الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

(( المدارس الفكرية )) فى تونس

Share

الفكر لايمكن له ان يعيش مغلقا على نفسه ، منطويا على ذاته ، معزولا فى (( انيته )) فكل دعوة الى الانطوائية ليست فى الحقيقة ، ومهما كان اخلاصها للظرف الذى انطلقت فيه سوى محاولة لتجميد الفكر.

الفكر لا يمكن ان يعيش الا منفتحا للواقع ، متغذيا منه فاهما له ومحاولا فى الوقت نفسه تغييره او التغيير منه . . فكل عقيدة فكرية ، - ان دعت للانطواء - ترسم حدودا وآفاقا مضبوطة ، عقيدة جامدة ميتة . وكل قالب من قوالب الفكر ، يريد اصحابه ادماجه فى الواقع ، دون ربطه بتطور الواقع هو من القوالب الجامدة التى لا تصلح للفهم بل ولا تصلح حتى كـ (( مقولة )) كما يقول الفلاسفة ، للعض على جزء من اجزاء الواقع المتطور فى كل آن . ان الفكر الحى يريد ان يروض الوجود ، ويحاول فهم الكون ، ويحاول مع ذلك ان لا يكون مرتبطا بالجمود ولا بالمحافظة ولا بالواقع ، فى معناه الضيق الاقليمى ، او المحلى فكل دعوة الى الاقليمية هى دعوة للانطوائية . والانطوائية خيانة لان الفكر لا يمكن ان يعيش من نفسه وعلى نفسه . وبالعكس ، كل دعوة الى الشمول هى دعوة الى الانطلاق . والانطلاق تكمن فيه حيوية الفكر وتطوره واصالته ومستقبله

. . قوالب اجنبية

نسمع اليوم بعض المفكرين يرسلون صيحات فزع وخوف من ان يعتنق المفكرون التونسيون (( القوالب الاجنبية )) وان يفتحوا افكارهم للاراء (( الاعجمية )) . . . ونراهم يدعوا الى العودة لواقعنا ، وينصحوننا ان نفضل (( خبز الشعير )) على (( خبز الصدقة )) . . .

هذه الدعوة - وان كانت صادقة اللهجة هل يمكن ان نقبلها وان نطرب لها . . . فهل هى دعوة الى تجميد الفكر ام بالعكس دعوة الى بعثه من الواقع ذاته ؟

المفكر النزيه لا بد له ان يعترف ان الانطوائية موت - عاجل او آجل - وان الفكر المنطوى ، وكل عملية انطواء الفكر ، انتحار سريع او بطئ ، همها الحصر والتحديد والضيق . ونحن اليوم ، - فى هذه الارض وفى غيرها من بلدان الفكر العربي - لا يمكن ان نعيش من خبزنا وحده ، ولا ان نفضل خبزنا

الاسود على الخبز الابيض الذى عند غيرنا . . . فلقد تغذى الفكر العربى ، فى القرن الثاني والثالث هجريا من الخبز الايرانى والثمار الهندية واللحوم الهيلينية ، ولولا هذه المشاكل الشهية الاجنبية لما وجدت حضارة اسلامية ، ولما خلقت تلك الوحدة الرائعة الشاملة التى نسميها حضارة عربية - اسلامية ( و ليس هنا مجال بحث طابعها )

فهل دعى مفكر والعرب اذ ذاك ( رغم هجومات الشعوبية الخطيرة ضد السيادة العربية ) مثل الجاحظ والنظام والعلاف وحتى محافظ جامد كابن قتيبة - ان يقنع العرب بخبز الشعير . . . وخبز الشعير فقط ؟ اعنى بالاشعار الشعبية الجاهلية ، وان يرفضوا اثمار الفكر الايرانى واليونانى.

وفى عصرنا هذا ، منذ مطلع فجر النهضة العربية ، الم يتغذ العرب من ما كل الغرب الشهية الم ينعشوا ثقافتهم من ثمار الاداب الاجنبية . فلو سالت نفسك ، وانت تبحث عن مدى هذا الاتصال وعن عمق هذا التلاقح لوجدت ان ميدانين من الميادين التى ادرك العرب الاصالة فيها اليوم - ميدان الرواية

Romon وميدان المسرحية Theatre دخلا فى ثقافتنا المعاصرة بفضل هذا اللقاح الاجنبى ، وبفضل هذه الاراء الاعجمية ، التى لولاها لما ظهر هذان الفنان فى ثقافتنا اليوم وحتى مفهوم كمفهوم (( القومية )) ، الم نستعره من نهضة القوميات فى اروبا . . ؟ فجر علينا خيرا عميما ! وحركنا ودفعنا - نحو الاستقلال . وفكرة الاشتراكية اليوم ؟ اليست فكرة مستعارة ؟

لا خطر في الاستعارة !

