( تمهيد ) القصة التى اقدمها لك يا سيدى القارىء هى قصة واقعة ، لم تنسجها يد الخيال ، ولم تنمقها أفكار الرواة البارعين ، وهى ذات حلقتين متماسكتين فالحلقة الاولى صيغت حوادثها على شاطىء وادى العقيق بجوار المدينة المنورة حيث الهواء الممتع ، والمناظر الطبيعية الجذابة،والجو الصافى،والجمال الناضر ، والقصور الشاهقة التى تبدو بين البساتين الخضراء ، مشرقة البياض كما يبدو النوار المتفتح من خلال الا كمام . والحلقة الثانية جرت حوادثها فى بغداد ، حيث ابهت الخلافة العباسية ؛ وروعة دجلة ، وعظمة الاسلام ، ومجد العرب ؛ ورفاهية الشعب اما زمن القصة فقد كان القرن الثانى الهجري ، فى ابان خلافة هرون الرشيد ؛ وانت تعلم ان عصر هرون الرشيد كان ازهى عصور العباسيين ، بل هو العصر الذهبى الرائع الحافل بالمجد السامق ، والنهضة الوارفة . والغنى المدهش . وتتأمل وقائع القصة فتجلى لك حياة الامة العربية الطامحة . كما يتبين لك من خلال سطورها الناطقة خلال والشرف والمروءة والعفة والوفاء والوئام ، تلك الخلال الحميدة التى كانت مستحكمة فى قلوب أبناء الامة العربية نتيجة طبيعتهم المتأصلة الراسخة ، لا تكلف فيها ولا تطبع . وبالجملة فهذه القصة صورة حية ناطقة باخلاق اسلافنا الاماجد وانها لتمثل اخاه تفكيرهم ومجتمعهم اوضح تمثيل واشفه عن الحقيقة . ولهذا الامر نفسه اعارها كبار الادباء القدماء جانبا عظيما من الاهتمام ، وتدا ولتها كتبهم بالنقل والتئبيت مع مافيها من طول ؛ فان شفوفها عن الحقائق التاريخية لعصر زاهر من عصور الحضارة الاسلامية ، مع بساطة متنها ووضوح . مغزاها جعل اعلام الادب
يتسابقون الى تسجيلها ، تحلية لكتبهم ، وتسجيلا للتاريخ فى اسلوب القصة الممتع الجذاب ، وممن نقلها من ائمة الادب العربى ابو الفرج الاصفهابى في كتابه (( الاغاني )) وشهاب الدين احمد بن عبد الوهاب النويري في كتابه (( نهاية الادب فى فنون الادب )) وعنهما ننقلها لك . اما هما فقد اجمعا على القول بان راويها هو معبد اليقطبني المديني الذى - ان لم يكن يطلبها - فقد شارك البطل فى بعض حوادثها ، وكان السبب فى ايصاله لمبتغاه فى النهاية كما ستتراه ، ومعبد اليقطبنى هذا كان سمير هرون الرشيد وخادمه الامين . قال معبد : -
الزائر
كنت منقطعا الى البرامكة الازمهم واسكن فى جوارهم ؛ وكانت لى دار لطيفة تشرف على جناتهم وقصورهم الشامخة ، فبينما انا ذات يوم فى منزلى فى منظرة مشرفة على الطريق وقد جاءتني احدى جوارى صبوحى من اللبن ، اذ أتانى آت فدق بابى فخرج غلامى ثم رجع الي فقال لى : على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك فأذنت له ، فدخل شاب مارأيت أحسن وحها منه ، ولا انظف ثوبا ولا اجمل زيا منه ، من رجل دنف عليه آثار السقم ظاهرة ، فقال لى : انى احاول لقاءك منذ مدة ولا اجد الى ذلك سبيلا ، وان لى حاجة ؛ فقلت وما هى ؟
الصوت
فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي فقال : اسألك ان تقبلها وتصنع فى بيتين قلتهما لحنا تغنبي به ، فقلت : هاتهما ، فانشدني
والله يا طرفى الجانى على بدنى لتطفئن بدمعى لوعة الحزن
أولأ بوحن حتى يحجبوا سكني فلا اراه وقد ادرجت فى كفنى
قال : فصنعت فيه صوتا ثم انشدته اياه وأغمي عليه حتى ظننته قد مات ثم افاق فقال : أعد فديتك ! فناشدته الله فى نفسه وقلت : اخشى ان تموت
فقال : هيهات انا أشقى من ذلك ، ومازال يخضع لى ويتضرع حتي اعدته فصعق صعقة اشد من الاولى حتى ظننت ان نفسه قد فاضت ، فلما افاق رددت عليه الدنانير فوضعتها بين يديه ، وقلت : يا هذا ، خذدنانيرك وانصرف عنى قد قضيت حاجتك وبلغت وطرا مما اردته ، ولست احب ان اشرك فى دمك ، فقال : يا هذا لا حاجة لى فى الدنانير ، وهذه مثلها لك ، ثم اخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدى وقال : اعد الصوت على مرة اخري ، وحل لك دمى ! فشرهت نفسى فى الدنانير وقلت لاوالله ولا بعشرة اضعافها الا على ثلاث شرائط قال وما هى ؟
الشروط
قلت أولاهن ان تقيم عندى وتتحرم بطعامي ، والثانية أن تشرب من الصبوح ما تطيب به قلبك وتسكن مابك . والثالثة أن تحدثنى بقصتك ، قال : أفعل ما تريد فأخذت الدنانير ودعوت بطعام فاصاب منه إصابة معذر ، ثم دعوت الصبوح فشرب وأنشدته شعرا غيره فى معناه وهو يشرب ويبكى ؛ ثم قال : الشرط أعزك الله ! فانشدته صوته ، فجعل يبكى أحر بكاء ، وينشج أشد نشيج وينتحب ، فلما رأيت ما به قد خف عما كان يلحقة ، ورأيت الصبوح قد شد قلبه كررت عليه صوته مرارا ، ثم قلت : حدثنى حديثك ، فقد اشتقت الى سماعه
