يقول المثل : " أصعب الامور مبادئها " ولو سألنا كتاب القصة عن رأيهم فى ذلك لقالوا بلا تردد : ان اصعب الامور نهاياتها . ذلك ان النهاية أو الخاتمه فى العمل القصصى هى المرحلة القصوى التى يبلغها تطور الأحداث وتفاعلها بعد مرحلة التأزم أو ما يسمى بالعقدة وكثيرا ما يحملها الكاتب موقفه من المشكل الذي عالجه أو الحل الذي يرتنيه فى القضية المطروحة والخواتم أنواع .
منها نوع يضبطه الكاتب مسبقا ضمن خطة محكمة فيجعل الاحداث تتسلسل وتتطور تسلسلا طبيعيا لا محالة ولكنه تسلسل يفضى الى النهاية المرسومة .
وقد يجعل الكاتب نفس هذه الخاتمة قابلة لشتى التأويلات فلا يملى على القارىء موقفه الخاص أو حكمه الشخصى وانما يترك له مطلق الحرية فى ان بتصور النهاية التى يراها مناسبة للقصة . وهو النوع الرائج بكثرة فى القصص الرمزي بالخصوص
؟ العلوم ومن الخواتم ما يكون مفاجئا وغير منتظر لا بالنسبة الى القارىء فحسب بل وبالخصوص ، بالنسبة الى الكاتب الذى يساق اليها سوقا بفعل تحكم سير الاجداث وتطورها وتفاعلها فيه مثلما حدث لتشيخوف حين شنق بط اقصوصته " المسمار " ثم اعترف بأنه ما كان ينوى البتة لبطله تلك النهاية المفجعة .
ومن الخواتم ايضا خاتمة يصل اليها الكاتب لكنها لا تروقه فيضطر الى تغييرها بأخرى مثلما فعل نجيب محفوظ في رواية " الشحاذ " التى كان قد نشرها تباعا فى جريدة " الاهرام " ووضع لها خاتمة معينة ثم عدل عنها
واستبدلها بأخرى " أكثر اتساقا مع منطق العمل " ) 1 ( وذلك عند نشر الرواية فى كتاب سنة 65 و 1 .
ولعل أسوأ الخواتم تلك التى يفرضها الكاتب فرضا تعسفيا على القصة ولو كان ذلك ضد مجرى الاحداث التى قد تتطور به فى اتجاه يبعد به عما كان قد رسمه مسبقا لقصته من نهاية . فيضطره ذلك الى املاء الخاتمة التى يريدها هو لا منطق تطور الاحداث أو طبيعة تكوين الاشخاص أو منطق بنائهم النفس مثلما فعل سهيل ادريس في رواية " الحى اللاتيني " الصادرة سنة 1954 لما جعل " جانين وهي بطلة الرواية " تسقط لا لأن المنطق الفني أو منطق بنائها النفسى كان يحتم عليها السقوط وانما لأن الكاتب أراد لها تلك النهاية المفجعة بدافع مخطط الانتقام الكبير " ) 2 ( .
فمن أى نوع كانت النهاية فى " حدث ابو هريرة قال " ؟ وهل وفق المسعدى فى اختيارها ؟
ان المتبع لمسرة ان المتتبع لمسيرة هريرة من أولها الى اخرها يدرك انه يحمل نهايته بين يديه " . ذلك انه كان منذ بداية مغامرته ، وعلى وجه التحديد فى " حديث الحس " وهو الحديث الخامس ، يحلم بشئ واحد وهو ملء الكيان . وكانت صورة هذا الحلم واضحه فى ذهنه وهى التحرر من قيود العالم الارضي : " وددت من زمن بعيد لو انى علقت بين السماء والارض ، أو أني جلست على قمة حبل - ى تحت جبل وقد طلقته الارض فطار " ) 3 ( . وهذا ما يدعو الى التساؤل : لماذا لم يتحة أبو هريرة مباشرة الى هدفه الذى بلغه فى نهاية المطاف ما دام قد كان واضحا فى ذهنه ؟ ولماذا كل تلك التجارب والاطوار التى عاشها ومربها وكادت تؤول به الى الفشل الذريع ؟ !
