعة التى اكتسبتها عبر العصور . . .
وهذا الفكر العربى لو حاولنا ان نستفسر التاريخ لنتبين الاسباب التى عملت في تكوينه ونموه لرأيناه يملى علينا آيات كلها مواعظ لمن اراد الاعتبار فهذا التاريخ يجعلنا نرجع بالفكر العربي عند نشأته الى عنصرى تكوينه وهما البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية اللتين نشأ فيهما : فهى الطبيعة الصحراوية القاسية ، وهو نظام القبيلة الذى تتبخر فيه شخصية الفرد . " فانت اذا نظرت الى اللغة العربية والادب العربي في ذلك العهد رأيته نتيجة طبيعية لتلك الحياة ، وصورة صادقة لهذه البيئة ، فالفاظ اللغة مثلا فى منتهى السعة والدقة ، اذا كان الشئ الموضوع له اللفظ من ضروريات الحياة فى المعيشة البدوية ، وهي قليلة غير دقيقة فيما ليس كذلك ، فالابل هى عماد الحياة البدوية ، هي خير ماكلهم ومشربهم وملبسهم ومركبهم . فحياة العرب فى الصحراء تكاد تكون مستحيلة لولا فضل الجمل ، من اجل هذا ملئت اللغة العربية بالابل ، فلم يترك العرب صغيرة ولا كبيرة - مما يتعلق بها - الا ووضعوا لها اللفظ او الالفاظ ، فوضعوا الالفاظ لها ولنتاجها ، ووضعوا
الاسماء لاسنانها ( اعمارها ) وحلبها ، ورضاعها وفطامها ، . . الخ ، ولم يقتصروا على اللفظ الواحد للمسمى الواحد ، بل وضعوا له الاسماء المتعددة . فاذا انت انتقلت من الجمل الى السفينة رايت اللغة العربية فى غاية القصور ، فهم لم يوفوها حقها كما وفوا حق الجمل ، ولم يصفوا اجزاءها ، ولم يضعوا اسما لكل نوع من انواعها . نعم هناك الفاظ تتعلق بذلك ، ولكنها لاتكاد تذكر اذا قيست بالالفاظ الموضوعة للابل وشؤونها ، بل انك اذا فحصت الالفاظ المستعملة في السفن ومتعلقاتها وجدت كثيرا منها معربا غير عربى كالسيابجة واليماسرة والانجر وكثير منها لاشك فى انه وضع بعد العصر الجاهلى . " (1)
هذا ما يسوقه احمد امين من الامثلة العديدة ، ثم يذكر ، كى يقيم لنا الدليل على صحة هذه الملاحظة ، انه لو تصفحنا كتاب " المخصص " لابن سيدة ( وهو معجم جمعت الكلمات فيه حسب المواضيع) لوجدناه يستغرق الكلام فيه عن الابل 176 صفحة فى حين ان السفينة استغرقت منه اقل من سبع صفحات ! وهذا طبيعي لانه لايمكن ان نتصور ان تلك الحياة الصحراوية القاسية بما تفرضه على الافراد والجماعات من سعى مستمر وكفاح متواصل للاحراز على القوت والتأمين على الارواح ، كانت تترك مجالا للعقول لتتخلص من ربقة ارضاء الوظائف الحيوية الاولى فتسمو من عالم المحسوسات الى عال التأمل والتجريد . وان وجدنا نتفا مبعثرة فى الادب الجاهلى - رغم ما ينبغي ان يكون لنا من احتراز فى الوثوق بصحة تلك الآثار ! - فما هى الا محاولات ضئيلة ، قصيرة النفس مستوحاة كلها من مقتضيات البيئة والمجتمع لا تتعدى في التعميم والتجريد درجة الحكم المنثورة التى هى اقرب الى الآلية الفكرية منها الى الخلق والابداع والاستنتاج.
