الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

المريض

Share

الحياة .

انها دائما تنظر اليه ، تنظر اليه بعينين واسعتين تنظر اليه دائما ولا تفعل غير هذا .

لطالما سال لعابه اما الان فلقد مل الاغراء وبدأ يفكر في الانتقام .

تتنوع فى لباسها

تتفنن فى مشط شعرها

تتبختر فى مشيتها

لطالما تبرجت ولطالما سال لعابه

اما الان فقد عرف انها ما فعلت ذلك الا لتلعب بعقله

لقد بدأت تخطر له خواطر رهيبة

لقد فكر فى الانتقام

انه مجنون بحبها مع انها معرضة عنه اعراضا كليا ، انه لم يسمع من فمها ولو كلمة مع انه قال لها اشياء كثيرة ، اما هى فكانت تنظر اليه فقط ، مرة ضاحكة ، ومرة ساخطة ، ومرة تنظر اليه نظرة احتقار

لقد اعيته الحيلة وبدأ الامل يحتضر

لطالما سار خلفها مكتفيا بالنظر اليها ، مستنشقا ما تمسح به ثيابها من نسيم .

تدخل السوق وهو يتبعها فتملا سلتها لحما وفاكهة وغلالا ، وهو ينظر من بعيد فقط .

تدخل الى بائع الكتب فتشترى كتب العلم والحب ، فيقول فى نفسه لا شك انها تعرف اشياء كثيرة عن الحب

لطالما تبعها حتى كل من السير ، فلو قارن المسافة التى قطعها خلفها بطول حياته لوجد ان حياته اقصر

بعث اليها برسائل كثيرة ولم يتلق اى جواب

لقد كتب لها مرة يقول

اما بعد

فاني اعرف جيدا اني ميت ولا شك انك تعرفين هذا ، ولكن مما يؤسفنى ان الناس بحسبون بل يعتقدون انى حى ، وحتى الطبيب ، انا احبك جدا ولكن لا اريد ان اشترى الحياة بالبذل ، بالصلاة ، بالابتهال ، انت تريدين هذا اما انا فلا اريد

انت لك شروطك وانا لا اقبلها ، أقول لا اقبلها لانى لا استطيع

ان فمى يمتلئ مرارة بمجرد التفكير فى هذا

ولقد تتعبين عندما تصلك رسائلى وتقولين كيف عرف عنوانى ؟

أجل اعرفه .

اراك تدخلين نهجا وتخرجين من الاخر ، تدخلين زقاقا وتخرجين من دار ، لا شك انك تقولين لقد ضاع . . . لقد ضاع

ولكن ها انا لم اضع بعد

انك ان غبت عن نظرى فلم تغيبى بعد فى ذاكرتى

ان الامل بدأ يحتضر بل لعله قد مات ، وبقيت الذكرى ولعلها تحترق مع هاته السجارة التى ادخن والتى ستكون آخر سجارة اتنفسها

وستقهقهين

وستقهقهين

وستضحكين بملء مسرتك على هذا الميت الذى يتنفس

سأزف لك بشرى ، لقد اوحى الى البارحة ان ليس هناك موت وان " الاموات " كلهم يتنفسون

اجل كلهم يتنفسون لانهم فى الحقيقة احياء ، يحيون كما تحيا الورقة كما تحيا السجارة ، كما يحيا الحجر

ليس هناك موت . .

فما اوسع مملكتك يا حبيبتي ، يا حبيبتي المجنونة.

ليس هناك موت ولكن هناك مرحلة تنحط الحياة عندها فتشمئز منها ونسميها موتا .

الارض تعيش ابدا ولكن " أنا " أنا فقط هو الذى يموت يموت ويحيا

لا ادرى لماذا اكتب اليك ، ولكن لعله محجر علينا ان نسافر ومعنا ورقة بيضاء ، وهذه آخر ورقة فى سماء فكرى المضببة قد شملها الضباب وكتبت لك عليها هذا الكلام البليد .

وفجأة تمر امامه فينهض ويخرج من جيبه صدفة صغيرة ويضعها فى فمه ، ويقتفى أثرها .

ولما وصل اليها اخرج الصدفة من فمه واعادها الى جيبه واقترب منها قائلا

صباح الخير .

ولكنها توقفت فجأة ، فوجد نفسه قد سبقها بخطوات ، فرجع ادراجه ، ولكنها غيرت طريقها ، ولما جانبها توقفت ، فسبقها بدون ان يشعر ، ولما عاد تقدمت فسبقته .

فقال فى نفسه : ) انها مهزلة (

واخرج الصدفة من جيبه ووضعها فى فمه بعد ان ضغط عليها واندفع نحوها بجنون ، واحاطها بذراعيه واراد تقبيلها . .

وانفجرت المفرقعة فطار رأسه ،

اما هى فقد قال انه شوه خلقتها

وتدحرج رأسه على المسند

وفى الصباح قال زملاؤه المرضى : دعوه ينام ، انه تحدث البارحة كثيرا فى المنام ، او لعله يهذى

واتت الممرضة فرفعت عن وجهه الغطاء فشهقت واسرعت نحو الطبيب وقالت له ان المريض رقم 23 قد مات

فقال بكل برودة

- كنت اتوقع هذا . .

اشترك في نشرتنا البريدية