لقد اصبح الشباب موضوعا من الموضوعات الشاغلة لعقول الدارسين المسيطرة على مناهج أفكارهم فى كل بلاد العالم . وأهمية الحديث عن الشباب ناشئة عن الشعور العميق بأهمية الرسالة التى يحملها الشبان فى كافة أمم الارض ، وفى امتنا بصورة أخص وهى أمة يكون الشبان فيها اغلبية فى العدد ورصيدا هائلا من الطاقات البشرية والآمال العريضة الباسمة .
ثم ان الحديث عن الشباب موضوع ثرى دسم ، غنى غنى هذا الصنف من البشر ، متشعب تشعب المشكلات التى تعرض لهم : تحيرهم وتضنيهم ، تشقيهم وتسعدهم ، تثيرهم ، تلهب عواطفهم وتحرك فيهم كوامن المروءة واندفاع الفتوة السامية .
ولقد أردنا لهذه اللمحة عن الشباب ان لا تقتصر على المظاهر الاجتماعية والسياسية ، بل سعينا الى توسيع آفاق النظر وتعديد زوايا الملاحظة ، وعمدنا الى شىء من التعمق فى البحث والنقاش حتى يشمل الحديث مظاهر أعم من العادى وآفاقا أرحب من المألوف ، مركزة على خصائص النفس البشرية مثلا وعلى المظاهر الفكرية والعقائدية التى هى جانب أصيل من منزلة الانسان فى هذا الكون .
ورأينا مشكلة الحياة المثالية مشكلة جامعة عند البشر ، وحادة عند الشباب على وجه الخصوص . فظاهرة المثل الاعلى ظاهرة انسانية عامة لا يختص بها الشبان دون الكهول ولا يختص بها الرجال دون النساء ولا تنحصر في فئة انسانية دون أخرى ، لان المثل الاعلى من اهم خصائص الانسان ، كل انسان مهما كان نوعه أو جنسه أو دينه . غير ان هذه الظاهرة أعمق أثرا وأكثر بروزا فى حياة الشباب : فالمثل الاعلى مادة تفكيره وعماد مطامحه ومحط الجسيم من آماله .
فلنبدأ اذن بالنظر فى هذه العلاقة الاصيلة المصيرية بين الانسان والمثل الاعلى ، حتى نتخلص من بعد الى النظر فى مفهوم المثل الاعلى عند الشباب والشباب تربص فى الحياة ، وطفولة خالدة للانسانية ، ومجال رحب فسيح للتسامى وللاحلام .
ثنائية الانسان وظهور فكرة المثل الاعلى
لقد اختص الانسان ، منذ كان ، وحيثما كان بانه منقسم متنازع بين عاملين متضادين متقابلين يؤلفان هذه الوحدة الغريبة التى تنشأ عن تكاملهما رغم التضاد ، وعن ائتلافهما رغم التنافر ، فالانسان روح ومادة ، او هو فكرة وصورة ، أو هو عقل وجسد ، أو هو فضيلة ورذيلة . . ومهما يكن نوع التقسيم فان الجانب اللامادى ، الفكرى أو الروحى من الانسان يقوم دائما فى صورة مقابل يعارض الجانب المادى ويسمو عليه فى الغالب .
فالفلسفات الشرقية القديمة ، من هندية وبوذية وفارسية ، ترى ان فكرة الخير فى الانسان تقابل فكرة الشر وتعارضها وتسمو عليها . ويمكن ان تكون فكرة الخير غاية يعمل الانسان على تحقيقها
والفلسفات اليونانية الافلاطونية مثلا ترى ان فكرة الانسان الكامل - لو تسنى له ان يتخلص من المادة وان يصبح الحقيقة الانسانية المطلقة - تقابل الصورة الانسانية الجسدية المادية .
ويرى ارسطو ومن نحا نحوه ان الجانب السامى من الانسان يتمثل فى سمو العقل وصفائه واطراد نواميسه الخالدة ومقولاته .
اما افلوطين الاسكندري - وكذلك اتباعه من فلاسفة المسلمين كالفارابى مثلا أو ابن سينا - فانهم يرون ان هذا الجانب الروحى من الانسان يتمثل فى الجزء النورانى الذى انبثق عن الروح الالهية الاولى فى شكل فيض ليمتزج بالصورة الهيولية المادية .
كما يتمثل هذا الجانب فى حالة التجرد الكامل من سلطان المادة عن الانسان فيما يسميه المتصوفة بالاحوال أو الاوقات ، وهى التى يحصل فيها الاتصال المباشر بالذات الالهية ، أو يحصل فيها ما يسمى بالحلول .
وتطور الانسان ، وتشعب تفكيره ، لكن هذه الثنائية لم تفارقه يوما فى حال من أحواله فالانسان مادة وفكر عند ) ديكارت ( ، والانسان عقل صرف وعمل تطبيقى عند ) كانت ( ، والانسان توق الى المجهول اللا معقول وعمل موضوعى ايجابى عند ) اغست كونت ( ، والانسان انانية فردية وعمل دائب لاصلاح المجموعة عند ) كارل ماركس ( ، والانسان وجود محض ومحاولة تسام واشراف على هذا الوجود عند كل الفلاسفة الوجوديين المؤمنين منهم والملاحدة .
