تمهيد :
كثرت المقالات والابحاث والمؤلفات عن المسرح فى العالم العربى من الوجهة التاريخية ومن الوجهة التحليلية على السواء ، وتعددت الندوات والمناظرات والمؤتمرات التى انعقدت فى المشرق والمغرب وحتى فى اوروبا عن ماضيه وحاضره ومستقبله ، ولهذا قد يكون من العبث التوقف مديدا فى مجال الحديث عن تدرجه أو تطوره ، فلا حاجة والحالة هذه لاثارة النقاط المألوف الالماع اليها عادة فى مثل هذا المقام ، من الاشارة الى الموانع والاسباب التى حالت دون معرفة العرب فن التمثيل قديما ، ومن محاولة التاريخ لميلاد المسرح العربى فى القرن التاسع عشر للميلاد ، ومن التعريف كذلك بانواع " خيال الظل " وبالتمثيليات العربية التى خلدها " ابن دانيال " فى القرن الثامن عشر للميلاد بمصر . فالمقصود انما هو استخلاص حقيقة واقع المسرح العربى ومنزلته الحالية .
التأصل والأصالة :
فاذا ما تحدث العالم اليوم عن " تأصل " المسرح فى اوروبا - مثلا - أو فى آسيا - الهند ، والصين ، واليابان ، واندونيسيا ، وايران وسواها - فهل يجوز التحدث عن وجود مسرح عربى " أصيل " يربط جناحى الوطن العربى مشرقا ومغربا ، ويصور مظاهر التفكير العربى ، ويرسم مطامح القومية العربية ويمتاز " بالاصالة " الفنية والثقافية ؟
قد يكون من قبيل التسرع الحكم بان المسرح العربى " الاصيل " مفقود وأنه ما يزال فى طور المخاض ، كما قد يكون من التهور القول ان المسرح الذى نعرفه أو نزاوله فى الوطن العربى مسرح منا والينا لحمة وسدى . وفى هذا الصدد لا بد من المبادرة بالقول ان المسرح الذى نعنيه ليس هو ذلك المحدود الاطار والدائرة ، لان العادة جرت - فيما نقرأه ونطالعه - أن المسرح الذى
واذا علمنا أن الاخراج تفهم دقيق لشخصيات المسرحية ومعرفة تامة بتقنية التمثيل وقدرة على دراسة جو التمثيل ، وهضم وتذوق لمواقفها ، وعملية خلق لا تقل عن خلق القصة ذاتها أدركنا حقيقة الدور الهام الذى يضطلع به المخرج الكامل ، المحنك نفسانيا وعقليا .
ولكن نظرا لفتوة المسرح العربى وحداثة عهده . . فان المخرجين الشبان غالبا ما تنقصهم التجربة الانسانية والمعرفة بشؤون وسطهم وثقافتهم الوطنية لان تكوينهم كثيرا ما يكون معتمدا على لون واحد من الثقافة الاجنبية - الفرنسية أو الانجليزية مثلا - ولذلك قلما يقدرون على ابراز النفسية العربية ولا سيما اذا ما اعترضتهم مسائل اللغة القومية التى تخلق عندهم مركب نقص يشعرون به ويتجلى أثره فى عملهم . وبالرغم من ذلك فان طائفة صغيرة من المخرجين الاكفاء متوفرة - نسبيا - للمسرح العربى ، ومن هؤلاء من يقتفون سبل مدارس الاخراج الغربية ويحاولون تقليد كبار المخرجين الغربيين ، ومنهم كذلك ذوو الابتكارات الشخصية والاكتشافات الموفقة .
أما عن مصمى المناظر المسرحية فاعتقد . . أننا لا نشكو انعداما فى الاكفاء ولا شحا فى المواهب ، بل ان المختصين فى فن الديكور المسرحى يشكون من قلة العمل وشح مناسبات اظهار ما تلقنوه فى المدارس والمعاهد .