وهذا طبيعى بالنسبة الى تلك الحياة البدوية وذاك النظام القبلى : فكانت العقلية ابتدائية يتبعها فكر ابتدائى . وقد يقال ردا على هذا الاستنتاج ان تلك العقلية ، فيما قبل الاسلام بكثير ، قد كانت متأثرة بالحضارات الاجنبية كاليونانية خاصة وبالتيارات الروحانية كالنصرانية واليهودية وغيرها, ولكنها لم تكن الا تأثيرات طفيفة قصرت على اليمن من دون بقية الجزيرة ، وهي اشبه بالمسحة السطحية التى لم تتفتح لها العقول وما غلبت على الافكار . فكيف يمكنها ان تؤثر فى حياة اولائك البشر وفى حضارتهم, ان كانت ، وفي ثقافتهم ، ان صح ان وجدت ؟ ! وما ذاك الدليل الاوحد الذي مافتئ يسوقه بعض من في قلوبهم مرض من المستشرقين الحاملين على الفكر الاسلامي والثقافة الاسلامية - اشرت الى أمية بن ابى الصلت الذى يقال انه عاش فى اواخر الجاهلية فادرك الاسلام وجاء فى اشعاره بمعظم المعانى التى بسطها القرآن فيما بعد - الا اسطورة كاذبة مكنت الاستاذ كليمنت هويار
(Clement HUART)من القول بان القرآن قد قلد فى معانيه ما جاء فى شعر أمية هذا ! ودون ان نحاول الخوض فى هذه المشكلة - وربما تفرغنا اليها فى يوم من الايام لنجلو ماجاء فيها من تهاون بالتاريخ قصد النيل من قيمة الرسالة المحمدية بوازع من سوء نية مثل هؤلاء المستشرقين وتحسسهم الفرص ، وان كانت واهية ، للحط من قيمة الحضارة الاسلامية باطلاق - نستخلص من كا ما تقدم انه كلما استفسرنا التاريخ وتأملنا معطياته ، تبينا ان العقلية الجاهلية لم تكن لها قابلية للتطور والتقدم وان تهيأت لها الاسباب الموضوعية (كتأثير الثقافة اليونانية والتيارات الروحانية كالنصرانية واليهودية ( التى كان من المنتظر ان تؤثر فيها وتجعلها تتطور وتنمو قبل مجئ الاسلام بقرون . لكنها لم تتطور ، وكأنها قد خالفت ، فى ذلك ، مبادى التاريخ وعلم الاجتماع . فكانها كانت متحجرة وكان ذلك التحجر من خصائصها النوعية . . . الى ان جاء الاسلام فكانت الثورة وكان الانقلاب : ثورة في النفوس والعقول وانقلاب تلك العقلية انقلابا جعلها تخرج من قشرها وكانها تنكرت لنفسها فاخذت في استعادة حياتها من جديد ! اهى المعجزة التى لايمكن للتاريخ الا ان يسجلها ويكتفى ام هى ظاهرة من ظواهر الاجتماع الانسانى التى يمكن تحليلها ؟
4 - قوة المثل الاعلى
الحق انه لو تأملنا التاريخ باحثين عن سر تطور الامم بصورة عامة لوجدنا ذلك التطور مقرونا بالمثل العليا التى تشبثت بها فى مراحل نموها فخرجت بها من حال الى حال وجعلتها تواصل سيرها فى سبيل الرقى والتقدم . فلم يكن ذلك التطور اذن من خصائص المجموعة العربية ، بل هى حادثة طبيعية نجدها في كل مناهج التاريخ وفى حياة كل الامم سواء اكان ذلك بالرجوع الى نموها وازدهارها ام موتها وانهيارها : فهذه الامبراطورية الرومانية تنمو وتتسع بقدر ما كان المثل الاعلى فيها قويا ، ثم هى تتدهور وتضمحل بتدهور ذلك المثل الاعلى واضمحلاله . وهذه فرنسا ، فى القرن الثامن عشر ، تقوم بثورة كبرى تجعلها في مقدمة الشعوب الراقية ، بعد ان اتضح ذلك المثل الاعلى الثوروى وتعلقت به كل الآمال . وهذه روسيا تنفض عنها غبار المذلة الذي تراكم عليها طيلة قرون فتتخلص من الدكتاتورية التزارية وتقفز في بضع عقود قفزة لامثيل لها في تاريخ الانسانية فتصبح فى مقدمة الامم الراقية وما كان ذلك ليتم لها لولا تعلقها بمثل اعلى قوى المفعول !