فسواء آمن الانسان بنفسه فحسب أو آمن بشيء يفوقه قوة وجمالا ، وسواء رأى الانسان امكانية التطور والاصلاح أو رأى تعذر التقدم واستحالة التحسين ، فهو لا ينفك يتخذ مبدأ عليه يبنى آراءه - وبه يرسل أحكامه ومن أجله يتفاءل أو يتشاءم بحياته وحياة مجتمعه وحياة الانسان بصورة أعم . وهذه الفكرة
التى بها وعليها ومن أجلها يحيا الانسان هى التى نطلق عليها فى هذا البحث اسم المثل الاعلى
وقد كانت صورة المثل الاعلى فى العصور القديمة صورة غير بشرية ، أو بعبارة أدق ، كان المثل الاعلى يبدو فى مظهر هو فوق المظهر البشرى الطبيعى لقد اتخذ المثل الاعلى فى أكثر عصور التاريخ مظهرا الاهيا تتلخص فيه كل الخصائص التى يعجز البشر عن الوصول اليها وعن تحقيقها فى حياتهم فعندما رأى الانسان ، مثلا ، عدم توفر العدالة فى علاقة البشر بعضهم ببعض ، ورأى كذلك عجزه عن حمل بني الانسان على احترام هذا المبدأ الانساني ، فانه فتح لفكرة العدالة مجالا جعلها فكرة مجردة سامية مطلقة ، يمكن ان يتصف بها كائن يناسبها تجردا وسموا واطلاقا ، وهو الاله . فأصبحت جميع صور العدل الانسانى ظلالا متفاوتة الوضوح والصدق من هذه الفكرة المثالية للعدل وقد قام الانسان بمثل هذه العملية - التى اقتصرنا على ذكر خطوطها العامة - فى ميادين مختلفة من الحياة البشرية ، فأصبحت صفات الكمال - أو صفات الاله - كالقدرة والعلم والخلود والعدل مثلا عليا لما يناسبها من صفات البشر التى هى منها بمنزلة الظل من الشجرة
وكان الانسان قد عرف قدر امكانياته ، فلم يدع يوما ان باستطاعته الوصول بهذه الصفات البشرية الى مستوى الكمال المطلق . فامكانيات الانسان محدودة وسيطرته ، فى اول عهوده ، على القوى الطبيعية والبشرية غير جديرة بالاعتبار . ولهذه الاسباب كان الانسان مضطرا الى أن يقصر الكمال على ميدان الخيال وما وراء الطبيعة .
ثم تبدلت حالته وتضاعفت وسائله المادية وأصبح يرى نفسه يسير من نصر الى نصر ويرى عقبات الطبيعة تنقص شيئا فشيئا أمامه فيتسع نفوذه ويمتد سلطانه . فانقلب تشاؤمه تفاؤلا وأخذ ينصرف عن الحيرة الى الايمان فاصبح مؤمنا بالتقدم وبإمكانية الاصلاح ، بل لقد اصبحت أعماله تتسم بالجرأة وعدم الرضى بالواقع ومحاولة قلب الاوضاع الناقصة الفاسدة لبعث حياة افضل يعيشها انسان افضل فى نطاق مجتمع افضل مما هو عليه وهكذا تعود الى الانسان ثقته بنفسه وتصبح مثله العليا مثلا لها صلة متينة بالبشر ، اهم صفاتها انها ممكنة التحقيق وان كان فى تحقيقها من الصعوبة ما لا يخفى على أحد .
وسواء أكانت الفكرة المثالية من ميدان الخيال المحال أو من ميدان الممكن الوقوع فان نظرة الانسان اليها هى نفسها دائما دائما ، نظرة فيها توق وتسام وظمأ عميق ، نظرة يضفى فيها الانسان على الفكرة أو على الصورة خصائص نادرة خارقة تجعلها بعيدة عنه . وكلما ازدادت ابتعادا ازداد الانسان بحثا عنها وملاحقة لها . .
ويتضح لنا من هنا ان المثل الاعلى لا يمكن ان يكون قارا ثابتا ، بل هو تطور دائم وتغير مستمر . وبهذا الوجه فانه لا يمكن ان تخلو حياة الانسان من المثل العليا الا اذا بدل الانسان غير الانسان وبدلت الارض غير الارض
وبما ان الانسان لم يتغير بعد ولم يصبح فى غنى عن المثل فلنحاول الآن ان نفهم الدواعي التى تدفع الانسان الى أن يسعى وراء هذه المثل وأن يعيش فى شوق مستمر اليها وفى عمل دائب من أجلها ، وبعبارة اخرى ، ما هى الاسباب التى تجعل الانسان " كائنا مثاليا " لا من حيث هو موضوع المثالية بل من حيث هو طالب لها وباحث عنها ؟
الحاجة إلى الايمان
لقد حاول عدد من المفكرين أن يبرزوا من بين الخصائص الانسانية الميزة التي تطغي على غيرها حتى تمكن الدارس من تخصيصه بها فتكون دلالتها عليه دلالة قاطعة كافية . فقالوا مثلا ان الانسان صانع بالطبع ، وقالوا ان الانسان عالم بالطبع وقال ابن خلدون ان الانسان مدنى بالطبع ، وقال بعضهم ان الانسان متدين بالطبع
ويبدو لنا ان اخص خصائص الانسان واهم مميزاته هو الايمان ، ونعنى بذلك الايمان فى مفهومه العام لا فى المعنى الدينى الضيق . فالانسان مؤمن بالطبع ، وهو محتاج إلى الايمان احتياجه الى الهواء والنور والى الغذاء والماء .