الجواب عن ذلك ، فى اعتقادى ، هو أن أبا هريرة بقدر ما كان واعيا بالهدف الذي كانت السبل أمامه ضبابية معتمة . فلم يكن له تصور واضح عن الطريق المؤدية إلى غابته . ولهذا السبب طرق كل المسالك من حسية الى اجتماعية إلى روحية إلى ان من عليه القدر بأبي رغال فدله على ما فان يطلبه وكان في مغامرته كالتائه في الصحراء لا يدرى أى سبيل يتبع ، يتجة وجه وتحول عنها إلى أخرى ، وقد يستهدى من يلقاه في طريقه الى أن يظفر بالاتجاه الصحيح
فماذا كانت النهاية التى آل اليها أبو هريرة ؟
رغم المعدى ان أبا هريرة توصل في نهاية مسيرته الى " الاتحاد بالعالم العلوين وقد شبه ذلك " بالاتحاد الذى توصل اليه أهل التصوف فى الاسلام كالغزالي والحلاح " ) 4 ( . واذن فقد أراد المسعدى أن يضفى على نهاية بطله مسحا صوفية خالصة . وبعبارة أخرى أراد ان يقول ان مسيرة أبي هريرة قد توجت والنجاح بعد عديد الخبيات التى عرفها على امتداد محطات رحلته الوجودية وذلك حين رسما الى نوع من الكيان ألا وهو الكيان الصوفى " ) 5 ( واذا كان النقا قد اجمعوا تقريبا على الطابع الصوفى لهذه النهاية فان من بينهم من لم يرفي ما رتم المسجد من فوز وانتصار بل ، على العكس من ذلك ، رأى فيها هزيمة وانتحارا
ولهذا ما تركنا ، مؤقتا ، تأويل المسعدى ونقاده جانبا ، وحاولنا استقراء نص القصة مباشرة فاننا نخرج بنتيجة واضحة وهى أن هذه النهاية ذات وجهين أم ارها قابلة لتأويلين . فيمجرد قراءة سطحية نعثر فى " حديث البعث الآخر وخاصة فى كلام الهاتف على كثير من التعابير الصوفية من نوع الحق " و " والحب " و الشوق " و " تسام " و " واشف و يخلص وير علوم الغيب " و خفايا الرب " . . وهي عبارات تضع القارىء فى جو صرف من قيود العالم الحسى وبانكشاف الذات العليا والاتحاد بها .
غير اننا إذا طبقنا نفس المنهج فى استقراء النص فاننا نجد فى نفس الحديث العديد من المؤشرات والقرائن اللفظية الموحية بجو الانتحار والهزيمة . ويكفى أن نتأمل فى الكلمات التالية : " صهيل ألم " ، صيحة اقشعر لها جلدى مادية شباطين دم على الصخر " لنشتم رائحة الفاجعة ، رائحة الانتحار . لذلك مال جانب من النقاد الى الاعتقاد بأن نهاية أبى هريرة لا تمثل سموا أ ارتقاء إلى العالم العلوى بقدر ما تمثل اندحارا وسقوطا فى الهاوية وبالتالى عزيمة وانتحارا . ويكفى أن نتأمل في العبارات التالية : " صخورا هاوية " * واذا تحتي هاوية يقصر عنها مدى العين " لنتأكد من أن أبا هريرة ما ارتف أو سما وانما سقط وهوى .
ومع ما بين التأويلين من تباين واضح فان أحد النقاد لم يجد حرجا فى الجمع - بينهما قائلا : " فرحلة أبي هريرة مثلا تنتهى الى معراج نحو الابد " ) 6 ( ثم أردف ذلك بقوله : " ثم ينزل بفرسه فى الهاوية " ) 7 ( . فكيف يعقل ان يعرج أبو هريرة وينزل وبالتالى أن ينتصر وينهزم فى نفس الوقت ؟ !