اذن لا سبيل الى الرقى والتطور الا اذا وجد مثل أعلى تتسامى اليه النفوس وتتعلق به الهمم ! وأزيد على هذا القدر فأقول ان هذا المثل الاعلى لا تكون له فاعلية الا اذا لاعم طبيعة المجموعة الانسانية فصادف منها الجوهر بأكبر مقدار من الجاذبية ، فيكون الانطلاق ويكون تفتح العقلية التى اثر فيها .
فهذا ما يجعلنا نفهم كيف تمكن النبى العربى من جمع شتات العرب وتوحيد كلمتهم وجعلهم متكتلين لتكوين أمة واحدة . وهذا ما يفسر لنا انطلاق تلك الامة الفتية ، في عقود معدودة ، انطلاقا يبعث على الدهش والاعجاب : فالعنصر الانساني قد بقى هو هو ، من الجاهلية الى اوائل الاسلام ، الا ان العقلية قد انقلبت او قل قد خلق الاسلام ، في تلك المجموع الانسانية ، عقلية جديدة . وهذه هي التى ستمكن الامة الاسلامية الناشئة من القيام بتلك الفتوحات الرهيبة التى جعلت المسلمين يكتسحون العراق فبلاد فارس فالشام ومصر ، ولم يمض قرن على انبثاق الدعوة المحمدية حتى بلغت الامبراطورية الاسلامية اوجها فى العز ، فانتصر المسلمون على البيزنطيين وبلغوا القفقاس والمغرب وصقلية واسبانيا ثم بخارى وسمرقند وخوارزم وفرغانة وتشكنت ، الى ان بلغوا حدود الصين بعد ان فتحوا بلاد الهند ! فهاهى قوة المثل الاعلى وما لها من مفعول فى حياة البشر!
ومن اكبر نتائج هذا الفتح تطور العقلية العربية وانقلابها الى عقلية جديدة اتففق المؤرخون على تسميتها بالعقلية الاسلامية لان تلك الفتوحات كان من اثرها ، فى الحياة الاجتماعية ، ان مكنت من امتزاج عناصر انسانية كثيرة ومتباينة فكان هذا الامتزاج " لقاحا بين العقل العربي والعقل الاجنبى انتج بعد قليل من الزمن " ( 2 ) تلك هى الاحداث السياسية ومن البديهى ان تكون مصحوبة باحداث فكرية لاتقل خطورة عنها !
فهذه تعاليم الاسلام ، كما نستخلصها من القرآن والحديث ، تدخل فى الاذهان مفاهيم جديدة ترفع العقل العربى من سذاجة الحياة البدوية التى غلبت عليها المحسوسات الى حياة تاملية تزخر بالمبادىء الانسانية والقيم الروحانية السامية وها هو دخول الموالى ، يمالهم من كسب فكرى هو خلاصة حضارات قديمة رسخت لها اقدام فى عالم القيم الانسانية ، يعين على انطلاق الفكر الاسلامي الجديد فتنشأ حركات علمية جديدة لاعهد للعرب بها من قبل حركة دينية وحركة تاريخية وحركة فلسفية ، الى جانب الحركة الادبية . وهاهى المدارس تشع فى كثير من المراكز والعواصم الاسلامية : مكة والمدينة البصرة والكوفة . الا ان هذه الاسباب التى تجمعت وهذه المعطيات العديدة المتباينة التى عملت في تكوين الفكر الاسلامى الجديد سوف لاتأتى بنتائجها المنتظرة الا بعد فترة اختمار كان العنصر الدينى فيها هو المهيمن على كل مظاهرها . وستدوم هذه الفترة طيلة العهد الاموى الى ان تنتصب الدولة العباسية فيكون التفاعل اذذاك قد تم بين كل هذه العناصر الثقافية التي اخذت ، منذ بداية الفتح ، تدخل شيئا فشئا فى هذه العقلية الجديدة وكان المثل الاعلى الاسلامى هو العامل على تأليفها وتنسيقها والتوفيق بين اجزائها : فهذه معطيات التيارات الروحانية ، من نصرانية ويهودية ، تلتحم