فنحن نعلم ان الانسان كائن ناطق ، أى عاقل ، وان أشد ما يخشاه هذا الكائن هو الغموض والعبث . نعم هو يخاف من المجهول ويهرب من الحيرة والشك . يشقيه ان يرى الظاهرة لا يفقه لها معنى ولا يدرك لها سببا .
فالانسان كائن عاقل يحاول ان يجعل كل شيء معقولا ، ويسعى الى ان يكون كل شيء ثابتا كل الثبات ، واضحا كل الوضوح ، بعيدا كل البعد عن الشك وعن الغموض وعن الفوضى الفكرية
والانسان اخيرا كائن يكره الخلاء والفراغ لانه يخاف العزلة فى الوجود ، ويخاف انقطاع السلاسل السببية التى تربطه بالكائنات ، والتى تصل الكائنات والظواهر الطبيعية والفكرية بعضها ببعض . فالظاهرة المنعزلة المنفردة في الكون هى عنده مصدر قلق وحيرة وشقاء .
ومن أجل حاجة الانسان الى فهم ما يحيط به فهما معقولا ، ومن أجل خوفه من الخلاء ومن انعدام السلاسل السببية بين الاشياء ، ومن أجل حاجته الى الايمان بأمر ثابت قار ، فقد خلق الانسان لنفسه ، فى ظروف الفراغ والعزلة وفي ظروف العبث واللامعقول ، كائنات ميثولوجية نسب اليها الصورة والكثافة والسلوك المعقول فى كثير من الاحيان ، وأضفى عليها من الصفات ما .
تعذر عليه تحقيقه وادراكه فى ذاته وفي نطاق الواقع . فأصبحت هذه الكائنات الميثولوجية الخيالية كائنات مثالية تصور اشواق الانسانية وآمالها
ولا شك فى ان الانسان ، خالق هذه الكائنات المثالية ، قد سد بها فراغا مهولا فى نفسه ، وانصرف اليها بكل ما أوتى من حرارة الايمان وقوة العقيدة . وهكذا جعل الانسان من هذه الميثولوجيا ، التى كانت فى الاصل رد فعل ضد العزلة والحيرة ، نظاما دينيا اخلاقيا آل به الامر الى اعتناقه والايمان به والدفاع عنه . وقد قام فى ذلك بعملية نفسية متشعبة العناصر يسميها بعض الوجوديين اليوم " مغالطة النفس " .
وقد تأصل هذا النظام الميثولوجى فى نفس الانسان وائتلف مع عواطفه وكيانه حتى أصبحت مقاومته شاقة والتخلص منه متعذرا ، خصوصا وقد أصبح نظاما عاما شائعا فى مجتمع ، بل فى مجتمعات انسانية بأسرها ، تقوم عليه الاخلاق والقوانين والسنن الاجتماعية ، فاتفقت بهذه الصورة مصلحة الفرد بمصلحة المجموعة ، أو بما تعتبره مصلحتها
واذ قد بلغنا هذا الحد من بحثنا ، فانه يجدر بنا ان نشير الى ان النظم الميثولوجية التى تحدثنا عن اسباب نشأتها وكيفية ظهورها ليست نظما قارة ثابتة . انما هي نظم مبنية على خيال الانسان وعلى عواطف الشعوب ، تتطور حتما بتطور تفكير هذه الشعوب : تتقدم بتقدمها وتقترب من المعقول نسبيا بحسب اقتراب الشعب ، الذى نشأت فيه وغذت عواطفه واحلامة ، من العقل فالنظم والشرائع التى قد تبدو مطمئنة مقنعة فى فترة من فترات حياة الشعب الطويلة يمكن ان تصبح ساذجة بسيطة سخيفة بالنسبة الى اجيال لاحقة من نفس الشعب . ولذلك فلا عجب ان نرى الشعوب تغير أحيانا شرائعها أو تطورها بحسب الظروف الزمانية والمكانية وبحسب احتياج الناس الى طمأنة العقل وسد الفراغ المفزع فى الحياة . وان هذه الحاجة لتقل نسبيا كلما أصبح فهم الانسان لمظاهر الكون الطبيعى أعم وأشمل وأعمق
فاذا أردنا الآن ان نستخلص نتائج دراستنا للمثل الاعلى كما يبدو عند الانسان فانه يمكننا ان نؤكد ان هذا المثل هو ظاهرة ميثولوجية محض . وانا لنجد الاشارة الى هذه الخاصية الخيالية التجريدية حتى فى تسمية المثل نفسها ) كما نلاحظ متانة الصلة بين كلمة Ideal الفرنسية وبين اصلها كلمة Idee(
