الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

المعنى الحقيقي للحوار بين الأمم

Share

ان قضية الحوار بين الشمال والجنوب (*) مطروحة اليوم على بساط النظر . وهذه القضية ليست بدعة عابرة ، إذ انها تستجيب الى حاجة تعتمل فى النفوس هنا وهناك على ضفتى البحر المتوسط . وتفرض نفسها كحاجة ملحة فى عصرنا الحاضر . ذلك انه بعد ان هيمن الاستعمار المنتصر فى القرن الماضى ، انقلب النظام الدولى رأسا على عقب . وجرى ما جرى أثناء الحربين العالميتين المتميزتين فظاعة وقسوة فكانتا الثمن الضرورى لحمل القوى الكبرى على الاقتناع فى نهاية الامر بوجوب اقرار أسس جديدة للتعامل بين الامم . ولا ريب أن النصف الثانى من هذا القرن سوف يكون ايجابيا الى حد بعيد : فقد شهد تصفية الاستعمار والعمل الدائب للامم المتحدة والاقتناع بحتمية اقرار نظام اقتصادى دولى جديد ، وارتقاء كل المنبوذين بالامس الى مرتبة المبادرة التاريخية .

على ان اعمالا كثيرة ما زالت تنتظر الانجاز لكن الظروف المحيطة بها لا تحمل على التفاؤل المفرط اذ لا يكفى أن نلاحظ أن الاستعمار قد اندثر ولم يبق منه الا آثار متناثرة ، وانما ينبغى العمل على اجتثاثه نهائيا من جذوره وازالة مختلف المظاهر التى ما يزال يتلبس بها وابعاد جميع التحولات التى لا يخضع لها الا ليبقى على قيد الحياة . ان الميز العنصرى والصهيونية وكافة أشكال العنصرية تمثل اليوم الادواء الثلاثة المخزية التى تشكل وصمة فى جبين حضارتنا .

وان الذى ينبغى ان نسجله بارتياح ما اتخذه الكفاح من اجل الدفاع عن القيم من أبعاد كونية . وهو نفس الكفاح الذى يحدونا هنا أو هناك ويدفعنا الى أن نقاوم بكل قوانا الاستغلال مهما تكن أشكاله ، وأن نشهر بالتعذيب ،

ونسعى إلى تحقيق انتاج اوفر من حيث جدواه وتوزيع اعدل للثروات ، وان نعطى مفهوم حق الشعوب فى تقرير مصيرها اوسع مدلولاته . وان شعورى بالتضامن مع مواطنى الذين يتوقون الى مزيد من الرفاه ، وفضل من الحرية والكرامة ، لا يقل عنه شعورى بالتضامن مع اخوانى الفلسطينيين الذين يكافحون من اجل استرجاع وطنهم ولا شعورى بالتضامن مع الافارقة الذين يقاومون التفرقة العنصرية . وكثيرون هم الذين يتصورون ويكتبون اننا اذ نفعل هذا فاننا نقاوم الغرب ونهدد مصالحه . يا له من خطأ جسيم ! ان اصدقاء الغرب الحقيقيين ليسوا المسبحين بحمده ولا المستفيدين من هباته وعطاياه الخادعة فى كثير من الاحيان . ان اصدقاء الغرب الحقيقيين هم كل الذين يفقهون طبيعة الرسالة الحقيقية المتمثلة فى حماية وصيانة القيم السامية التى اسهمنا جميعا فى صياغتها ونعتبر انفسنا مسؤولين جميعا عنها ، وأعني الحرية والعدالة والديمقراطية والكرامة . وعلى أساس هذه القاعدة التى تقوم عليها مصالحنا المشتركة والمثل العليا التى نتقاسمها ، يمكن ان يكون للحوار بين آلشمال والجنوب معنى .

وفى اعتقادى ان للشعب البلجيكى ، فى هذا السياق ، دورا مخصوصا عليه ان يضطلع به . ان ماضيه الملىء بالعبر ، وموقعه فى ملتقى طرق حاسم فى أوربا ، وتنوع ثقافاته وتقاليده تجعله أهلا لكى يتفهم أكثر من سواه مدى الرهان الذى يمثله الحوار بين الشمال والجنوب وهو بالضبط الدفاع عن الانسان وتمكينه من استكمال ذاته وادراك كل ما يصبو اليه من اسباب الازدهار . ان الحوار الحقيقى ليس جعجعة ولا ثرثرة لا طائل وراءها بل العكس هو الصحيح . لا محالة نحن نفضل التخاطب على التقاتل ! ولكن الحوار لا يعدو ان يكون الا مقدمة للتعارف . وهو وحده الذى يخلص نفوسنا جميعا مما علق بها من شكوك ومن ظنون . ومما لا ريب فيه فالكلمة هى بداية العمل والمنطلق للوفاق .

والآن وقد اخذت الامور تتطور ، وادرك الغرب انه لم يبق له مجال لكى يتوزع الكوكب الارضى الى مناطق نفوذ على أساس التسلط ، فانه من واجبنا جميعا أن نواصل الحوار وان نبرهن بالعمل على استعدادنا لتقديم التضحيات الضرورية .

ففيما يتعلق بالعرب والتونسيين بالخصوص يعتبر هذا الحوار من جوهر الامور وهو جزء من تقاليدنا وعلى أساسه قام عملنا الوطنى . ولهذا لم يكن الرئيس بورقيبه فى احلك ساعات تاريخنا يدعو مخاطبيه وهم خصوم اللحظة العابرة ، ولكنهم اصدقاء الغد ، وما بعد الغد ، الى الدخول فى حوار حقيقى . ذلك ان احترامى لغيرى ، رغم ما قد يذيقنى من آلام ، يتجاوز مجرد  المعاملة الطبية المهذبة وما يقتضيه الادراك الحاد للمصلحة ، انه احترام المرء لنفسه أولا وقبل كل شئ . وان العنصرية ليست اهانة للغير بقدر ما هى سبة للنفس . وفيما يتعلق بالصهيونية فان احرى الناس بالشفقة ليسوا الفلسطينيين . وانى اجد راحة فى النفس عندما اعتقد ان قضية جميع المضطهدين والمستضعفين فى الارض لن تدع أحدا فى أوربا يزور عنها ، ولا يكترث بها فى مستقبل الايام .

اشترك في نشرتنا البريدية