هذا ما يدعونا ، أولا ، الى تقييم هذه النهاية من حيث صبغتها الصوفية ، ثم لنا ، فى مرحلة ثانية ، أن نبحث عن مدى انسجامها مع أحداث القصة وطبيعا ابي هريرة . فهل كان تصوف ابى هريرة انتصارا ؟
من البديهى أن الانتصار لا يكون صحيحا وحقيقيا وجديرا بهذه التسمية الا اذا تحقق فيه للمنتصر ما كان يصبو اليه . وبديهى كذلك أن قيمة هذا الانتصار تزداد وتتضاعف كلما حصل بأقل التكاليف والتضحيات الممكنة فما الذى حققه أبو هريرة ؟ وما هو الثمن الذي دفعه مقابل ذلك ؟
الحقيقة أن أبا هريرة لم يزد على أن غاب في المطلق وبتلعه العدم " بعد كل تلك المسيرة المضنية . أما الثمن الذي دفعه لبلوغ هذه النهاية فهو كيانه الذي تلاشى فى العدم وذاته التى فنت فى المطلق . فهل يمكن اعتبار أبى هريرة بهذه الصفة ، منتصرا وقد كان انتصاره " على حساب أغلى شئ عنده وهو كيانه الذى سعى طوال مغامرته ، بل من وراء خوضه اياها ، الى ملئه ونحت وانشائه ؟
لا يمكن ، في اعتقادى ، أن نعتبر أبا هريرة ، وقد انقلب هذا المنقلب ، الا من ما ذلك انه عوض أن يحقق ذاته قد خسرها وعوض أن يملأ كيانه وينحت قد تركة بتلاش ويذهب أشلاء ولم يبق من آثاره الا قطرات دم على الضخر منما قد ألفناه في الاطوار الثلاثة الاولى من رحلته وهى الطور الحسى والطور الاجتماعي والطور الروحى ، يقلع عن كل تجربة كان يرى فيها خطرا يتهدد كنانه . فقد تخل عن لذة الجسد ومتعته حين خشى أن تأسره وتقعده عن مواصلا طريقه ، وطلق الجماعة حين خاف أن يطفئوا فيه جذوة العمل والطموح ، وقر بالاديان حين تأكد من خوائها وزيفها وبطلانها . لذلك يبدو من الغريب جدا قبول ابي هريرة ، فى اخر القصة ، وبسهولة متتاهية ، أن يلقى بنفسه وحصانه من فوق " قمة حبل بكاد يبلغ السماء بل انه " ليبدو من المتناقض الا يحقق هؤلاء الابطال انسانيتهم تامة الا بخروجهم عن بشريتهم " ) 8 ( .
: ومنها حمضية او هردرة وتضح فهي اذن ، نهاية فيها " بتر " لشخصية ابى هريرة وتضحية بذاته وانسلاخ من انسانه . وهي ، ايضا ، نهاية ضد طبيعة سلوكه الذي اتبعه طوال مسرته وهو سلوك عملى قائم على الممارسة الفعلية والمعاناة الذاتية بينما يقاجئ فى الحديث الاخير ، وبتدبير من المسعدى طبعا ، بتحول من هذا السلوك الايحاب الى سلوك لم نألفه عنده اطلاقا وهو سلوك قائم على التقبل السلبي والتبعية المطلقة ، فاذا به تحت تأثير تعليمات أبي رغال ، من ناحية ، وندا الهاتف ، من ناحية ثانية ، يلقى بنفسه من حالق ويغيب فى العدم . وان لا أرغ ، من ناجتههر ، فهر هذه الحركة التى قام بها ابو هريرة ما يوحى بالضعوه والسمو إلى فوق بقدر ما أرى فيها ، مثلما يشهد به كلام ابي المدائن ، سقوط في هاوية سحيقة " يقصر عنها مدى العين
فما معنى هذا التحول فى سلوك ابى هريرة وطبيعته ؟
١٣ الحقيقة أنه تحول مفاجئ فرضه المسعدى فرضا على بطل قضته . فكان اشبة شء بضربة عضا سحرية " On Coup de Theatre ذلك أن المسعدى أرا أتريض ببطله إلى هذه النهاية بالذات خارقا بذلك منطق البناء النفسي لشخص الى هريرة وضاريا بإرادته وحريته عرض الحائط . والسبب فى ذلك أن المسعدى أراد ان يعيد ابا هريرة شرقيا كما انطلق فى بداية مغامرته اذ كان
مؤمنا متعبدا يؤدى الصلوات فى أوقاتها ، ثم كفر وتمرد وأخيرا انقلب الى متصوف عاشق للحق والمطلق ، وهي عملية انقاذية مفضوحة عمد اليها المسعد بعد ان انسدت الآفاق أمام بطله نظرا لانعدام الرؤية الواضحة لديه واختلاط السبل عليه مما أوشك به على العمى والجمود . كل ذلك فى سبيل ماذا ؟ في سبيل أن يرقي ببطله الى " كيان صوفي " ، وأن يخرجه من هذه المغامرة منتصرا عظيما " أعظم من الحياة . فكانت نهاية مفتعلة مصطنعة تتنافى وطبيعة سلوك أبي هريرة ، كما أنها تختلف فى مدلولها عن التصرف الحقيقى كما حدثنا عنه الدارسون ورجال التصوف أنفسهم ، ذلك أن من عادة المتصوف الحق أن يعود من رحلته ويخبر الناس بما أتيحت له مشاهدته مما لا يدخل تحت وصف بل يعاش بالذوق والحال والتجربة بينما نجد أبا هريرة قد مضى بلا رجعة و " ابتلعه العدم " .