ويمكن ان نستخلص ايضا ان هذه الظاهرة الميثولوجية هى دائما أمر فوق المادة . بل لا نصيب للمادة فيه البتة . فهي اذن ظاهرة فوق الانسان ، ولذلك فالانسان يحاول دائما السمو اليها . ثم ان حركة تسامى الانسان الى هذا المثل الاعلى هى حركة لا يمكن ان تبلغ هدفها يوما . فالمثل هو الغاية القصوى وهو الحد الأبعد الذى يرمى الكائن البشرى الى ادراكه رغم علمه ووثوقه بانه
ليس بواصل اليه يوما من الدهر . لان المثل الذى يمكن بلوغه ليس بمثل أعلى حقيقي
ويحق للمرء ان يختار ، وان يسائل نفسه عن مقدار أهمية هذه الظاهرة ، إذا كانت محكوما عليها بان تبقى فى نطاق القوة وفى ميدان الخيال ، واذا كان تحقيقها امرا مستحيلا . فماذا يفيد الانسان اذن من السعى وراء غاية يعرف انه ليس بواصل اليها أبدا ؟ نعم ماذا عساه يفيد هذا الانسان ، وماذا عساه يفيد المجتمع من هذه الفكرة الميثولوجية التى تتميز فى اخص ما يتميز به بانها فكر محض وسراب خلب ؟
المثل دافع وحافز
هذه الجملة من الاسئلة من شأنها ان تعيننا على ان نستخلص خاصية أخرى من أهم خصائص المثل الاعلى . ذلك ان هذا المثل ، كما سبق ان قلنا ، ليس بشيء ثابت قار ، وبعبارة أوضح فانه لا يمكننا ان ندرك قيمة المثل الاعلى اذا اقتصرنا على اعتباره غاية حقيقية كانت أو خيالية ، ممكنة أو مستحيلة الادراك
ان اهم ما فى المثل الاعلي هو الهدف النهائى ، لان هذا الهدف كما رأينا من الامور المطلقة . انما المهم فيه هو حركة الميل الى الهدف . نعم ذاك الاندفاع والايمان وذاك التوق والتسامي هي اهم ما فى المثل الاعلى من القيم واعظم ما ، نجد فيه من الفائدة ، لانه محرك الانسان نحو الخير ودافعه الى الجمال والى السمو والى محاولة الوصول بانسانيته الى درجة الكمال ، ومن سعى هذا السعى وسلك هذه السبيل فقد افاد ، وقد انجح سعيه وبورك جهده . فمن فكر فى المثل الاعلى فقد فكر في امكان الاصلاح وفى عوامل التحسين وفي السير بالانسان وبالمجموعة البشرية من الحال الحاضرة الى حال فضلى . ومن فهم فكرة الكمال فى المثل الاعلى وسعى الى تحقيقها فقد كان سعيدا مجدودا لانه أحسن اختيار السبيل ، وبدأ السير فى طريق الحق السوية ، وهو حقيق بأن يقطع فيها البعيد من الاشواط .
فالمثل الاعلى هو دائما فكرة اصلاح وتطوير ، وهو كذلك فكرة تفاؤل ناشئ عن الايمان بامكانية الاصلاح والتطوير . وانه ليهمنا بالخصوص من هذا الوجه الذي يجعل هذه الفكرة - وقد بدت لنا فى اول خطوات بحثنا فكرة خالية من كل فائدة عملية - ظاهرة ذات وظيفة اخلاقية ، وذات وظيفة اجتماعية هامة فى حياة المجموعات البشرية .
فدراسة المثل الاعلى الان ليست دراسة نظرية مجردة ، وليست تلاعبا بالمفاهيم الفلسفية او النفسية حبا فى تنسيق الافكار بدون هدف عملى . انما هى محاولة للاشراف على هذا المفهوم الذى كان - وما زال - يحيط به قدر لا بأس به من الغموض ، حتى يقع ادراك أهم خصائصه وابراز ما نراه
فيه العامل الاساسى : نعنى بذلك الحث على العمل والايمان بجدوى جهود الانسان .
هذا وان احوج الناس الى هذا الدافع القوى والى هذا الحافز العظيم على العمل الجدى الهادف هم الشبان
المثل الاعلى والشباب : مفهوم الشباب
ان تأكد حاجة الشباب الى المثل الاعلى ، وشدة لصوق منزلة الشباب بهذا المفهوم تعود اولا وبالذات الى مجموعة من الميزات يتميز بها الشبان من حيث كيانهم ومن حيث تكوينهم .