وفيما يخص الممثلين والممثلات يبدو أن المدارس العالمية الحديثة - أى الطرق وما فى حكمها من التجارب - تكاد تكون مفقودة الاثر والتأثير فى اداء الممثلين العرب ، وقد ظل بعضهم - وخاصة القدامى - مطبوعين بطابع سطحية الميلودراما وافتعالات الجيل السابق من الايطاليين والفرنسين يوم كان التفخيم والتهويل علامة التوفيق ، اذا ما توفرت لديهم أولا وقبل كل شئ قوة الصوت وقوة النفس . ومن نافلة القول التأكيد فى ميدان التمثيل - كما فى سواه - بأن النفسية البشرية واحدة متشابهة ، وما يختلف هو التعود الطارئ أما الاحساس الداخلى فقد لا يختلف فيه واحد عن آخر لما هو معلوم . ونحن لا نتحدث عن وسائل تلقين فن الاداء فى العالم العربى غير ان هناك جيلا من الممثلين والممثلات قد نشأ افراده على تتبع احدث الطرق والاساليب فى التشخيص . . . يبتعدون عن السطحية والآلية ، ويعتمدون على روح الشخصية ، وعلى القوة الداخلية ويلتزمون الارتخاء وعدم الانقباض ، وفى ذلك عطاء ثرى للخلق الفنى .
على أننا فى هذا الصدد نشير الى أن هذا الخلق يشمل كذلك المسرحية المؤلفة - أو الاصلية - كما يشمل المسرحية المستوردة بما فيها المترجمة ، والمقتبسة ، والمستلهمة كما نشير - من جهة اخرى - الى كون حركة الترجمة فى المسرح العربى ما ازدادت الا تمكنا ورسوخا وثباتا ، فاصبح لنا ما يسمى " المسرحية العالمية " الى جانب " المسرحية المحلية " و " المسرحية القومية " اذا ما اردنا التوسع والتجاوز فى الاصطلاح مبادرة .
المسرحية العالمية :
ان هناك عقدة تمكنت من بعض الادباء العرب وانتقلت الى بعض العموم وأجيز لنفسى أن أدعوها ب " عقدة العالمية " . فهناك " المسرح العالمى " و " المسرحية العالمية " ، والتلفظ بكل منهما يوحى بالتقدير ، ويحاط بالتفخيم ، ويكفى أن نتأمل عناوين الآثار التمثيلية التى تصدر فى اللغة العربية منذ سنوات فى شتى السلسلات المطبوعة كيفما كانت اسماؤها لنتأكد من كون المقصود هو الانتاج المسرحى الاجنبى بقطع النظر عما اذا كان بالفعل تراثا فنيا أو أدبيا ، وعما اذا كان انسانيا وبالتالى عالميا ، وعما اذا كان فى حقيقته محليا صرفا وانما اللغة التى صيغ فيها هى التى اكسبته صفة العالمية ( واللغات العالمية بحسب العرف الذى درجت عليه مراجعة الافاق الدولية لحقوق التأليف هى الانجليزية والفرنسية والاسبانية ) .
واذا كنا نعلم ان تلك المترجمات منقولة - مباشرة أو بواسطة لغة أخرى - عن شتى اللغات بما فيها الالمانية والسلافية والسنسكريتية والصينية . . . الخ فاننا ندرك أن المقصود بالذات هو المسرح الاجنبى كيفما كان اصله ، بحيث قد تكون تلك المترجمات المسرحية اقليمية أو محلية وما افرغ عليها صفة العالمية سوى مصدرها الاجنبى . بصرف النظر عما قد يزينها من الملامح الانسانية ومن الاصالة التى قد تمتاز بها . ولذلك فان الاعتبار على هذا الاساس يعد ، من دون شك ، نوعا من النقصان فى الاعتزاز بالشخصية القومية ، كما أن مواصلة السير على هذا المنهج لن تكون عطاء حقيقيا للمسرح العربى ، فلسنا ملزمين - ولو من حيث الشكل - بتقليد المسرح الاجنبى وتقديسه ووصفه بصفة العالمية لمجرد كونه صادرا عن لغة عالمية أو منقولا بواسطتها ، وربما كان مترجما بصفة مباشرة عن مجرد لغة أجنبية .
