- 3 -
ترجمة محمد مزالي والبشير بن سلامة
لقد اثبتت حركة الشباب التونسي وجودها بالداب الحثيث ولكن ذلك اضطرها إلى تجاوز الحدود الثقافية . وأكسبتها مساندة الصحف والكتاب بفرنسا الصفة التمثيلية بحيث أصبحت الناطق باسم الراي العام التونسي قبل أن تنظم صفوفها فى حزب سياسي . وحدث لها أول صدام مع السلط والمعمرين يوم عشرين مارس 1906 بمناسبة الحفل الرسمى لتدشين التكية حيث قدم البشير صفر مطالبه إلى المقيم " ستيفان بيشون "(Stephen ( Pichon فبعد أن عبر عن أسفه لافتقار جمعية الاوقاف إلى الموارد الكافية لاحظ فى آتزان وحزم " أن البؤس عم قسما كبيرا من مواطنينا بسبب تدهور تجارتهم وصناعتهم والكف عن تشجيع اليد العاملة المحلية فى الاشغال العامة والخاصة وانتزاع الاراضى وغيرها من الاسباب . وقال إن إغاثتهم لا تجدى بل يحسن وقايتهم مما حل بهم باتخاذ إجراءات جدية تتمثل فى " نشر التعليم المهنى والتجارى والفلاحي بين الاهالي ، وتكوين اليد العاملة التونسية وحمايتها ، والنهوض بالصناعات المحلية بواسطة إجراءات قمرقية وغيرها وأخيرا الحفاظ على الملكية بالنسبة للأهالى ".
وهى إجراءات" إن لم تقض على الازمة الإقتصادية التى يتخبط فيها المجتمع الإسلامي فهي على كل حال تخفف من وطأتها ". وكان المقيم العام يتمتع بتقدير التونسيين لنزعته التحررية ولم يمنع البشير صفر من إلقاء خطابه رغم إطلاعه عليه من قبل بل أجاب بأن هذه المسائل هى شغله الشاغل وأكد عزمه على" تحسين عيش السكان العرب " ومعاملتهم " بروح العدل والكرم التى يتميز بها جنسنا "(1) . وتاثرت الجالية الفرنسية لهذا البرنامج الإصلاحى رغم أنه لم يتضمن فى الواقع أى مطلب سياسي ووصل بها الامر إلى انكار حق الاهالي في التظلم . وانتقدت بشدة موقف " بيشون " واعتبرته فى منتهى الضعف .
وبينما كانت حركة الشباب التونسي هدفا للهجومات العنيفة فى تونس فإنها وجدت آذنا صاغية فى فرنسا . فحملت المناقشات التى آثارها خطاب البشير صفر ، منظمي المؤتمر الإستعمارى المنعقد بمرسيليا من 5 إلى 9 سبتمبر 1906 على دعوة محمد الاصرم رئيس جمعية الخلدونية إلى جانب موظفي الحماية .
وعرض الاصرم وجهة نظر التونسيين فى تدخلاته الاربعة عشر وآردفها بتقديم توصيات(2) . وقد استوحى جملة مقترحاته
من رغبته فى البحث عن" طرق التعجيل بتقارب الجنسين " الامر الذي لن يتحقق" ما لم يتمكن الشعبان من التفاهم المتبادل " والذي جعل هذه الغاية عسيرة التحقيق هو تجاوب "قسم كبير من الجالية الفرنسية " مع صحف تتبجح بمغالاتها فى التعصب وتعلن بمناسبة او بدون مناسبة تمسكها بنظرية نقص بعض الاجناس وتنادى بحق الغازى فى الهيمنة الشاملة . " وبلغ تأثير هؤلاء " الصحافيين الذين طمس فيهم حماسهم ملكة التمييز ، حدا " جعل الفرنسي القادم إلى تونس سرعان ما ينقاد إليهم وينسجم مع الوسط الجديد ويقف ازاء المسلمين موقف العداء والإحتقار الذي يقفه غالب مواطنيه . والحال انه دخل تونس متشبعا بروح الإنسانية والعدالة والتسامح التى هى ثمرة تربيته الديمقراطية " ودرءا لسوء عاقبة هذه" الحملة " التى من شأنها لو استمرت أن تثير فى نفوس الاهالي" غضبا خطيرا على الإستعمار الاوروبى " يحسن بعث جريدة عربية اللسان ترمي إلى غرضين اثنين : أولا الدفاع عن مصالح التونسيين فى مقاومتهم لـ " داء العنصرية " ورفع الإلتباسات المحيطة بالشعب الخاضع للحماية ؛ وثانيا نشر معاني التقدم فى " أوساط المسلمين"بتلقينهم" " المدنية الاوروبية " .