فما هو الشباب فى حقيقة الأمر وفى أصل القضية
ان الاجابة عن مثل هذا السؤال من الامور الشديدة العسر والعظيمة الخطر والاهمية . ويرجع العسر فى تحديد مضمون كلمة الشباب إلى صعوبة الاحاطة بعناصر هذا المفهوم ومشقة الالمام بخصائصه ومؤونه الظفر منه بعوامل قارة يمكن تحديدها واثباتها والاعتماد عليها والرجوع اليها . وصعوبة الاحاطة بالعناصر المكونة للشباب لا تعود فحسب الى كثرة هذه العناصر وتعددها واتساعها من حيث الكمية . بل ان اكبر الصعوبات واخطر العوائق هو ما تتميز به هذه العناصر المكونة من قابلية للتغير ومن عدم استقرار بضفى على كل مجموعة من الشبان فى كل مجتمع من المجتمعات مظهرا من الفوضى النسبية يقف الدارس العاقل امامها حائرا
لهذه الاسباب كلها فان محاولتنا لتحديد مفهوم الشباب وتعريف مضمونه ستكون محاولة تقريبية ليس فيها استخلاص قاعدة مطردة او مبدأ عام قار . سوف تكون محاولتنا فى الحقيقة محاولات متتالية تقربنا اكثر فاكثر من الغرض المقصود
واول ما يمكن ان يشعر به الدارس للشباب . ان هذا الصنف من البشر يتميز بخاصيتين متقابلتين : فهو ايجابية وجهد مليء ، وهو هو فى الوقت نفسه وفى اللحظة ذاتها سلبية وفراغ . هو قوة اندفاع وصمود وهو في الحين نفسه تقهقر وتراجع وانخذال . ومن اجل هذا الازدواج ، ومن اجل هذه الثنائية ايضا ، فنحن مضطرون ، فى محاولة تعريفنا للشاب ، الى ان نقدم تعريفين اثنين : تعريفا ايجابيا وتعريفا سلبيا
1 ( فالشباب يمكن ان يكون فى التحديد الاول مجموعة البشر الذين لم يبلغوا بعد درجة النضج الكامل جسميا وفكريا . فهم لذلك لا يزالون مراقبين من طرف الكهول الذين يقومون فى غالب الاحيان بتوفير جميع ما يحتاجون اليه من ضروريات الحياة المادية كالطعام واللباس ، ومن لوازم الحياة الفكرية كالتربية والتثقيف والتعليم وغير ذلك
ونحن نلاحظ ، بدون شك ، ان الشباب ، فى هذا التعريف الاول ، ان هو الا عالة على مجتمعه وعبء ثقيل على امته وقومه
والشباب شديد الشعور بهذه المنزلة الزائفة . ولئن كان الكهول قد تمكنوا من عوامل الرصانة والادراك والصبر بقدر يجعلهم يقبلون هذه التضحية بصدر رحب ، بل ويعتبرونها نوعا من التمويل الطويل الاجل ، فإن الشبان لا يرضيهم هذا الوضع . فهم يشعرون ويفكرون ويأملون ويطمحون وبقدر احتياجهم الى التجربة والى الرصانة يكون تغلب عواطفهم وطغيان احاسيسهم ومشاعرهم على نفوسهم
ومما يزيد الامور تعقيدا ان الغذاء الروحى الذى يقدمه المجتمع لمجموعة الشباب فيه لا يمكن ان يجد فيه الشبان غالبا ما يشبع نهمهم وما يروى ظمأهم وتوقهم . ذلك ان جملة النظم الانسانية ، الاخلاقية منها والدينية الفلسفية منها والسياسية ، مبنية كلها على فكرة لا يقبلها الشباب بسهولة وهي فكرة ترى ان الحكمة والصلاح وادراك الحقيقة التى هى الحقيقة الأمور مقصورة كلها على الكهول والشيوخ
اما الشبان فهم جماعة من المتربصين فى الحياة ، لم يختبروا جميع وجوهها لم يحيطوا بكل ما فيها من مرارة وحلاوة ومن سعادة وشقاء . ومن اجل هذه الاسباب بحب ان يقتصر دور الشبان على الطلب والتعلم ، وعلى التشبع باخلاق آبائهم واجدادهم ، وبسير ابطالهم ، وبآراء حكمائهم المجربين
اما الشبان فيرون فى هذا السلوك تعديا على حقوقهم وطمسا لمعالم شخصيتهم وحشوا لادمغتهم بافكار هرمة بالية هى اقرب الى الاساطير والخرافات منها إلى الحياة . فيكون رد الفعل وتكون الثورة ويكون التحطيم ونتخلص هكذا الى النوع الثاني من تحديد الشباب وهو ما سميناه بالتعريف السلبى
( 2 فالشباب يمكن ان يكون فى هذا التحديد الثاني مجموعة الكائنات البشرية الثائرة ضد التقاليد ، اليائسة من الكهول ومن الشيوخ ومن الحكماء ومن كل من يقوم بدور الملقن او الدليل او القيم الرقيب ازاءها .