من العقيق
فقال : أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزها فى ظاهرها ، وقد سال العقيق فى فتية من اقرانى وأخدانى ، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرة منا وبصرت منهن بفتاة كانها قضيب قد طله الندى فابقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله فعدت الى منزلى وأنا وقيذ ، وخرجت من الغدا الى العقيق وليس به أحد فلم أر لها أثرا فجعلت أبحث وكأن الارض اضمرتها فلم أحس لها بعين ولا أثر ، وسقمت حتى أيس منى أهلى ، وخلت بى ظئري فاستلمتنى حالى . ضمنت لى
كتمانها والسعي فيما أحبه ، فاخبرتها بقصتى ، فقالت لا بأس عليك ، هذه ايام الربيع ، وهي سنة خصب وأمطار وليس يبعد عنك المطر ، ثم هذا العقيق فتخرج حينئذ وأخرج معك فان النسوة سيجئن فاذا فعلن ورأيتها أتبعها حتي أعرف موضعها ثم اسعي لك فى تزويجها ، فكأن نفسى اطمأنت الى ذلك وثقت به وسكنت اليه فقويت وطمعت وتراجعت الى نفسى ، وجاء مطر يعقب ذلك وسال العقيق وخرج الناس وخرجت مع اخوانى اليه ؛ فجلسنا مجلسنا الاول بعينه ، فما كنا والنسوة الا كفرسى رهان ، فأومات الى ظئري فجلست ؛ وأقبلت على أخوانى فقلت : لقد أحسن القائل :
رمتني بسهم اقصد القلب وانثنت وقد غادرت جرحا به وندوما
فاقبلت على صواحباتها وقالت : أحسن . والله القائل ، وأحسن من أجابه حيث يقول :
بنا مثل ما تشكوفصبرا لعلنا نرى فرجا يشفي السقام قريبا
فسكت عن الجواب خوفا من أن يظهر منى ما يفضحني وأياها ، وعرفت ما أرادت ثم تفرق الناس وانصرفنا ، وتبعتها ظئرى حتى عرفت منزلها ، وصارت الى فاخذت بيدى ومضينا اليها ؛ فلم نزل نتلطف حتى وصلنا اليها ثم شاع حديثي وحديثها وظهر ما بينى وبينها ، فحجبها اهلها وسدوا ابوابها ، فمازلت اجهد فى لقائها فلا أقدر عليه وشكوت ذلك الى أبى لشدة ما نالنى ، وسألته خطبها لى ، فمضى أبي ومشيخة اهلى الى أبيها فخطبوها ، فقال : ولو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ويشهرها لاسعفته بما التمس ، ولكنه قد فضحها فلم أكن لأ حقق قول الناس فيها بتزويجه اياها ، فانصرفت على يأس منها ومن نفسى قال معبد : فسألته أن ينزل بجواري وصارت بيننا عشرة .
احضار الفتى الى جعفر بن يحيى
ثم جلس جعفر بن يحيى فأتيته فكان أول صوت قلته صوتى فى شعر الفتى فطرب طربا شديدا وقال : ويحك ! ان لهذا الصوت حديثا فما هو ؟ فحدثته فأمر باحضار الفتي فأحضر من وقته ؛ واستعاده الحديث فاعاده .
تزويجه بالفتاة
فقال جعفر : هى فى ذمتى حتى أز وجك اياها ، فطابت نفسه ، وأقام معنا ليلتنا حتى اصبح ، وغدا جعفر الى الرشيد فحدثه الحديث فعجب منه وأمر باحضارنا جميعا فاحضرنا ، وأمر بأن أقول الصوت فى حضرته ففعلت فسر وسمع حديث الفتى ، فأمن وقته بكتاب الى عامل الحجاز باشخاص الرجل وابنته وجميع أهله الى حضرته ، فلم تمض الا مسافة الطريق حتى احضروا ، فامر الرشيد باحضار أبى الجارية اليه فأحضر وخطب اليه الجارية للفتى واقسم عليه أن لا يخالف أمره ؛ فاجابه وزوجها اياه ، وحمل الرشيد اليه الف دينار لجهازها والف دينار لنفقة طريقه ؛ وأمر للفتى بالف دينار ولى بالف دينار ، وأمر جعفر لى ، وللفتى بالف دينار . وكان المدينى بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى .
تعليق
أأتممت يا سيدى القارىء مطالعة هذه القصة الشائقة التى تمثلت فيها خصال الحب النزية والشرف والمروءة ؟ ! لاشك أنك قد لمست وقد اشرفت على ختامها برمعبد بقاصده كما أنك قد أحسست بوفائه ، وشهامة جعفر بالتزامه تزويج الفتي من الفتاه على بعد الشقة ، وتقاطع اسباب الوصال ، ثم تجد من فوق كل هذا هارون الرشيد يربو على كرم جعفر واريحيته ، فينفذ أمره الى من يحمل له الفتاة
وأهلها من المدينة الى بغداد ، ثم ترى كيف زوجهما من بعضهما ؛ وترى كيف تناثرت الوف الدنانير فرحا بهذا القران السعيد ، الذى ارضى به معبد وجعفر وهرون اخيرا ، ضمائرهم الحساسة ازاء الفتي الحزين . فهذا كله مثال بارز للشهامة العربية والنبل العربى ، والكرم العربى ، والاحساس العربي .