وإذا كان إدماج الاهالي لتوفير التفاهم المتبادل بين الحضارتين " ضربا من الخيال " كما اعترفت بذلك فى فرنسا نخبة من كبار المفكرين اسوة بجورج ليف ( G.leygues) وزير المستعمرات فإن التعرف إلى القيم الغربية عن طريق اللغة الفرنسية يكون مفيدا وخصبا فى آن واحد .
وفي الوقت الذي يعبر فيه الاصرم عن أسفه "من أن تعليم اللغة العربية مفقود فى اغلب المدارس الفرنسية " كان يطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لتمكين تلامذة المدارس الابتدائية الاهلية من تعلم الفرنسية والعربية فى نفس الوقت كما كان يطالب بإعادة تنظيم الكتاتيب " حسب مناهج معقولة " وإلحاقها بالمدارس الفرنسية العربية " ليمكن للتلامذة معرفة اللغة الفرنسية وبلوغ مستوى الشهادة الإبتدائية " . وإن اصلاحا كهذا يقتضى مجانية التعليم وإجباريته .
لا يرفض الاصرم التعليم المهنى ولكنه يشهر بالروح التى تسوده وبكيفية تطبيقه . وسار المجلس الشورى الطريق التى سارت فيها فيما بعد إدارة التعليم عندما نادت في 30 نوفمبر 1903 بضرورة نشر التعليم الفني الذي من شأنه أن يجعل من التونسيين " صنايعية حاذقين" "دون بلوغ مستوى الإطارات الفنية حتى لا يضايقوا العنصر الفرنسي " ولا أدل على ذلك من المدرسة المهنية المسماة ايـميل لوبى (Emile Loubel ) التى بلغ مجموع تلامذتها 165 منهم 119 فرنسيا و 31 من الاجانب و 7 إسرائيليين أما المسلمون فلم يتجاوز عددهم الثمانية . وكان الدخول إليها مشروطا بالتحصل على الشهادة الإبتدائية بدل الإكتفاء بإجراء إختبار لمعرفة كفاءة المترشحين . أما الإعتمادات المخصصة فى ميزانية الدولة للمنح المدرسية فهى "موقوفة على الشبان الفرنسيين عملا بتوصية المجلس الشورى " واخيرا فإن المسلمين المقبولين لا يوجهون إلا إلى شعبتي الخشب والتسفير مهما كان استعدادهم أو ميلهم إلى تلقي تكوين آخر أما فرع الميكانيك فهو ممنوع عليهم منعا باتا لذلك اقترح المقرر أن يكون التعليم الصناعي " فى متناول العنصر الاهلي من دون قيد ولا احتراز . "
وعبر الاصرم عن أسفه للخلل الذى ادخل على سير المدرسة الصادقية التى لم تنظم على غرار المعاهد الثانوية الفرنسية بل
تحولت إلى مدرسة ابتدائية عليا عملا بتوصية صادرة عن المجلس الشورى فى أفريل 1901 تطالب الإدارة بإعطاء التعليم في المعاهد الدراسية للايالة وحتى التى يرجع الفضل فى وجودها إلى أحباس خاصة ، طابعا مهنيا وفلاحيا بحتا " . وانخفض مستوى الدراسات بها إلى حد " جعل الشباب التونسي الطموح إلى المهن الحرة" يدبر عنها . وهكذا لم يبق بها سنة 1906 سوى 75 تلميذا مهيئين إلى خطة " مترجم بوليس " و " مستكتب بسيط بالإدارة التونسية " وادرك المقيم ستيفين بيشون هذا الحيف فأسس لجنة كانت خاتمة أشغالها ان بعثت المدرسة الصادقية من جديد بوصفها معهدا ثانويا . ولكن الذى بقى عالقا بأذهان التونسيين هو أن المؤسسة الطريفة المجددة التى خلقها خير الدين تعمدت إدارة التعليم التضحية بها رضوخا أمام عداء المعمرين الثقافي . وكان الاصرم يرغب أن تسند المنح للشبان التونسيين الذين انهوا دراستهم الثانوي كي يواصلوا تعليمهم العالي . ويطالب أخيرا بمساندة جهود الشباب التونسي الرامية إلى تحرير إخوانهم في الدين فكريا وذلك بمواجهه زيغ الاولياء بصرامة وتسليط رقابة ناجعة على نشاط الطرق ودعاتها" وإن المثل الاعلى الذى كان يحدو الاصرم فيما قدمه من تقارير وتوصيات مستوحى من أفكار الشيخ عبده . فهو عندما " يشفق أى إشفاق على الجماهير الشعبية فى الريف والمدن التى يعلل إنحطاطها الفكرى تدهورها الاخلاقي بصورة لا تدع مجالا للشك " إنما يحدوه فى ذلك تمسك بإسلام مجدد يرفض إبقاء الشعب فى ظلام الجهالة التى هى سبب هذه المنزلة الدنيا .