المسرحية المحلية :
قد نتساءل عن المقومات التى من شأنها أن تجعل من العمل المسرحى عملا
غير أصيل بعدما أخرجنا من هذا الحساب الترجمة والاقتباس كما اخرجنا " التحويل " الذى يعنى اخضاع المصدر الاجنبى الى محلية تامة سيرا مع الذوق العام وتقريبا لافهام العموم .
ان تلك المقومات لا وجود لها محسوس ، لان عملية من هذا النوع تعنى حركة فنية وخلقا فنيا من حيث التشخيص والفرجة ، ولكنها لا تعنى مطلقا " أصالة " محلية أو " أصالة " اقليمية - اذا جاز لنا أن نستعمل لفظ " الأصالة " هذا الاستعمال . فمن الصعب أن تأخذ بعين الاعتبار منطقيا الانتاج المستمد من النبع الاجنبى مهما بلغت " الصناعة " فى ذلك الاستمداد .
فما هى المسرحية المحلية اذن ؟ وكيف تتجلى أو يمكن التعرف عليها فى المجال العربى ؟ ان العمل المحلى يظل عادة مرتبطا بمظاهر " الفولكلور " سواء كان هذا " الفولكلور " موروثا أو طارئا ما دامت الحياة العامة - فى كل مكان وزمان - قابلة للتأثر بالمكتسبات الشعبية التى تلازمها فى شتى مراحل التدرج والتطور .
وبناء على ذلك فان المسرحية المحلية - على العموم - هى الصورة التى تبدو من خلالها شتى المقاليد والعوائد وشتى الافراح والاتراح لفئة معينة من الناس على ما فى حياة الانسان من المشاعر الانسانية والاحاسيس الازلية . وقد تحمل المسرحية المحلية دعوة هادفة وقد تتضمن رسالة مخصوصة فى التوعية ، والاخلاق أو التوجيه وقد تكون لمجرد التسلية أو الفرجة .
ان مفهوم المسرح لم يستقر على حال ولم يحظ بتعريف مدقق هنا وهناك من البلدان العربية ، وقد نشأ عن ذلك تحريف اختلفت درجاته باختلاف الجهات والبيئات واحتفظ التاريخ بذكر الفرق - المحلية - التى اتخذ اصحابها من المسرح منبرا للوعظ والارشاد ، أو مجالا لعرض القصص شبه الواقعية والحكايات " الشعبية " وكذا أولئك الذين اتخذوا منه صحيفة للتحليل الاجتماعى والانتقاد ، وكل هذا مع محاولة انتهاج الشكل الغربى والخشبة الغربية ولو لم تتوافر المسارح المشيدة الجاهزة لذلك الوضع الخشبى ( الايطالى على وجه التحديد ) .
ومن التأمل فى النصوص التى نعثر عليها لتلك المسرحيات ومن المشاهدة التى نشاهد عليها بعض الحفلات التمثيلية - المحلية - كثيرا ما نلاحظ هلهلة
فى البناء والتركيب ، وضعفا فى تسلسل الحوادث ، وسطحية فى رسم نفسيات الشخوص : قد تبين لنا هذا النقصان فى غالبية الانتاج العربى الذى ادركناه ودرسناه ، المشرقى منه والمغربى ، فقلما كانت المسرحية " المحلية " - العربية - متكاملة الا ما ندر طبعا ، ولا حاجة الى التدليل على هذا القول فالمخطوطات متوافرة وهى خير شاهد . ويزيد فى تأكيد هذه الحقيقة أن بعض الممثلين - الرئيسيين منهم أو من هم دونهم - يتولون هم انفسهم وضع المسرحيات التى يقومون بالتشخيص فيها ، وكثيرا ما يفصلون فيها الدور الاساسى على " قدهم " ، وقد يكون أولئك " الممثلون - المؤلفون " متوسطى الثقافة وغير متمكنين من زمام القلم والفكر فيأتى عملهم هذا فجا وضحلا .