العناصر الثقافة الهندية والفارسية واليونانية والرومانية ، فيضغط عليها روح الاسلام بعد ان التفت بها اللغة العربية ، فينتج عن ذلك ثقافة بل حضارة ليست هى جملة تلك الاجزاء بل هي تأليف نوعى وخلق جديد . وتلك هى اهم عبرة من عبر تاريخ الفكر العربى ! لان هذه الحضارة الاسلامية ، وان كانت في جوهرها تأليفا لعناصر مختلفة ، بما فيها العنصر العربى ( لانه لا ننسى ان النبي عربي وان القرآن عربى ! ( فهى فى شكلها عربية صرف . وهذا ما يحاول تجاهله كثير من الباحثين في تاريخ الحضارة العربية ، وخاصة جماعة من المستشرقين الذين ما فتئوا يرددون انه ان كان العنصر العربى قد فتح ، بالسف والرمح ، تلك الاقطار العريقة فى الحضارة ، فقد تمكنت هى بدورها ، من فتح العرب فى الميدان الفكرى : فالفضل اذن كل الفضل ، فى انبثاق تلك الحضارة ، يعود الى تلك الشعوب دون سواها . الا ان ، فى ذلك ، تهاونا بالتاريخ ومعطياته لانه لولا الاسلام ولولا هيمنة العنصر العربى على تلك العناصر المتباينة لما نشأت تلك الحضارة . ويمكنك ان تضيف الدواليب بعضها إلى بعض ، وان كانت كثيرة العدد ذات قيمة ، فانك لن تؤلف منها آلة تقوم بوظيفة معينة ان انت لم تؤلف بين تلك الاجزاء والدواليب ولم تركبها تركيبا . وفي هذا التأليف والتركيب عبقرية لم تكن للفرس ولا للهند ولا لليونان !
ثم ان تاريخ الفكر العربى لم يكتف بهذه التجربة فحسب بل جاء بثانية ، من نفس النوع ، وكانه يريد ان يقيم الدليل على قابلية ذلك الفكر للتطور والخلق والابداع . فها هى التجربة الشرقية تعاد فى الغرب فيقع فتح الاندلس وتشتبك العناصر الانسانية والثقافية المتباينة فينتج عن ذلك تأليف جديد سمى بالحضارة الاندلسية . فان تأملنا هذه الحضارة وجدناها تفوق الحضار الاسبانية المسيحية الموجودة اذ ذاك والحضارة العربية الاموية التى غلبت عليها صفة البداوة .
فهى قوة المثل الاعلى هى التى جعلت برابرة طارق بن زياد يكتسحون اسبانيا ويمكنون الاسلام منها ! فيمكن فيما بعد لامثال الاستاذ " بيريس " Peres ان يطيلوا القول فى ان الفضل فى ذلك يعود الى العنصر الاسبانى بما فيه من يهود ونصارى متهاونين بالصبغة العربية الجوهرية التى كانت لتلك الحضارة . فهو التاريخ قد اعاد نفسه وأقام الدليل على أنه ما لم تبلغه النصرانية باعتمادها على اعظم الامبراطوريات ، قد حققه الاسلام بفضل العنصر العربى !! ودون ان نتوسع فى هذه البحوث ، لان ذلك قد يخرج بنا عن نطاق هذا المقال ويطول ، يمكن ان نستخلص من هذه المعطيات التاريخية ، ان العامل الاول في تولد الحضارة الاسلامية هي قوة المثل الاعلى الذى جاءت به الرسالة المحمدية ، وان العامل الثاني ، هى سرعة تأثر الفكر العربى بذلك المثل الاعلى والوثوب الى الخلق والابداع .
5 - بين العشية والضحى
ان من حاول ان يحلل هذا المثل الاعلى وجده ينطوى على ثلاثة عناصر اساسية : الاول : هي الرسالة الانسانية الجامعة التى جاء بها محمد يدعو الى " الاعتصام بحبل الله جميعا " والعمل على ما فيه سعادة الدارين . وهذه الدعوة هى التى كانت دعامة الفتوحات الاسلامية وما ادت اليه من اختلاط تلك العناصر الانسانية المتباينة ، وكان ذلك على مبدأى الاخاء والمساواة ، اذ " لافضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى " : فكانت المملكة الاسلامية وكانت الحضارة الاسلامية .