واستنتج الاصرم من جملة هذه المقترحات التى بدت لعدد عديد من أعضاء المؤتمر ديمقراطية مناهضة للرهبانية استنتاجات لها انعكاسات سياسية . وبينما كان مـمنوعا على التونسيين تقلد وظائف المسؤولية فى الإدارة طالب الاصرم بأن يتمتع المتعلمون بحق التوظف فى المصالح العمومية ونادى باللامركزية الإدارية المتلائمة مع روح الحماية والتي بموجبها تشرك فرنسا الاهالي
على اوسع نطاق ممكن فى إدارة بلادهم وحياتها العامة" . وزود المؤتمر بتفاصيل الظروف التى تكتنف عيش الشعب التونسي . فالمخالفات التى تسجل بسبب الرعى وتثير غضب المعمرين ناتج عن تصور اخر للملكية وعن عادات ورثها الفلاحون ابا عن جد واعتبروها حقا من حقوقهم . ومهما يكن فإنه لا مبرر لسلوك الملاك الذي يغتنم خلو الجهة من مستودع بلدى ، ليحجز في ضيعته الحيوان المعثور عليه فى أراضيه فلا يسلمه إلا مقابل تعويض باهض الثمن احيانا يقرر بنفسه مبلغه " وما كانت مثل هذه الاعمال لتصدر من هؤلاء وأولائك لو خصصت الحكومة " للأهالي المراعي الضرورية " . وسهلت على من انتزعت منهم اراضيهم " التحصيل على مساحات اخرى لقوام مواشيهم . فالخطر الذي يهدد الإستقرار فى المستقبل قد ينجم عن " ظهور بروليتاريا فلاحية " .
ولاحظ الاصرم ما نشأ عن نظام الحماية من تقلبات في أحوال المجتمع التونسى بسبب خلق حاجات جديدة مع ترك جزء من الموارد التى كان السكان يتمتعون بها سابقا في تناقص . " فالصناعات القليلة التى لا يزال يتعاطاها الاهالى فى المدن أصبحت في حالة احتضار ، والمهن التى كان يعيش منها العدد العديد من أصحاب الحرف تنقرض شيئا فشيئا " . والمنتوجات الرديئة المستوردة من مصانع فيوم ( Fiume )تنال كذلك بصورة تبعث على الخطر من صناعة الشاشية التى كان يعيش منها 7000 عامل أو صانع ؛ ويؤثر غلاء اسعار الجلد على البلاغي " المختلفة الالوان . وتقضى منافسة المغازات الكبيرة على رواج أقمشة الحرير المنسوجة نسجا تقليديا أما الشبان الذين لم يجدوا مكانهم فى التجارة والصناعة المحلية والذين " تلقوا بعض المعلومات فى المدارس الفرنسية فإنهم يتهافتون على أدنى الوظائف ويعتبرون أنفسهم سعداء إذا هم لبسوا بدلة ساعى البريد أو سائق الترامفاى وهؤلاء على الاقل يجدون ما يضمن لهم لقمة العيش " . والحالة فى الارياف أشد تعاسة ، إذ
"إستولى الاوروبيون على أخصب الاراضى " واستعملوا أكثر فأكثر الآلات الفلاحية بحيث " عجز العربى على أن يستخرج من الارض بصفة مباشرة أو غير مباشرة قوت عياله ". ويبنى الاصرم على كل ذلك حكمه العام إذ يؤكد " أنه يمكن القول من دون مبالغة بأن الإستعمار هو المسؤول فى تونس عن تفقير الاهالي" وهو أمر يتجلى في تكاثر عدد المتسولين .