وشئ آخر تتسم به المسرحيات العربية المحلية ، ذلك انها تكاد تكون على الدوام باللسان الدارج وباللهجة العامية ، كما تعتبر من نوع الملهاة ، وهذه خاصية عامة فى المسرح العربى النزاع - فى شتى البلدان - الى الهزلية ، والفودفيل والغنائية والكوميدية وذلك بخلاف الغناء العربى الذى يغمره النحيب والنواح والبكاء .
ان تقليد واقع الحياة الاجتماعية مع محاولة الايهام القصصى ، ولو كان بسيطا ومبسطا ميزة اخرى فى المسرحيات - أو التمثيليات - التى عرفناها فى انتاج الفرق المحلية - أو الشعبية - كما اشتهرت فى شتى البلدان العربية خلال القرن الحالى ، وكان شعارها دوما هو أن المسرح " مرآة " ناصعة لتشخيص عيوب المجتمع ، واستدلوا فى هذا بمسرح " موليير " مع الفارق فى الاسلوب الشعرى والمنثور وفى الرسم النفسانى ، ومع فارق الزمن والعقلية والوسط ، ومع فارق تطور الادراك العام وتطور مفهوم المسرح ، من القرن السابع عشر للميلاد بأوروبا الى القرن العشرين فى الوطن العربى .
أما المسرحيات " الجدية " التى عرفتها هذه الفرق المحلية ومثيلاتها بوجه عام فهى ذلك الانتاج الذى اصطبغ فى غالب الاحيان بالعبوس والاكفهرار على اساس أنه نوع " المأساة " وهى على وجه التدقيق سلسلة " الميلودرامات " أو " المناحات " التى غمرت المشرق - ومصر على الخصوص - قبل أن يتعرف عليها عموم المغرب وقد شغلت الرأى العام زمنا وامحت .
وغير خاف أن الانتاج المحلى لم يخل ابدا من المسرحيات الادبية والتاريخية
و " الوقتية " الموضوعة أصلا باللغة العربية الفصحى ، ونوعها جدير بالذكر فى هذا الصدد ، ولكن ، لا بد من الاشارة - مرة أخرى - الى مستوى الممثلين والممثلات وتكوينهم والى مدى قدرتهم المحدودة على الاداء الجيد بهذه اللغة من جهة ، وقدرة الجمهور على تتبعهم وفهمهم ، من جهة اخرى .
ولقائل أن يقول ان المسرحية المحلية هى من عمل فرق الهواة ومن اختصاص المجموعات المحلية ولا يمكن أخذها فى اعتبار الحركة المسرحية العربية ، ولهذا أجيب بأن فرقا تجارية وفرقا تحمل صفة القومية أو تدعى الاحتراف اضطلعت هى الاخرى بهذا النوع من النشاط .
ولا حاجة الى ذكر القوائم المتوافرة فى هذا المضمار عن الاعمال المحلية ابتعادا من التدليلات المحلية ايضا . وقمين بالاثبات أن العمل المسرحى المحلى فى هذا البيان يعنى المسرحية المقلدة فى شكلها للمسرحية الغربية فصولا ومشاهد ومناظر ، والسجينة فى نطاق الجوانب الثلاثة رابعها الجمهور على أساس السينوغرافية " الايطالية " .
أما المسرحية " العربية " المرتكزة على اسس وتقاليد قومية أى المسرحية التى ننشدها فلها مجال آخر هنا .
المسرحية القومية
هل يمكن للادب العربى أو الفن العربى أو الثقافة العربية امتلاك حركة قومية صميمة فى ميدان المسرحية بناء وتأليفا وتضمينا وتشخيصا وتبليغا ؟
حركة تشمل فى المظهر والمخبر عموم الوطن الكبير ولا تقتصر على بعضه أو على جهاته " النامية أو المكتفية " فكريا أو اقتصاديا أو اجتماعيا ؟
انها الوحدة التى يحققها عادة الاعلام قبل السياسة والاقتصاد والاعلام هنا بمعناه الحقيقى معنى الوعى والتوعية وليس معنى البهرجة والدعاية ، والمسرح من جنس الاعلام ، والوحدة المقصودة والمستهدفة المنشودة هى الوحدة الفكرية الشاملة فى مستوى العالم الذى نعيشه .