ولئن كان التعريف الاول مركزا على حالة اجتماعية انسانية عمادها الوسائل المادية ونوع الوجود فان هذا التعريف الثاني يرتكز فى حقيقته على شعور وجودى وثورة واعية او غير واعية على الحالة المادية والاجتماعية البشرية التى وجد الشباب نفسه فيها دون ان يكون قد اختارها لنفسه
ولذلك فان الشباب يختص دائما بعدم الرضى بحالته التى هو عليها لانه يراها دائما حالة فرضت عليه فرضا ووقع فيها غشه والاحتيال عليه واخفاء الحقيقة عنه . كما يرى ان المجتمع يسعى دوما الى الحيلولة بينه وبين الاهداف
التى خلق لها ، وان كل السنن الاجتماعية تتميز بالجمود والركود وتقف في وجهه عقبة تمنعه عن السير فى السبيل التى اختارها لنفسه وارتضاها طريقا وطريقة فى حياته
ويبحث الشاب عن مقومات هذه السبيل التى يقول انه اختارها وارتضاها ، فلا يجد شيئا يعول عليه ، ولا يأنس فى كيانه من القوة والايمان ولا من التجربة والحكمة ما يمكنه من تأسيس بناء متين شامخ يقابل به ابنية الكهول فيقضى فترات هذه التجربة باحثا عن نفسه مترددا بين متناقضات كيانه الضعيف يبنى قصورا من الخيال على جبال من الضباب او من السراب فاذا هي تتبخر بين عشية وضحاها وتخيب التجارب مرة ، ثم يعود اليها فتخيب مرارا ، وتفشل الجهود ويحل اليأس
ويؤول هذا الفشل المتكرر وهذا اليأس القاتم الى موقف قوامه التحطيم وغايته العبث : فليس للحياة معنى ، وليس للانسان معنى ، وليس للوجود معنى وليس للبحث واتخاذ المواقف والثورة معنى كذلك . هذا ما يمكن ان تؤول اليه هذه التجربة الوجودية القاسية عند الشباب : فراغ وعدم صرف وسخرية قاتمة عميقة بكل ما يتحرك وبكل من يجرأ على ان يقوم بجهد او يبحث لوجوده عن معنى او مبرر
وليست هذه الحالة التى نشير اليها مجرد امكانية فكرية ، فهى صورة واقعية لما كان عليه بعض اصناف من الشباب الاوروبى مثلا فى بعض فترات من تاريخ شعوبها . ولقد كتب الفيلسوف الالمانى " نيتشة " في وصف هذه الحال صفحة من اروع الصفحات تعبيرا عن حالة الانسان الاوروبي في مستهل هذا القرن ، وهو يجتاز فترة من فترات جنونه . قال نيتشه : " لقد مات الله ، وقد مات بموت الله كل ما كنتم تحاولون به سد هذا الفراغ المهول المفاجئ : مات الخير والعدل والتقدم والحقيقة . اصبح كل شيء جائزا لم يبق شيء ثابتا . لم يعد هنا سلم قيم باستثناء تلك القيم التى خلقها الانسان بنفسه . . "
هذا ما كان يقوله ذاك الكاتب الالمانى الكبير . وان هذه الجمل ، على ما فيها من ايجاز ومن قوة ، من شأنها ان تزيدنا ايمانا بقيمة المثل الاعلى بالنسبة الى الانسان بصورة عامة والى الانسان الشاب بالخصوص . فالشاب مهدد بالغرق وبالزوال بين طيات العدم وامواج التلاشى ان هو لم يجد لنفسه مثلا اعلى . وهو يشعر بحاجة الح واعمق الى هذا الموطن الذى هو المبدأ والمعاد الى هذا المنار الذى هو مصدر الهدى والرشاد ، الى هذه الجزيرة فى افق اللانهاية اليها يقود مركبه الضعيف وسط امواج الحياة الثائرة الصاخبة
قوة المثل الاعلى : المثل الفردى والمثل الاجتماعى
وان مجرد وجود فكرة يسعى الشاب الى تحقيقها ليس بالامر الكافى
للخروج من الحيرة ومن القلق القاتل المر . بل يجب ان تتسم هذه الغاية التى نسعى الى تحقيقها ، من صفات القوة والجاذبية ، بما يجعلها تروق الانسان وتشوة فى كل حالاته ، وبما يمكنها من الثبات والصمود لعواصف النفوس وانتفاضات الضمائر الحيرى بمجرد وزنها الذاتى ومثاليتها العميقة الاصيلة ، كما يحب ان يتوفر فى المثل الاعلى عند الشباب من الاستقرار ومن الاستمرار ما يجعل الشاب ثابت الايمان به ودائم الشوق اليه حتى بعد الخروج من فترة الشاب والدخول فى مراحل الكهولة والتقدم فى فسحة العمر ومسالك الحياة فالمثل الاعلى الحقيقى لا يمكن ان يخلو من صفة الاطلاق وان يصبح شيئا نسبيا .
ثم ان المثل الاعلى لا يمكن ان يفهم من طرف الشاب على انه وسيلة من وسائل تقضية الوقت وتعمير الفراغ ، او انه ضرب من ضروب اللهو ووجه من وجوه التخدير والتصبير ومجانبة المشاكل الجوهرية الحيوية من غير محاولة حلها . لا بل يجب ان يكون وسيلة للسيطرة على الطاقات البشرية الخام الجافية حتى يقع تهذيبها وتثقيفها وجعلها ترمى الى غايات انسانية نبيلة وتهدف الى اصلاح المجموعة .