الثاني : هو ان هذه الحضارة الاسلامية كانت لها ميزات نوعية جعلتها تعتمد الانسان محورا لكل مهامها وتميز فى هذا الانسان جوهره الخالص ، اى الفكر ألم يأت القرآن مستهلا بتمجيد العلم " والقلم " : " اقرأ وربك الاكرم الذى علم بالقلم ، علم الانسان ما لم يعلم " ؟ ! فها هى اسس الثقافة الاسلامية التى تعلقت جذورها بالقرآن وبالرسالة المحمدية وبالمثل الاعلى الاسلامى !
الثالث : ان اللغة العربية هى لغة القرآن وان هذه اللغة قد سمت من مستواها الانسانى الابتدائى ( لنذكر ما كانت عليه فى الجاهلية ) الى مستوى العالم الربانى !
فها انت ترى كيف ان المثل الاعلى الذى مزق غشاوة الجاهلية جاء جامعا بين الحضارة والثقافة واللغة ! وتتبع هذه العناصر ما شئت ، عبر تاريخ الامة الاسلامية ، تحدها متماسكة بقدر ما التأمت حول مثلها الاعلى ، ومتلاشية منخذلة فاترة بقدر ما اتسعت الشقة بينها وبينه : فهو ضعف الايمان او تدهور المثل الاعلى هو الذى يبين لنا كيف انقسمت الدولة الاسلامية ، فى الشرق وفي الغرب ، وضعفت فانهارت . وهو تدهور المثل الاعلى هو الذى جعل الشعوب الاسلامية تسرع في التقهقر والانحطاط ، الى ان اصبحت لقمة سائغة للمستعمر الاجنبي ، بقدر ما جعلها ، فى اول الامر ، تسرع فى ميدان الرقى والتقدم والازدهار .
يمكن ان نستنتج اذن ان تارح الحضارة ، بما يتبعها من ثقافة ، بين الرقى والانحطاط تابع لتموجات المثل الاعلى ، وان من خصائص الفكر العربى المرونة والطواعية لمؤالفة هذه التموجات .
وما السر في انبعاث النهضة العربية الحديثة الا فى انبثاق ذلك المثل الاعلى التحريرى الذى كان السبب فى قيام الحركات الوطنية فى كامل الاقطار العربية . وصحة هذا الاستنتاج يمكن ان نلتمسها من واقعنا التونسى كى نتمكن من تمييز الاحداث بوضوح .
من تأمل تطور العقلية التونسية ، خلال تلك الفترة القصيرة التى مرت بها من الحرب العالمية الاخيرة الى سنة 1952 ، لا يمكنه أن يفهم سر هذا الانقلاب الا اذا تبين ما للمثل الاعلى الذى اتخذته حركتنا التحريرية وضبطته فى كلمة " استقلال " ، من فاعلية فى النفوس والعقول . فهذا المثل الاعلى ، وما اقترن به من رمز للكفاح تجسم في شخص الزعيم بورقيبة ، هو الذى نفخ في امتنا ذاك الروح القدسي الذي جعلها تستمد من ضعفها قوة فتصمد أمام الحديد والنار وتنتصر فى كل معاركها . وهذا هو المهم : الانتصار ! فالتشبث بالمثل الاعلى هو الايمان ! وقوة الايمان لاتفوقها قوة ! وهذا الايمان هو اساس التقدم وقوام كل المهمات السامية التى يقوم بها البشر . وحركتنا التحريرية ، بمالها من مثل اعلى لاتزال قائمة الذات لاننا لم نقطع من الطريق الا نصفها ، أو بعبارة أخرى ، قد خرجنا من الطور الدفاعى الى الطور الانشائي الذي به ، لا بسواه ، نتمكن من تحقيق غايتنا المنشودة . الا ان هذا المثل الاعلى قد يكون داخله شئ من الغموض . وهذا الغموض هو الذى يفسر لنا بعض مظاهر التردد والاضطراب ، ان لم نقل الفشل والفتور ، عندما نفكر فيما يجب أن يكون من نهضة اقتصادية وثقافية واجتماعية ، تبعا لنهضتنا السياسية ، فى حين أن الاسباب التى جعلتنا نصمد فى وجه المستعمر ، للتخلص من قيود العبودية ، مازالت قائمة الذات : فهي القضاء على التخلف ، فى كل الميادين ، ذاك التخلف الذي كان سببا فى جلب مصبة الاستعمار لكل الشعوب العربية . لذلك نرى شعبنا ، في هذه الايام ، يتحفز للقيام بثورة كبرى يكون من شأنها تحوير العقلية من جديد وجعل المجموعة تندفع ، بكل ما لها من قوة وعزم ، لتحقيق مثلنا الاعلى وهو القضاء على التخلف .