وعلى فرض أن أبا هريرة متصوف حقيقي وانه قد حقق بذلك انتصارا عظيما فما جدوى انتصاره هذا وهو لم يفد به لا نفسه ولا غيره من بني عالمه ؟ أفهذا هو الحل الامثل الذى يرتئيه المسعدى لمأساة الانسان فى الوجود ؟ وان كان ذلك ، فهل فكر فى مدى قابلية هذا الحل للتعميم ؟
ان كان المسعدى يعتقد ذلك حقا فمؤداه أن التصوف هو قدر الناس جميعا بينما المعروف أن التصوف كان على مر التاريخ اتجاها نخبويا " أرستقراطيا لا يتاح الا للصفوة من البشر بشهادة كبار المتصوفين أنفسهم . لكن المسعدى يجيبنا عن ذلك " مصنفا الناس تصنيفا طبقيا " ) 9 ( : " والذي يقابل ذلك الافق الاقصى من الكيان الانسانى هو الافق الادنى الذى هو البهيمية وهو الحيوان وبين هذه الحيوانية وتلك الروحانية ، بين هذين الطرفين أو هذين الافقين اللذين يحدان أبعاد كيان الانسان ، يتردد الانسان متأرجحا متنزلا في درجات مختلفة : فمن الناس من لا يختلف كثيرا عن الحيوان ، ومنهم من يبقى طول حياته يثخبط فى البهيمية احساسا وشعورا وتصورا وحياة ومسؤولية ، ومنها من يرتفع عن ذلك درجة أو درجات ، ومنهم من قد يصل في الارتفاع الى بشرف على أفق عالم الملائكة أى عالم الآلهة " ) 10 ( ولعل أهم ما ورد في هذا القول هو اقرار المسعدى باستحالة تعميم التصوف . وبهذا يكون ما بلغه أبو هرير
هي المرحلة القصوى التى يمكن أن يدركها الانسان وهو " يتردد بين الحيوانية الالوهية وبهذا المفهوم الطبقى فان مسيرة ابى هريرة تصبح مسيرة فريد من نوعها والحل الذي انتهى اليه هو الحل الامثل وهذا ما يؤكد لنا ) اقتناع المسعدى نفسه بأن التصوف رغم انه يمثل فى نظره الانسانية الباسلة - لا يمكن بأية حال من الاحوال أن يكون " حلا للانسانية جمعاء .
١١١١١ وبهذا المفهوم أيضا يمكننا أن نرى عصرنا الحاضر الغارق فى وحل المادة عصر التخبط في البهيمية والحيوانية ، أما القلة القليلة من دعاة الاصلاح والتائقين الى الطهارة والمتشبثين بالروحانيات فهم أولئك الذين ارتفعوا درجة أو درجات الا انهم لم يكتفوا بذواتهم بل حاولوا ويحاولون أن يرفعوا معهم الاغلبية الضالة بانارة السيل أمامها خلافا لابى هريرة الذي طلق الجماعة وتنكر لهم وحاول أن ينجو بنفسه دون أن يلتفت الى أحد
وعليه فان ما يمكن الجزم به ، فى اعتقادى ، هو أن نهاية أبى هريرة لا تعدو فى الحقيقة ، أن تكون هزيمة وهروبا من الواقع وفشلا وجبنا فى مواجهها ما يعح به من فساد وشرور وأباطيل . على أن هذه الهزيمة قد نرى فيها ، مر وجهة نظر وجودية بحث ، انتصارا باعتبار أن الانتحار هو ، عند الوجوديين أقصى ضروب الشجاعة والتعبير عن الحرية الانسانية . غير أنه انتصار سلبي لانه انتصار على الذات ، على النفس وهو ، لعمرى ، الجبن والعجز فى أجل مظاهرهما . فقد وعى أبو هريرة جل الامراض التى كانت تنخر جسد مجتمع لكنه عجز عن مقاومتها وفشل فى معالجتها ففر هاربا وسواء أصعد الى السما مخلفا الجماعة وراءه تممه في ضلالها أم سقط فى قرار هوة سحيقة فانه قد اختار لنفسه ، أو قل اختار له المسعدى ، حلا فرديا يعبر عن يأسه من الجماعا وتشاؤه بهم وبالعالمهم الارضى بينما كان المفروض والانسب أن يسعى الى الخروج من قمقم الذاتية ليعانق الكثرة والعدد وعندها لا يكون خلاصة فى " الاتحاد بالعالم العلوى " وانما يكون بعالم الناس الارضي ) 11 ( . لكن من أين لابى هريرة أن يسعى الى ذلك أو ينجح فيه والمسار الذي وضعه فيه المسعدى خاطئ من أساسه ؟ انه مسار وجودى كان فيه هم أبى هريرة تحقيق ذات ونحت كيانه واعطاء معنى لوجوده فكان المسعى وكذلك الهدف المنشود قردين أما ما لقبه أبو هريرة فى طريق رحلته من جسد وعدد ودين فلم تكن كلها الا