وهذا الجانب بالذات هو الذى سيجرنا حتما الى مشكل التوفيق بين المثل الاعلى الفردى وبين المثل الاعلى الاجتماعى
فالمجتمع الانسانى ، فى اية صورة من صوره ، لا يمكن بحال ان يكون حاصل الجمع الحسابي للافراد الذين يتركب منهم . انما المجموعة البشرية حاصل المزج والتفاعل بين هؤلاء الافراد جميعا . وبعبارة اوضح فان خصائص المجموعة البشرية ومطامحها واهدافها وآمالها لا تتكون وجوبا من جمل خصائص الافراد ومطامحهم وآمالهم وغاياتهم ، اذا ما اعتبرناهم فردا فردا وليس من الفائدة ان نتعمق اكثر مما ينبغى فى هذا الجانب من موضوعنا . ويكفينا ان نشير هنا الى ان التناقض بين هذين النوعين من المثل الاعلى يمكن ان يقع حله وتجاوزه - ان كان - بفضل عمل دائب ومجهود متواصل تقوم به المجموعة وترمى فيه الى توعية الافراد واقناعهم بان الايثار والتضحية وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة تكون فى مجموعها مثلا اعلى بالنسبة الى كل فرد . فالغاية المثالية تصبح هنا تقديم المثل الاعلى الاجتماعى على المثل الاعلى الفردى ، إذا لم يتمكن الفرد من التوفيق بينهما ، وان الوصول الى مثل هذه الغاية لمن الدلائل الواضحة البيان الكاملة الدقة على ان هذه المجموعة البشرية قد بلغت من درجات النضج والرقى الى المقام الرفيع
ومن جهة اخرى فالمثل الاعلى الاجتماعى لا يكون دائما ووجوبا على نقيض المثل الاعلى الفردى . فان حاجة الفرد الى العدالة الاجتماعية المثالية يمكن ان تؤول بصورة طبيعية الى مثل اعلى اجتماعى للعدالة . وان حاجة الفرد الى الحرية المطلقة المثالية يمكن ان تحاذى وتربى وتصب فى مجار تؤدى
الى نوع من حرية اختيار المسؤولية واختيار كلفة القيام باعبائها وسط مجموعة بشرية متحررة ، عوض انطلاق هذه الحرية المثالية نحو شعاب رفض الواقع مهما كان نوعه والعمل على التهديم الجنونى ، ونحو فوضى تعم حياة الفرد وحياة الجماعة .
فالسعى الى الاصلاح والعمل على التحسين والتوق الى ما هو افضل - وهي من خصائص المثل الاعلى - تمثل فى رأينا امكانيات اخرى يجب ان نعرف كيف نستغلها ونستثمرها حتى نصل بالفرد - وخاصة بالفرد الشاب - الى وعى هذه الحقيقة التى تتلخص فى ان الاكتمال والتفتح الفرديين لا يمكن أن يتحققا الا فى مجموعة تكون هى نفسها تسير فى طريق الازدهار والصلاح
واذا قدر للفرد ، كهلا كان او شابا ، ان يقصر عن التسامى وعن ادراك هذا المستوى من التفكير والوعى وعن فهم هذه الحقائق الاساسية الخالدة فانه يكون قد خاب فى القيام برسالته الانسانية ، كما يكون مجتمعه قد خاب فى تأدية ما انيط بعهدته من مهمة ومن مسؤولية . واذا كان السعى الى ما هو افضل لا يرمى الى النفع الاجتماعى الاخلاقى كما هو يرمى الى الفصل المطلق ، فان المثل الاعلى يصبح هيكلا خاليا جافا من كل معين ، وينقلب فكرة من صميم الخيال لا صلة لها البتة بالواقع ولا يمكن ان تكون الا تعلة لنوع من حياة الانكماش والانانية وملاحقة السراب
وباتمامنا النظر فى هذا الجانب الاخير من جوانب المثل الاعلى ، فانا نكون - كما يلاحظ القارئ - قد ألممنا باهم مشكلة الشباب والمثل فى النطاق العام . وقد حاولنا ، بقدر ما تسمح حدود هذا النوع من العمل ، ان نستخلص من هذه النظرة العامة النتائج والعبر التى يتحتم استخلاصها فى الميدان الاجتماعى
وبودنا ان ننتقل الآن ، فى نقطة اخيرة من هذا العرض ، إلى القاء نظرة سريعة فى شؤون شبابنا التونسى حتى يكون هذا الشباب ميدانا نحاول ان نرى فيه مدى تحقق عدد من الافكار التى استعرضناها ومن النتائج التى وصلنا الى استخلاصها .
الشباب فى تونس : الإيمان والمسؤولية :
وليس من باب الفتح فى ميدان التفكير ان اؤكد ان المجتمع التونسى مجتمع يعيش اليوم فترة انقلاب اجتماعى جذرى عميق فكلنا يعلم هذه الحقيقة واذا ما كان الانسان بوجة عام او الشباب بصورة اخص عرضة للقلق والحيرة فان الانقلابات الاجتماعية وفترات التحول التاريخية من العوامل التى تزيد من حدة هذا القلق وتضاعف من خطورة هذا التذبذب والاضطراب ونحن نشاهد اليوم فى هذه الديار عالما كاملا هو بصدد الزوال يحل محله عالم آخر جديد .