لقد حقق الصينيون نهضة مسرحية قبل سنوات ، وأوجد الهنود حركة مسرحية أصيلة فى هنديتها ، وعرفت بلاد اليابان مسرحا خاصا بها . . ولم تكن لشعوب هذه البلدان حاجة الى تقليد أوروبا أو الارتكاز على المسرح
الغربى مطلقا بل أن أوروبا تحاول منذ سنين استلهام مسرح تلك الجهات الشرقية والاسيوية .
فلماذا ذلك ؟ - لان تلك البلدان التزمت شخصيتها الحقيقية وارتكزت فى نهضتها وانبعاثها على مقوماتها الاصيلة وهى تقاليد ثقافتها التى تطورت تطورا فعليا فكان التراث اساسا ونبراسا ، ولم تخجل تلك الشعوب فى ميدان الابداع الادبى والخلق الفنى من استيحاء ثروتها الفكرية والثقافية والفنية ولم تمد يدها الى متاع الغير .
ونحن ، العرب ، ماذا ينقصنا لاكتساب هذه القومية فى المسرح ؟ أليس لنا تراث أدبى ؟ أليس لنا متاع فكرى مزدهر على مرور العصور ؟
فلنستفت التاريخ والواقع ، ولنلتفت يمينا ويسارا ، شمالا وجنوبا وسنجد أن مصادر المسرح غير معدومة لا قوميا ولا محليا ولا دينيا ما دامت هناك اسلامية عربية غمرت العالم العربى من اقصاه الى اقصاه .
لقد قيل أن ملهمات المسرح العربى تتجلى فى التقاليد المحلية والموروثات القومية على اختلاف مصادرها وعصورها ، وكثيرا ما اشير الى بعضها ، ومنها على سبيل المثال وليس لغاية الحصر :
- اسواق الشعر بجزيرة العرب ومنها سوق عكاظ . - حلقات الذكر و " جذبات " الصوفية بالمشرق والمغرب . - تشخيص " التعازى " على مالوف عمل الشيعة لتصوير وقعة كربلاء ومقتل الحسين ، كما عرفتها ايران وبعض البلدان العربية وخاصة العراق ولبنان .
- مسرح " البساط " فى المغرب . - حفلات " الزار " فى مصر . - تمثيل " خيال الظل " ومسرح قراقوز بالمشرق عموما . - حفلات " السر " عند نساء المغرب . - نصوص " المقامات " فى الادب العربى . - قصص " ألف ليلة وليلة " . - الرقص الشعبى الجماعى على اشكاله وألوانه .
- مسرح " عبيدات الرمى " بالمغرب ؟ - حفلات المواسم والاعياد ببلدان المغرب العربى - المحلية - ومنها " تكوكة " و " سيدى الكتفى " و " عيساوة " و " بوبطاين " و " مهرجان الشموع " ليلة المولد .
- قصص " المداح " فى اسواق العواصم العربية والمدن الكبرى . - قصائد شعر الملحون فى المغرب .
تلك منابع ومصادر تحتاج بطبيعة الحال الى ما هو المعرفة ، وواسع الخيال وكفاءة الصناعة لاحالتها الى عمل مسرحى جوهرا وشكلا ، فان فى هذه الملهمات ما قد يصلح اساسا للشكل ، وفيها ما قد يجوز جوهرا . وكم يطيب التذكير بأن شيئا من هذا القبيل قد حدث فعلا فى ميدان التجارب المسرحية العربية ، وأعرف نماذج خرجت الى حيز الوجود وتحولت عملا مسرحيا قائم الذات ولكننى اتحاشى فى هذا الصدد الاسماء خشية الوقوع فى المحلية الضيقة .
