اعوذ بك اللهم من الوساوس المتسلطة ! ولكنها وساوس يقتضيها كياننا ويفرضها علينا فرضا لامناص لنا منه . فلا حاجة ، اذن ، الى التماس العذر ان تناولت من جديد موضوعا كنت اثرته مجرد اثارة ، فى تلميح وايحاء عبر عدد الفكر المخصص لدرس مشاكل اللغة العربية والصادر في فيفرى المنصرم.
اقول انها وساوس لان هذا الموضوع كنت قد شرعت في بسطه سنة 1957 على صفحات جريدة
" الطالب التونسي " . ولئن عدت ، فى هذا المقال ، الى ما كنت قد بسطته اذ ذاك من معطيات الموضوع ، فذلك لان ماعانيته من تقليب هذه المسالة الجيوية جعلني اعتقد ان المشكل الثقافي هو ام المشاكل بالنسبة الى كل البلاد العربية . وزاد يقيني يقينا ما انتهت اليه الازمة المصرية خلال شهر اكتوبر 1956.
فها انا اعود الى الموضوع بعد مايزيد على ثلاث سنوات واعتقادى ان المشكل لم توضح بعد معطياته الاساسية وما خطابها الزمن خطواته الاولى نحو الغاية المنشودة . اهو جمود الفكر العربى وتحجره بصورة نهائية ؟ام هي الفوضى التى لا تدعك تتأمل المشاكل وما من شأنها ان تصل اليه فى سيرها نحو الحلول ؟
الحق ان مشكلة الثقافة العربية - ولا اقول اللغة العربية - لا تزال على بساط البحث . واكبر خوفى انها الفت البساط منذ ان القيت عليه فاسترخت ونامت او تناوم عنها الفكر العربى وتثاقل ، لما فى اثارتها من عقبات واتعاب واهوال !
1 - مفترق الطرق
المشكلة التى اثيرها في هذا الموضوع هى من باب محاسبة الضمير بالنسبة الى كل من تهمة شؤون الثقافة العربية وشؤون الفكر العربى : فعلى من اراد التجند لهذا العمل ان يتجرد من كل الظنون والاوهام وان يترك معتقداته
وأهواءه وان يتخلص من ربقة الحاضر واغلال الماضى ويصوب فكره ونظره نحو المستقبل ليتحسس السبل التى يتحتم لاعلى الثقافة العربية فحسب ، بل على الفكر العربي اطلاقا ان يتوخاها ان اراد الخروج من سباته والانطلاق من جديد تلك هي الشروط التى تقتضيها مهمة فحص شؤوننا الفكرية وعلاجها والبحث عن الوسائل الناجعة التى من شأنها اما ان تسرع بتطوير الفكر العربى طبق الاتجاهات التى قد يكون ارتسمها لنفسه دون راسخ عزم ، واما ان توجه توجيها جديدا ، واما ان تحوره تماما للقيام بوظيفة ربما عجز فى الظروف الراهنة عن القيام بها لانه اصبح غير صالح لها .
ومهما يكن من امر فالمشكلة مشكلة صدق ونزاهة لا تحتمل التمويه ولا الاغراء بل تقتضى التثبت فى النظر والشجاعة فى التفكير لضبط المراحل التى على الثقافة العربية ان تقطعها كى تخرج من التأزم الى الازدهار ومن الركود الى التقدم السريع.
وقبل التمادى يجدر بالذكر ان هذه البسطة السريعة ) التى سوف لاتخلو من نقص ولاخلل ، نظرا لاتساع الموضوع ( ستعتمد دراسة الاحداث الفكرية عبر التاريخ كي نتمكن على ضوء دروس الماضى من التماس الحلول التى يقتضيها الحاضر والتطلع الى ما فيه ضمان المستقبل . واوصى القارىء بان توخى هذه الطريقة يفرض علينا ان لاننسى ماللمشاكل الثقافية من مظاهر كلية . فهذه المشاكل تفرض حتما على من اراد البحث فيها ان يعرج على الميادين الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية فلا يستغربن افراط المقال فى بحث مسائل تاريخية بعيدة او ثقافية راهنة لمجرد ذكر حادث سياسي بسيط ، ولا يستبعدن ما تولده الظاهرة الثقافية البسيطة من تأثير فى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وذلك لما يوجد من علاقة جدلية واضحة بين مفهومي حضارة وثقافة . لان الثقافة دعامة الحضارة وقوامها ، وهى فى نفس الوقت ، ان استوفت نموها واكتملت ، خلاصة تلك الحضارة وتأليف نواحى كسبها ورقيها تألفا منسجما ، أوقل فى اختصار ، ان الثقافة هى بالنسبة الي الحضارة " ما تحت البنية " ) Infrastructure وما فوقها ) Superstructure لذلك كان اضمحلال الحضارة يتبعه اضمحلال الثقافة ، والعكس بالعكس.
وهذا الاضمحلال هو من الخصائص التى نتبين بها ثقافتنا . وقد ظهرت علامات المرض منذ عهد بعيد الا ان شعورنا بها لم يكن الا منذ القرن الاخير وما بذل من مجهودات فى سبيل العلاج ، هنا وهناك ، لم يكن ناجعا لانه عوض ان نتحفز لاستئصال المرض اقتصرنا - ومازلنا نقتصر - على مخدرات جزئية لا مفعول لها سوى تأجيل العلاج !. .
ولكن بعد هذه المحاولات الجزئية وما اذت اليه من خيبة وفشل ، وبعد ان اتضحت الاهداف بفضل ما جابهته وما تجابهه الاقطار العربية الحديثة العهد بالاستقلال من مشاكل وصعوبات ، يبدو اننا قد بلغنا مفترق الطرق . وربما