6 - الى الامام !
ان أردنا أن نسرع ، فى هذا الميدان ، بشؤوننا الفكرية والثقافية ، وجب علينا ان نعتبر بالتاريخ . فمن معطياته انه لانجاح ، فى العمل الجماعي دون وجود مثل أعلى . وهذا المثل الاعلى ، بالنسبة الينا والى بقية الشعوب العربية ، له وجهتان متكاملتان : الاولى هى التأمين على كياننا بتعزيز سيادتنا . ولا يكون ذلك الا اذا مكنتنا ثقافتنا من الوقوف حنا لجنب مع بقية الامم الراقية لانه - كما قلت فى مقدمة هذا المقال - لاتكون السيطرة ( وان كنا لا نريد السيطرة بل الكرامة والكرامة فحسب ، نريدهالنفوسنا كما نريدها لغيرنا ! ) الا لمن مكنته ثقافته من الاحراز على أكبر الوسائل الفنية وادقها . والثانية هى تبرير ساحتنا أمام التاريخ ونفض ما تراكم من غبار المذلة والعار على الجنس العربى والفكر الاسلامى ! لذا وجب ان نوضح السبل وان نحدد المراحل التى يتحتم علينا قطعها فى سبيل نهضتنا الثقافية . وهذا السعى لا يكون مثمرا الا اذا اعتبر بدروس التاريخ . ومن دروسة الواضحة :
أولا : أن الفكر العربى له من المرونة والقابلية ما يجعله يسرع فى ميدان اكتساب العلوم والسير بها الى الامام .
ثانيا : أن طبيعة هذا الفكر " لا تظهر ولا يرى ضوؤها الا اذا قدحها قادح " من الثقافات الاجنبية .
قد يقول بعضهم ان هذا الفكر العربى قد طال اتصاله واحتكاكه بالثقافات الاجنبية ، في سنى الاستعمار ، وما مكنه ذلك من التطور والرقى ! فأين هي دروس التاريخ ؟؟ والحقيقة أن الاحتكاك بالثقافات الاجنبية لايكفى ان لم يكن عن طيب نفس ومصحوبا بوازع فكرى يمكن الافراد والجماعات لامن الاقتباس فحسب ، بل من تبنى تلك الثقافات و " هضمها " وتكييفها بخصائص فكرهم وعبقريتهم كى يتسنى لهم الخلق والابداع ، تحت تاثير تلك الثقافات الاجنبية . هذا ما وقع فى العصر العباسى وهذا ما وقع فى الاندلس : فبعد فترة احتكاك واقتباس ونقل وقع " الهضم " ثم الخلق والابداع . وما كان ذلك ليتم للعرب ، في تلك العصور ، لو لم يكن لهم مثل أعلى بعثهم على التنافس والمناظرة . فأين هو ذاك المحرك بالنسبة الى من وجد نفسه ، في العصور الاخيرة ، من ابناء لغة الضاد ، على مقاعد المدرسة الاجنبية دون أن يكون له اختيار في ذلك ولا ارادة ؟ ! ففي مثل هذه الحالات الانفعالية لا يمكن ان نطالب الفكر العربي بالخلق والانتاج اذ الجو الثقافى برمته قد تنكر لهذا الفكر الذى اصبح غريبا فى دياره وكانت دياره ديار وحشة !
فعلى هذا الفكر اليوم أن يثأر لنفسه وأن يتجند للزحف على الغرب وعلى كل البلدان المتقدمة ليأخذ نصيبه من الثقافة ويتبوأ مكانته فى نطاق الفكر الانساني . وهذا الزحف لا يتم الا بالايمان والتشبت بمثل اعلى والتخلص من سفاسف المشاكل الجزئية التى يفرضها علينا الحاضر وان كانت تلك المشاكل ، فى بعض الاحيان ، على نصيب من الخطورة . الا انه لا يقام لها حساب ، ان قيست بمستقبل الامة .