والتقنية الحديثة تعتبر من عوامل التوصل الى خلق المسرحية القومية التى تنبنى على هذه الاسس ، فبدون تقنية التأليف من جهة ، وتقنية المجال المسرحى ومشاركة الجمهور من جهة اخرى ، قد يصعب خلق تعبير مسرحى قومى مقبول وناجح ، فليس شرطا لهذه الغاية التزام الخشبة التى هى على النمط الايطالى . فان مجالات الهواء الطلق ، والاسواق العامة والساحات العمومية واماكن تجمع الجمهور ( المعامل والمصانع والموانئ والمدارس وسواها ) لا تقل شأنا فى الاخراج عن القاعات ، بل ولعلها افضل بكثير من المسارح المغلقة ولنتذكر أن مسرح " التعازى " لم يتردد فى استعمال ساحات المساجد مجالا للتشخيص والاداء التمثيلى ، كما ان شكل " الحلقات المستديرة " المعروفة فى الساحات العمومية حيث يلتفت الجمهور حول القاص أو الراوى تتيح امكانية واسعة لاشراك الجمهور وتجاوبه مباشرة مع الممثلين ، ذلك التجاوب الذى عرفته فنون الفرجة فى العالم العربى قبل أن يلتجئ اليه الاخراج الحديث ، وأن المنشط الذى هو على شاكلة القاص أو الراوى قد التزمته التقاليد العربية - والاسلامية - فى شتى التشخيصات ، وذلك قبل ان يهتدى اليه المسرح الغربى حينما اراد أن يلغى الحاجز القائم عادة بين الخشبة والقاعة . وكل هذه العناصر تدخل فى حساب التقنية الحديثة وليس
من العسير الالتجاء اليها واستخدامها فى هذه المسرحية القومية ولخلق المسرحية القومية .
وقد وقعت تجربة اداء المسرحيات اثناء " المواسم " فى " الساحات العمومية " والمواسم هنا بالمعنى المغربى ، وهى تعنى التجمعات الشعبية التى تقام موسميا ودوريا وفى اوقات ومواعيد معينة من السنة لاحياء ذكرى ولى صالح من رجال الدين أو التصوف ، أو لتخليد رجال الجهاد والوطنية ، فيأتى افراد القبائل والعشائر وسكان المدن ويقيمون هناك يوما أو اياما فى المضارب والخيام ، وتحدث حركة نشيطة فى المتاجرة ، وتجرى الحفلات على شتى انواعها . . . . ونجحت التجربة فى التجاوب الصريح بين الممثلين والجمهور ، ولم تكن هناك خشبة ولا ستارة ولا كراسى الجلوس ، وانما التف المتفرجون بالمشخصين فنشأت فعلا عملية الالتحام التى ينشدها المسرح . . . وكانت هذه الميزة الخالدة فى طبيعة الحياة العربية منبعا من حيث المظهر ومن مميزات المسرحية القومية التى لا ينبغى أن تكون مجرد نص يوضع على الرف أو يقدم لحفنة من المحظوظين .
ولكن ، هل يقبل المفكرون على مثل هذه العملية " المظهرية " وهل يقبلونها ؟ انى اشك فى ذلك وان كنت مقتنعا بجدواه وفاعليته وأصالته .
قد يرى المفكرون فى المسرحية التى تعرض على هذه الصفة " سوقية " سافرة ، أو " شعبية " منحطة ، بل ومنهم من قد يدعى أن ذلك تهريج فى تهريج ، وربما يتجاوز بهم التفكير الى القول بأن ذلك عمل هدام يدفع الى القيام به وتحقيقه غلاة الباحثين ، اذا ما استحيوا أن يقولوا انه " عمل استعمارى " ( كذا ) .
ولكن ما هو أصل " المسرح المستدير " الذى تباهى به أوروبا ويجربه غلاة الباحثين ومن هم اقل غلوا فى البحث ؟ أليس هو تقليد لحلقات القصاصين والرواة فى ساحة مدينة مراكش بالمغرب أو ساحات عواصم عربية اخرى بالمشرق ؟ نعم أن المسرح المستدير فى اوروبا تزينه تقنية الانارة ، ونحن ندعو الى التزام التقنية الحديثة لخلق المسرح القومى .