وكان لتقارير الاصرم التى جاءت معبرة عن تفكير صارم فى لغة منمقة ، وقع بعيد خاصة وأنه " ما كان يمكن أن يكون المرء أكثر إعتدالا وأوفر سدادا وأقوى حجة فى تقديم شكاوى شرعية . ويظهر أن قناعا تمزق فكشف عن بواطن مجتمع لم نكن نرى منه سوى ظاهره " ( 1 ) . وهكذا عبر " روني مييـى " عن رأية المدعم بما حصل له من معلومات طيلة السنوات الست التى كان فيها مقيما عاما بتونس . وفي فترة كان فيها الإستقلال حلما عسير المنال رضى الاصرم بنظام الحماية ولكنه طالب بتطبيقها تطبيقا نزيها . وبقي على أمله فى أن تمنح فرنسا التونسيين دستورا يصبحون معه أحرارا متساون فى الحقوق السياسية مع الاوروبيين ورغم أنه كان هدفا غداة المؤتمر لهجومات الصحافة الفرنسية الصادرة بتونس فقد كان واثقا من ضرورة الإتفاق بين الفرنسيين الاحرار بفرنسا وبين الجيل الجديد المتخرج من مدارس الإيالة مما يسهل على المجتمع التونسي أن يتطور تطورا سلميا .
وكانت جماعة الشباب التونسي واثقة من رسالتها فنظمت صفوفها فى " حزب الإصلاح " سنة 1907 وأصدرت ابتداء من 7 فيفري
1907 جريدة أسبوعية فرنسية اللسان تحمل عنوان " التونسي " لم تزل تبرز بانتظام حتى احتجبت شهر مارس 1912 . ولئن بدا برنامج هذه الجماعة الإقتصادى محتشما واختصر على المطالبه " بالمشاركة فى التحصيل على الاراضى الدولية بواسطة بعث مراكز أهلية للتعمير واحتلت مسألة التعليم المقام الاول من مشاغلها من دون أن يحظى تعليم الفتاة بالإهتمام الكافي ، فإن الصبغة السياسية التى اكتستها هذه الحركة كانت أبرز مما جاء فى تقارير الاصرم . فكانت جريدتهم تنادى " بإلغاء القرارات التى تنص على منع الاهالى من المشاركة فى مناظرات الدخول للوظائف الإدارية ولا تسمح لهم إلا بتقلد خطط ثانوية مثل خطة مترجم وحاجب وعون تنظيف من دون أن يكون لهذا الحرمان " أى مبرر " ، كما نادت بحق الاهالي في " تبليغ صوتهم ضمن مجلس منتخب " ووضع حد لحرمانهم من " كل تمثيل لدى السلط العمومية " . وكان المشكل موضوعا بكل وضوح فى الوقت الذى كانت فيه الإقامة العامة بصدد إعداد مشروع لتغيير نظام المجلس الشورى الذي لم يكن التونسيون ممثلين فيه بعد ( 1 ) .
وكان حزب الإصلاح التونسي أو حزب الشباب التونسي الذي يعد حوالى ألف مشترك يعتمد فى الواقع على عدد قليل من المناضلين المنحدرين من برجوازية أصلها من المماليك وهي طبقة الاتراك الحاكمة .
وكان الزعماء والاتباع متفقين على وجوب الدفاع عن الحضارة الإسلامية ولكنهم كانوا مختلفين فيما يجب إتخاذه من المواقف ولم يقطع الصلة بالتقاليد إلا عدد ضئيل نذكر منهم عبد الجليل الزاوش ( 1873 - 1947 ) (2) . وهو من عائلة بورجوازية بتونس
العاصمة تلقى ثقافة كلاسيكية فى مدرسة القديس شارل وزاول تعلمه بباريس حيث نال شهادات فى الحقوق وحضر كذلك دروسا فى السوربون والكوليج دى فرنسا . وكلف بالمشاكل الناتجة عن التغييرات الطارئة على أحوال الشرق العصرى وتأثير المدنية الغربية وكان مستعد للتجلي عن " جنسيته " التونسية والتحول إلى " افاقى " فى وطن أم متسع الحدود لو تيقن أنه يجد فيه المنزلة اللائقة به وكان يرى انه لا شئ يثبت فى مجتمعنا العتيق أمام النظر الدقيق . وانه على التونسي أن يتخلص من العقلية الموروثة إذا ما رام فهم المدنية الغربية وسعى إلى إنارة مواطنيه بأنوارها . ويقال إنه كان ماسونيا منتسبا إلى " محفل قرطاج الجديدة . وما أن عاد إلى تونس سنة 1900 حتى تخلى عن المحاماة وأسس طاحونة (minoterie ) وانبرى يبين محاسن التعاضد " للجرابة " ويعمل على تأسيس الشركات الخفية الإسم . وكان هذا المفكر الواقعى والمفاوض اللبق أميل إلى الحوار منه إلى المعارضة المتطرفة (1) .