لذا وجب تحديد المهمات وتصميم شؤننا الثقافية على ضياء ما يكون فيه ضمان للمستقبل . وحسب ما اعتقد ، لا يتم لنا ذلك الا بتوفر هذين السببين .
السبب الاول : اعطاء المشكل الثقافى اهميته المشروعة فى بلاد غلب عليها الجهل فالفقر ( اذ أن الثاني لايكون الا تبعا للاول ) . ولا يتم ذلك الا بمضاعفة الجهود والتضحيات لتمكين كل المواهب من التبلور والبروز ، واعتماد مبدا العدالة الاجتماعية في نشر التعليم وتعميمه والرفع خاصة من مستواه . ثم يجب أن يكون هذا التعليم مسايرا لمقتضيات العصر كافلا لما فيه ضمان المستقبل .
ولا يكون ذلك الا بتصنيف حاجاتنا الفكرية والاقتصادية والاجتماعية وتوجيه شباننا ، في تخصصهم واستكمال ثقافتهم ، حسب تلك الحاجات . كما أن هذا التعليم ( وأعنى التعليم الابتدائى والثانوى ) يجب أن تكون مهمته اعداد الشبان لحوض المعركة الحقيقية وهي معركة التعليم العالى . لذا وجب أن يكون هدفه الاول السهر على جعل هؤلاء الشبان واثقين من مقومات شخصيتهم ، واجعل فى مقدمة تلك المقومات اللغة العربية .
يكون هذا العمل أول مراحل التجنيد . أما المرحلة الثانية فهى ، كما سبق أن قلت ، الزحف على الغرب وعلى كل الشعوب المتقدمة فى الميدان الثقافي ، لتمكين اكبر عدد ممكن من الطلبة من مزاولة تعلمهم بالخارج والتزود بأكبر قدر ممكن من الثقافة والتخصص ، قدر الاستطاعة ، فى كل الميادين . وواجب علينا ، فى هذا الباب ، أن نقوم بكل التضحيات وأن ننتهز الفرص مهما كانت ، فى باب التعاون الدولى ، لتمكين أكبر عدد ممكن من الشبان من مزاولة تعلمهم بالخارج .
السبب الثاني : هو ان النهضة الثقافية لاتكون ان نحن اكتفينا بهذا القدر لان هذا المستوى يقف بنا عند حد النقل والاقتباس . لذا وجب بعث جامعة حقيقية واعية بدورها الحيوى الذى عليها أن تقوم به فى هذا المجتمع ، يكون من مهماتها - زيادة على ما تقوم به من بث التعليم العالى والسهر على نقل العلوم والفنون من اللغات الاجنبية الى اللغة العربية - تمكين كل المواهب من التفتح يتجاوز طور النقل والاقتباس الى طور الخلق والانتاج سواء أكان ذلك في العلوم الوضعية أم في العلوم الانسانية والفنون . ولا يتم هذا الا اذا توفرت الاسباب المادية والادبية لكل من له كفاءة ، وانشاء مراكز للبحوث العلمية تكون وظيفتها تفوق مهمة التعليم وترمى الى احداث هذه الحركة الثقافية الحقيقية التى بها لا بسواها يمكن لمجتمعنا ان يتقدم فى هذا الميدان .
فالمشكلة تقتضى التطلع الى المستقبل لتحقيق ما يضمن لنا تحررنا الثقافي . لانه ما دامت دوواليب جامعتنا يسيطر عليها الاجانب وما دمنا لانفكر فى تعويض هؤلاء الاجانب وتمكين المواطنين من الاخذ بأزمة الامر ، فى هذا الميدان ، فانه لن تتم لنا نهضة ثقافية حقيقية لا لايتسنى لنا الخروج من التخلف الذى نقاسيه . وهذا كله يقتضى التثبت والجرأة والاقدام والتضحية . وكيف لانقدم على ذلك كله ان كنا من المؤمنين بالمستقبل ؟؟
7 - طرح المشاكل الخاطئة
هذه بعض اشارات سريعة لما قد يبدو من حلول لمشاكلنا الثقافية ، الا انه قبل أن أنهى هذا المقال أريد أن أدفع لومة لائم كأني به يقول : وما فعلت باللغة العربية في كل هذا ؟ وكيف يمكن تأسيس جامعة ومراكز للبحوث العلمية ، واللغة العربية قاصرة عن القيام بوظيفتها ؟؟ فالجواب بسيط ، يرجع بنا الى ماجاء فى أول هذا المقال .