لا ارى خطرا فى الاستعارة ، ما دمنا نشعر باننا قادرون على هضم المفاهيم التى نستعيرها . . . وانما الخطر الحقيقى ، هو ان نقول ان لسنا فى حاجة الى غيرنا واننا اغنياء لا نحتاج الى سوانا

وان الافضل بنا ان ناكل خبزنا ( من شعير ) وخبزنا فقط ! لا أرى خطرا فى مرحلتنا الحاضرة من تلقيح افكارنا - التى ينبغى ان نحافظ على اصالتها وقوميتها - بالمفاهيم الجديدة ، المتحررة ، خاصة (( المفاهيم الاشتراكية ))

نعم ! لا باس ان نستعير ، وان نستعير كثيرا . ومعنى هذا اننا اقوياء ، اشداء ، لا نخاف ان نتحول الى ذاتية جديدة ، نكون قد فقدنا معها شخصيتها ولقد لقح الفكر الغربى - فى القرون الوسطى بالاراء الاسلامية ، فما اخرجته

هذه عن اصالته ، بل غذته ونمته وجعلته قادرا على (( النهضة )) Renaissance كانت بدء ثورته الصناعية التى امتدت الى العالم ياسره.

شخصيتنا التاريخية

وانت لو حللت (( شخصيتنا )) خلال تاريخنا الطويل ، لرايتها غير قانعة بالخبز الذى نضج فى فرننا ، بل تراها تلتهم مئاكل روما وثمار الحضارة اليونانية - اللاتينية حتى وصل افرادها الى الاصالة فى التفكير والعبقرية فى الفلسفة - دون ان يفقدوا (( افريقيتهم )) ومثل القديس اغستينوس يكفى وحده للبرهان على ما نذهب اليه . . . ثم الا تراها آتية بعد على اشهى ما جاء به العرب من ثمار فكرية شرقية هى فى الحقيقة كما قلنا مئاكل ايرانية وهندية وهيلينية ؟ تغذى منه مفكرو مدرسة القيروان وفى عصرنا هذا ، لو احصينا مدى ما استعرناه لوجدناه خصبا وكثيرا . . فهل ضرنا ذلك ؟ . . وهل اخرجنا عن ذاتيتنا والم ننتفع بما استعرنا . . ؟ اكان خطرا علينا ان نستعير السيارة والطائرة والقاطرة . . . وأشياء كثيرة غير هذه وتلك . انما الخطر هو ان نستعير الآلة دون روحها ، وان نستعير المفهوم دون حقيقته او الفكرة دون قاعدتها غير محاولين تطبيقها . . فنكون من القعدة . . . ومن الجبناء او من المقلدين الذين لعنهم الله لعنة قاسية

بين المفهوم . . والفعل

لا خطر علينا اليوم ان نحاول ايجاد عقيدة فكرية سياسية اجتماعية اقتصادية ، (( تونسية )) . . . ولقد قلت اكثر من مرة اننا نستطيع ان تأخذ (( البورقيبية )) كنقطة بدء . منها نبدأ انطلاقتنا . . .

على شرط ان لا نحملها الميتولوجية التى تتخبط عقول بعضنا بين اشباحها .. وهذه المتولوجية هي تناقض بين عبادة الافراد وبين التطور الجبار الذى نحاوله وتناقض ظاهر بين جمودية المفكرين الذين يتكلمون باسمها ( وهم اكثر ملوكية من الملك كما يقول المثل ) وبين الاندفاعية البينة التى يملكها النظام ان بعض المفكرين متاخرون دائما عن رغبة الجماهير فى العدالة الاجتماعية ، وبعضهم يتقدمونها معطين اياها (( مقولات )) قد تصح وقد لا تصح . . . وقد (( يعض )) بعضهم الواقع وقد لا يفعلون . . على ان الماساة هى ان يفسر المفسرون منهم الواقع حسب مقولاتهم فيغلطون ويزيفون كل شئ بعد

اشترك في نشرتنا البريدية