وكان من بين المناصرين للروح العصرية من تفتحوا إلى الثقافة الغربية ولكن جذورهم بقيت موصولة بالحضارة الإسلامية مثل على باش حامية ومن اقتصر تكوينهم على التعليم الزيتونى أو الازهرى مثل الشيخ الثعالبى الذى تعهد بالصفحة العربية من جريدة التونسي لانه يجهل اللغة الفرنسية . وانضم إلى جماعة الشباب التونسي بتأثير من البشير صفر رغم احترازه إزاء بعض مطالبهم . وبقدر ما كان الثعالبي محافظا كان المحامي حسن قلاتى متحررا إذ كان يميل إلى الإصلاحات المعتدلة التى تستسيغها السلط أكثر من الهجومات العنيفة وكان هذا المحامي تربص أول الامر في مكتب على باش حامبة ثم مارس المحاماة ونجح نجاحا باهرا بفضل علاقاته مع كبار المسؤولين فى الإدارة ورجال الاعمال . وكان محررا لامعا في جريدة
التونسى بالخصوص فى المسائل المتعلقة بالعدالة وكان اسمه المستعار ناصح . وكان المحامي محمد نعمان الوحيد الذى ينتمى إلى الشعب وآراد أن يبقى مع الشعب على استعداد دائم للدفاع عن القضايا الشائكة بتفان تام .
ولئن لم تسمح مقتضيات الدعاية الصحافية والجدل مع الصحف الفرنسية الصادرة بتونس لجماعة الشباب التونسي بتقديم برنامج متماسك فإنهم على كل حال تمكنوا من بلورة مطالبهم . فأكدوا أكثر فأكثر وطنيتهم وتعلقهم بحضارتهم مع ميلهم إلى توخي سياسة تقارب مع الفرنسيين (1) . إنهم لم يطالبوا باستقلال بلادهم إذ كانوا يرون فائدة فيما تقدمه فرنسا من زاد ثقافى واقتصادى ولكنهم كانوا يرون أن الكرامة الإنسانية تقتضى أن يتساوى المستعمرون مع المستعمرين وحرصوا على وضع حد لنيل فرنسا من الشخصية التونسية فاقترحوا منذ سنة 1906 منح البلاد التونسية دستورا (2) إلا أن ذلك لم يكن الاصل فى مطالبهم . وكانو يرفضون قبل كل شئ الإجراءات التى تفاضل بين التونسيين والفرنسيين ولو رضي بها الشعب وقد كانوا لا يعرفونه تمام المعرفة ويعتبرونه خاملا قصير النظر ، مستسلما للقضاء والقدر . وكان هؤلاء الرواد يعتمدون على قدرتهم لا غير امتازوا فى الواقع على الدستوريين الاوائل الذين خلفوهم برؤية أوضح ونشاط أوفر .
فهل كان فى الإمكان على الاقل تحقيق تقارب بين الفرنسيين والتونسيين ضمن المؤسسات المختلطة التى كان من المؤمل أن تبعثها الحكومة ؟ إن كرنيار وجماعته فى المجلس الشورى كتبوا لهذه المحاولة الفشل رغم أنها كانت محتشمة جدا . ذلك أن الامر المؤرخ فى 2 جانفي 1907 قضى بإضافة ستة عشر تونسيا إلى الـ 39 عضوا فرنسا المنتخبين بالإقتراع العام على أن يعينهم المقيم العام من بين أعيان الإيالة ومن ضمنهم إسرائيلى . وإذا استثنينا الزاوش واليهودى التونسي " فيتوسى " الذي كان محاميا ورجل قانون ذائع الصيت فإن الاربعة عشر عضوا الآخرين كانوا إمعين لا ثقافة لهم . وعبر باش حامبة عن امتعاضه من هذا الإختيار واعتبر هو وزملاؤه عملية " تمثيل العنصر التونسي محاولة دفنت في المهد (1) وكانت المغالطة مكشوفة إلى حد اضطرت معه الإقامة العامة إلى منع باش حامبة من نشر مقال فى جريدة التونسي يأسف فيه لقبول الزاوش تشكيلة أقصيت عنها النخبة التونسية بينما تحصل الإسرائليون على "الكيف... بدل الكم ".