لكن ذلك مظهر فى الخلق المسرحى قد يكون من مميزات تقديم المسرحية القومية فقط .
وهناك نقط اخرى اعتبرها ازلية فى المسرح العربى : الاصلى والمقتبس والمترجم على حد سواء ، ولذلك لم اعتمدها ولم اتعمد التركيز عليها لانها من القول المعاد والمكرر الذى مجته الالسن منذ زمان : انها مشكلة اللغة ، لغة الحوار فى المسرحية العربية . . تلك المشكلة كانت قبل الآن أعوص مما هى عليه الآن موضوعا وواقعا . فلقد عملت الاذاعة والسينما والتلفزة وكذلك الصحيفة على خلق لغة " وسط " فى الحوار المسرحى ، وهى الآن فى مرحلة الترعرع وطور النمو أحب من أحب وكره من كره .
وماتت لغة الشنفرى وأمرئ القيس ! وماتت لغة خليل مطران وأمثاله ! ان المسرح لم يكن فى يوم من الايام مجمعا لغويا ما دام المهم فيه والاهم هو المظهر الكامل مهما كانت أداة التبليغ .
ان اللهجات المحلية تطبع المسرح بصفة المحلية ولو كان " عالميا " اما لغة المسرحية العربية القومية فهى اللغة العربية المبسطة السليمة وما اقربها الى لغة الصحافة العربية تلك اللغة التى توحد اليوم بين اطراف الوطن العربى من حيث التخاطب على الاقل .
والجوهر ؟ واعنى بذلك المضمون ، أهو المسرح السياسى على طريقة رجل المسرح الالمانى " بيسكاطور " أم المسرح الملحمى الذى انتهجه الالمانى الآخر " بريشت " أم المسرح القصصى الذى تزينه خيالات " ألف ليلة وليلة " وغراميات امثال " ليلى العامرية " ؟
قد يكون هذا وذاك فى آن واحد .
ان اطار المسرحية العربية القومية يحدده الشكل والطابع المميز مظهرا اكثر مما يحدده المضمون ، مع العلم بأن " النفس " العربى المعاصر يجب حتما أن يشم ويستشعر من خلال كل عمل مسرحى ، ومع العلم مرة اخرى بأن نفسنا نحن العرب غير متعارض ابدا مع نفس الاهداف الانسانية العامة من البحث عن الشخصية القومية ، والدعوة الى التطور الاجتماعى وتحقيق السلام ، والغيرة على الحرية الفردية والجماعية ، والسعى الى تحقيق الاستقلال المحسوس والملموس ، وكذا الدعوة الى الخروج من التخلف الفكرى والاقتصادى
كيفما كانت درجة هذا التخلف . وكلما كانت المسرحية العربية متفتحة على العالم الخارجى وغير ضيقة الدائرة كلما امكنها أن تكون قومية فعلا ومندرجة فى المفهوم العالمى ، أى مسرحية عالمية . اننا لا نريد ابدا لمسرحنا أن يكون منعزلا مهما كان جوهره وشكله ، فان القومية الحقيقية هى الخروج من الاطار المحلى الضيق الى المجال العالمى الواسع ، ولنتأمل جيدا الحضارة العربية فانها - علاوة على ما اشرنا اليه من المنابع والمصادر - أهم اساس للمسرحية العربية القومية . . انها حضارة زاخرة بالقصص والشعر والموسيقى والغناء والرقص . . وتلك هى اسس المسرح المدعو اليوم " المسرح الشامل " استلهاما للغرب ( اوروبا ) من الشرق ( آسيا ) والعرب جزء لا يتجزأ من الشرق وبالتالى فهم أمة المسرح الشامل أو هكذا عليهم أن يكونوا ولن يمكن المسرحية العربية القومية أن تكون الا فنا شاملا لشتى فنون المشرق والمغرب بالوطن العربى حيث معالم الحضارة العربية لا تخفى للعيان .
فليتأمل الخلاقون وليبدعوا ، فالمجال غنى وشاسع وبكر .