وسائلا ومطايا ركبها أبو هريرة طمعا في أن توصله الى " شواطئ الازل " لكن دون جدوى فهو لم يجن منها غير " العمى و الجمود " ثم " انزوى فى عزلة مريرة دفعته الى الانتحار دفعا " ) ١٢
فهل الى هذا الحد من الهزيمة والانهزام وصل اليأس من اصلاح الاوضاع بمحمود المسعدى ؟
الحق انه لم يشذ في تصوره هذا لمأساة الانسان ودوره فى الوجود عن تصور أبناء جيله . فقد غلبت على مواقف جلهم ان لم نقل جميعهم مسحة قاتمة من القنوط والكآبة والتشاؤم تحت تاثير عوامل ثقافية وسياسية واقتصادية يطول شرحها . فهذا أبو القاسم الشابي ، مثلا ، وهو من أبناء جيل ما بين الحربين ، قد استبدت به النزعة الرومانسية ففر الى الطبيعة متخذا منها ملجأ وملاذا بعد أن أخفقت مساعيه وتلاشت دعواته وتحطمت أحلامه وآماله ويئس من " تحريك السواكن " . غير انه اذا كان الشابى قد ناضل ثم عرف طعم الفشل فيئس وفر فان المسعدى الذى كافح ، هو الآخر ، سياسيا ونقابيا وعرف طعم العسف وذل النفي ، يثير فى الاذهان حيرة واستغرابا اذ كيف يتمكن هو من مواصلة المسيرة النضالية دون كلل أو وهن أو يأس بينما يفرض على أبطال قصصه رؤية تشاؤمية انهزامية ؟ ! ايكون قد فرق بين حياته العملية وحياته الفكرية أم تراه يكون قد نجح حيث أخفق أبطال قصصه ووجد فى العمل السياسي بعد عهد الكفاح ما يملأ الكيان وينحت الذات ؟ !
ان " أمره لمحير " كما قال الاستاذ توفيق بكار الذي أكد أن فكرة المسعدى فى الجماهير لم تتغير الى اليوم لانها عقيدة فلسفية وليست نتاج ظرف عابر " ) ١٣ ( . وتساءل ، مستغربا ، بعد أن أشار الى التزام المسعدى قضايا بلاده قبل الاستقلال وبعده " أفلا يعتبر كل هذا الا مغامرة فردية لا أساس لها بعمل " الكثرة " ؟ ألم يكن محمولا بقوة الحركة الجماعية " ثم استخلص قائلا: المسعدى يعرف الحجة عليه ولكنه حسب لغة العقود " يضر ويوقع " على مذهبه ) ١٤ ) .
ومع ذلك فانني ، من ناحيتي ، لا أتمالك عن طرح هذا السؤال : الا يمكن ان تكون هذه المفارقة بين فكر المسعدى وعمله تراجعا عن فلسفته القديمة ونفورا من عالم شخصيات قصصه ومحاولة تخلص من ظلالهم وقد كان هم الواحد منهم بلوغ " غاية فردية أنانية هي انشاء وجوده " ) ١٥ ( بينما ينسى الآخرين وواقعهم الآسن ؟
مهما يكن الامر فان الذى لا شك فيه ، عندى ، هو أن أبطال المسعدى لم يحققوا ، فى دائرة هذا التصور ، سوى الفشل والهزيمة سواء على المستوى الجماعي أو حتى الفردى مهما حاول المسعدى أو غيره أن يثبت عكس ذلك.
وعلى كل فقد وعد المسعدى بتأليف يخرج فيه عن دائرة تصوره القديم للانسان ودوره ومصيره في الوجود غير أنه لم ينجز بعد شيئا من ذلك (١٦) فهل يطلع علينا ، ذات يوم ، بأثر يعدل فيه عن فلسفته السلبية ويوفق فيه بين فكره وعمله أم أن شواغل الدنيا قد شغلته عن ذلك ؟ !