وسواء خدم التونسيون قضيتهم بالذات أو قضية الإدارة فإن المعمرين ما كانوا ليقبلوا وجودهم لا لشئ الا لانهم تونسيون وكشف " كرنيار " فى جريدة المعمر الفرنسى عن نوايا جماعته بدون أى لبس فجعل التونسيين مدعاة للسخرية قائلا :إنهم قوم آراؤهم فى الميدان الاخلاقي تخالف آراءنا " (12 ماي 1907) فهم لا " يهابون " إلا القوة ، من دون إعتبار للقانون ولا للعدالة ، وهم أذلاء أمام الاقوياء ، وقحون أمام الضعفاء ، ديبلوماسيون وبارعون فى التأثير على السامعين أو خداعهم " (14 جويلية 1907) فكيف يمكن
أن نقع في أحابيل نفاقهم ويضيف كرنيار : " إن تحررهم ليس إلا قناعا . أما إنسانيتهم ... ! دعوني أضحك ! متى وجد أهلى إنساني ؟ ... إنهم ممثلون ، هؤلاء القوم ! وماقيم القرد عندما يحاكى والببغاء عندما يعيد الكلمة أمام هؤلاء المقلدين الكبار ! " ومع هذا يدعون أن لهم حقوقا وأن لهم دورا يقومون به فى نطاق العلاقات بين فرنسا وتونس . ويصيح كرنيار " فى وجوههم إنكم لستم سوى رعايا للأمة الحامية ؟ ويتجاسرون على اعتبار أنفسهم اداة وصل ! (٥ ماي 1907) . " وتمكن بعض الاهليين بفضل لباقتهم من إقناع بعض مجموعات فرنسية مثل رابطة حقوق الإنسان (Ligue des droits de I' homme ) وهيئة العمل الجمهورى فى المستعمرات (Comite d' Action Republicine ) بأن العرب بشر مثل غيرهم وانه يجب آن يكونوا متساون فى الحقوق مع الفرنسيين " بينما هم عبارة " عن جنس اصبح دون الاجناس بلا منازع بسبب دينهم الذي حطم طاقتهم ونتيجة لما توارثوه أحقابا طويلة من كسل وقول بالقضاء والقدر . " (16 جوان 1907) وإن غايتهم عندما ضمنوا " لانفسهم بعض المساندات فى الاوساط السياسية الفرنسية " الإنفراد من جديد بما كان يتمتع به المحظوظون فى الماضى . وإن على الإدارة أن تعرف كيف تدافع عن نفسها . ويتساءل السيد باش حامبة عن سبب استئثار الفرنسيين بالوظائف العمومية في الإبالة ؟ ها انذا اجيبه : " السبب هو انه ليس للتونسيين الكفاءة ولا المستوى الاخلاقي الضرورى للاضطلاع بمثل هذه الوظائف . " (9 جوان 1907) . وإن من يتصفح مقالات " تونس الفرنسية " و " المعمر الفرنسي " يكتشف أن أساليب الحكم التى كانت تبدو أنسب من غيرها هى الجبر بالسجن فى المادة المدنية التى صادق عليه المجلس الشورى ، ومسؤولية العروش الجماعية فى المخالفات المتضرر فيها
الاوروبيون ، والنفي في جزر قرقنة كما كان الشأن فى عهد حكم البايات المطلق ، وقانون الاهليين ومحاكم " زجرية " على غرار ما كان موجودا بالجزائر ( 1 ) . وإن السلطة التى كانت تمارس حسب مشيئتها وسائل الردع ما كانت لتحتاج طبعا إلى نصوص قانونية لتسليط القمع الإستعجالى . (2) -يتبع