وهل يعتقد لائمى اللغة العربية كانت ، قبل الدعوة الاسلامية ، متهيئة لقبول كل تلك المعانى القرآنية الجديدة ؟ وهل كانت مستعدة بعد ذلك للقيام بوظيفتها ، ايام الدولة العباسية ، حين انبثقت الحضارة الاسلامية الجديدة وأيام الدولة الاسلامية بالاندلس حين تولدت الحضارة الاندلسية ؟ ؟
الحقيقة أن هذه المشكلة هى من المشاكل الخاطئة ، لان اللغة ليست شرطا من شروط الفكر أى ليس من المعقول أن يقال ان الفكر ( أو قل : الثقافة ) لا يمكنه أن يتقدم الا اذا كانت اللغة متقدمة ، لانه لو كان الامر كذلك لتمكنا من التعبير عن كل المفاهيم باطلاق واصبحنا فى مستوى أرقى الشعوب . بل العكس ، فاللغة هي نتيجة من نتائج الفكر وقد قال بعضهم " ان الالفاظ هي ظروف المعاني " الا أن هنالك علاقة جدلية بين الفكر واللغة : فالكلا والفكر ينموان ويرتقيان معا ، وكثرة الالفاظ وتطورها تتبع كثرة المعاني وتطور الفكر . ولئن كانت كل المحاولات التى قام بها علماء العربية ، منذ انبعاث حركة النهضة قد آلت الى الخيبة والفشل فذلك لانهم أهملوا - أو لم ينتبهوا - الى هذه العلاقة الجدلية الموجودة بين اللغة والفكر ، فاخذوا يلتمسون اسباب العلاج للنهوض باللغة ، معتقدين أن في ذلك ما يفي بتطوير الثقافة العربية والفكر العربي . فكانوا كلما قاموا يمحاولاتهم تلك زادت اللغة تحجرا والفكر استعصاء . وهاك دليلا على ذلك ما قام به المجمع العربى بمصر من ضبط " الفاظ الحياة اليومية " ( وهو ابسط مظهر من مظاهر اللغة والفكر معا ! ) ، فقام بذلك العمل الشاق وسهر على تقديمه الى المجمع ، اللغوى الشهير الشيخ عبد القادر المغربي . فما كان ذلك الا هزلا وعبثا ، لان الناطقين بلغة الضاد لم ترضخ افكارهم وعقولهم لمقررات المجمع العلمى بما فيه الشيخ عبد القادر ! وهذا دليل على أن الشعوب العربية لم تفهم بعد ما هى مهمة المجامع العلمية : فما كانت مهمتها فى أى أمة من الامم أن تخلق الالفاظ وتفرضها فرضا على المجموعة ، بل مهمتها هى تدوين اللغة بما اثبت فيها الاستعمال والتداول من ألفاظ هى وليدة النشاط الفكرى فى كل الميادين . ومن طبيعة هذا النشاط الفكرى ان يخلق المعاني ثم يضع لها الاسماء والالفاظ . لقد قال هاملتون : " لا يستولى الجيش على البلاد الا باقام الحصون فيها ، والالفاظ هي حصون المعاني " . ولكن ليست الحصون حصونا ان كانت فارغة ، وما اكثر الحصون الخراب في البلاد العربية وفي العقول العربية ! واليوم وقد طال خرابها واصبحنا مهددين فى كياننا فما علينا الا ان نشمر وننشط لتشييد حصون جديدة وتجهيزها تجهيزا يساير مقتضيات العصر .
فاللغة العربية ، اذن ، بريئة من كل التهم التى الصفت بها لان الذنب كل الذنب انما هو ذنب الساهرين على شؤوننا الفكرية اذ هم تهاونوا بمستقبل الفكر العربى واغفلوا وسائل علاجه الحقيقى اما عن جهل أو عن تفريط