كما نشاهد انهيارا ذريعا مفزعا فى مجموعة من القيم ذات الصبغة الدينية او الاجتماعية وهى قيم كانت تبدو لنا الى عهد غير بعيد فى صورة مبادئ ثابتة قارة لا محيد عنها . وقد اتخذ الصراع بين الاجيال من جراء ذلك شكلا حادا عميقا زاد فى حدته وفى عمقه ان الامتزاج بين الميدان الاجتماعي الانساني وبين الميدان الدينى العقائدى امتزاج متأصل طاغ فى مجتمعنا كما هو الشأن فى كل المجتمعات الاسلامية
ولقد كان الفراغ الحاصل عن تهافت هذه القيم مهولا مذهلا . غير انه من واجبنا هنا ان نؤكد ان الشباب التونسى كان دائما فى هذه الفترة فى مستوى الرسالة التى طولب بالقيام بها وعند حسن الظن به .
واسباب هذه الظاهرة الحميدة متعددة مختلفة . فالشباب فى تونس يختص بميزات من الوعى والجد لا نجدها كثيرا عند غيره من الشباب . وقد ساعدت ظروف الكفاح القومى الذى خاضته الامة جمعاء على تطوير شبابنا فى الغالب وعلى الوصول به الى درجة لا باس بها من النضج . فالفى الشباب نفسه غداة الاستقلال السياسي محملا بعدد ضخم من المهام والمسؤوليات الاجتماعية والسياسية بقدر لم يمكنه من الوقت الكافى ومن الظروف المؤاتية لتكون مثل اعلى فردى لديه ، ذلك ان سير البلاد الحثيث نحو التقدم والرقى لم يكن يسمح باضاعة قدر ثمين من الوقت لضبط الاهداف التى يجب الوصول اليها بواسطة تجربة خاصة بكل فرد من الافراد . بل ان الاهداف والغايات كانت من الوضوح ومن الدقة بحيث اصبح كل تردد حركة لا معنى لها ولا طائل من ورائها . وقد اصبح تيار من الايمان ومن الاندفاع يحمل الامة كافة .
ومن جهة اخرى فان الشباب بتونس ابعد شيء عن ان يكون حملا او عبئا او عالة على المجموعة . فهو على العكس رصيد حاضر الفيء وراس مال حالى الانتاج والاثمار
ولنضرب على سبيل المثال المسؤوليات العائلية الجسيمة التى يقوم بها الشباب سواء ازاء عائلتهم الاصلية او ازاء الاسرة التى تحدث بعد زواج الشاب .
ولذا فقد اصبح من اوجب واجباتنا ان نحسن القيام بمسؤولياتنا وان نجد فى نفوسنا وفى صدورنا من الشجاعة ما يمكننا من ان نختار ومن أن نؤثر على ميولنا وشهواتنا مثلا اعلى يرمى الى تحقيق مجتمع افضل وحياة فضلى فهذا هو معنى الحرية فى بلاد هى بصدد البناء كبلادنا وفى مجتمع هو في حال التمخض والتكون الحق كمجتمعنا وهذا هو المعنى الذى يمكن لكل منا ان يجعله معنى حياته ومعنى وجوده
ولقد فهم المسؤولون عن مصير امتنا كل هذه المشاكل وكل هذه الملابسات
وقد قاموا فى سبيل اهدافنا المشتركة بعمل عظيم لكن الاعمال التى يجب ان نقوم بها في المستقبل لا تقل عظما ولا مشقة عما وقع انجازه ومن اجل هذا فانه على كل واحد منا ان يقتنع بان الايمان هو السبيل الوحيدة التى يمكن ان تبلغنا هدفنا وهدفنا هو بعث الانسان فوق هذه الارض التى لم يخل الانسان فيها من آيات الكرامة والمجد فى مختلف عصور التاريخ
هذا ما يجب ان نقتنع به كشبان وهذا ما يجب ان نقنع به كل الذين لم يفهموه بعد وكل الذين يعيشون حالة من الشذوذ ويحيون على مثل اجنبية مستوردة من الخارج ، فتكون اغلي امانيهم ان يكونوا صورة طبق الاصل لبعض الابطال المزيفين من مغنين او راقصين او غيرهم ممن لا يمثلون في الحقيقة الا رموزا للتهالك على العنف والتدهور والانحطاط الانسانى كما نراهم فى بعض الاشرطة السينمائية او بعض المجلات والكتب الرخيصة المبتذلة
قد لاحظ القارئ بدون شك انا قد انطلقنا من مفهوم ميثلوجى عسير الحصر وانا قد تمكنا فى دراستنا لهذا المفهوم من الاشراف على ميدان هو من اشد الميادين واقعية وعملية أعني بذلك ميدان العمل ، عمل الشاب عمل الانسان فى يوميته وفى خلوده لضمان سعادته فى حاضره ومستقبله ، ولاعطاء معنى دسم ثرى لوجوده عمل الانسان لمقاومة العبث واللامعقول ولبعث الشعور بلذة الحياة فى عصر كان يغلب عليه الكسل والجبن والتخاذل
