الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

النهضة الاجتماعية وتحديد النسل

Share

ان سرعة النمو الديموغرافي ظاهرة من ظواهر التخلف فحيث ينحط مستوى العيش ونقل الموارد يلاحظ تزايد مطرد في عدد السكان ومن هنا فرضت مشكلة تكاثر السكان نفسها على المسؤولين واخذ البعض يفكرون في تحديد النسل للتخفيف من وطأة التخلف وملاءمة الانتاج مع نسبة المستهلكين وقد اصبحت عبارة ( برث كنترول ) الانقليزية كثيرة الاستعمال في اوساط رجال السياسة والاقتصاد ومستعملة كما هي في لغات اخرى كثيرة اما معناها فهو مراقبة النشوء او تحديد النسل

وقد استعمل البشر منذ القدم وسائل شتى ومختلفة لتحديد عدد الولادات ولا تظن انى سأذكرها كلها فى هذا المقال ، يكفينى ان اذكر بان نمو الجنين يقتضى تسعة اشهر وانه يمكن تعطيله من اول يوم الى آخر يوم قبل الولادة واذا بلغ هذا الجنين سنا ما فان اسقاطه يسمى ( اجهاضا ) وهذه الكلمة كما تعلمون لا تستسيغها الاذن بسهولة

وهناك وسائل اخرى تخلق ظروفا يصعب معها تكون الجنين كما توجد اساليب طبيعية تعتمد على تمييز الفترة الخصبة من الفترة غير الخصبة بالنسبة للمرأة وفي الظاهر فان هذه الاساليب تخضع لقوانين الطبيعة الا انها تكفر بأخرى وتعرف بطريقة ( أوجينو )

وليس الغرض من هذا المقال ان نختار بين هذا الاسلوب او غيره من اساليب تحديد النسل بل علينا قبل كل شىء ان نتساءل : هل نوافق ام نعارض تحديد النسل ؟

بقول " الفريد سوفى " . Alfred Sauvy  ازاء هذا السؤال نجد معسكرين ففي المعسكر ( المتشائم ) يوجد الاشخاص ذوو المزاج ( البخيل ) وهو معسكر ( مالتوس ) Malthus الذى يريد التنقيص من عدد الولادات ، اما فى المعسكر ( المتفائل ) فنجد الاشخاص ذوى الطبع الكريم ان جميعهم قد يرومون الخير لغيرهم - لنطمئن من هذه الناحية - الا ان كل واحد منهم ينظر الى الخير من زاويته هو .

واذا لم تقع مناقشة هذه المشكلة بحماس فى البلاد التونسية من قبل فقد وقع ذلك فى بلدان اخرى وبلغتنا اصداء النظريات المؤيدة وعكسها . هل من الواجب الامساك فى بعض الاحيان عن الايلاد ؟ هذا سؤال يهم كل شخص مباشرة فبعضهم لا يتردد اذ توجد لديه وسائل لمنع تكون الجنين ولكن الندم يعذب فيما بعد ضميره من حين لآخر وتوجد شخصيات لهم قيمتهم تتطوع للزيادة من وطأة عذاب الضمير . ذلك ان الحيلولة دون الايلاد معناه رفض منح الحياة لكائن بشرى قد يكون ممتازا واذا رفضت منح الحياة اليس معنى ذلك انك شخص غير سوى لا يقدر فرحة الحياة حق قدرها ولايعرف كيف يحمد الله على ما انعم به علينا فأنت فى هذه الصورة اناني وانت بخيل تجمع ثمرات عملك لمجرد الجمع والادخار وانت ايضا وحش اذ تسلك سلوكا يعارض قوانين الطبيعة البشرية وعملك مناف للاخلاق اذ تقبل اللذة وترفض الجهد والكد ، انت مواطن ردىء اذ تستغل مجهودات من سبقك في المجتمع وتضحياتها وتأبى العمل من اجل الديمومة الاجتماعية ، انت مجرم لانك تقتل جنينا فى حالة نمو حيا يرزق ولانك تسلب الحياة بعد ان وهبتها عن قصد او عن غير قصد ان هذا الشخص الذى لا يريد ان ينجب اولادا يكبله ضميره وقد تثار الطبيعة نفسها عاجلا اذ كثيرا ما يسبب الاجهاض موت الام فيقال : هذا عقاب الله او عقاب الطبيعة ، حسب معتقدات الناس

واذا حدثت وفاة تعقدت المشكلة اذ هي تتجاوز ضمير الفرد وطمأنينته ويضطر المجتمع الى الاقتصاص من المسؤولين وفى هذه الصورة فان الجناية مضبوطة وكذلك الحكم .

وقد يعترى المجتمع القلق عندما تدل الاحصائيات الخاصة بعدد السكان ان نسبة الولادات ليست فى ازدياد او هي فى انخفاض وحينئذ تدرك الحكومة المسؤولة الخطر الذى يهدد البلاد في حيويته وهو اصاب  العمران بالشيخوخة .

والاحسن عند النظر فى أمر الديمغرافية الاعتماد دائما على الاحصائيات الا ان الارقام تأتى دائما بعد التجربة وقد تعلمنا الملاحظة الشئ الكثير . ان مشاكل العمران لم تكن لتجلب اهتمامى الى ان شعرت بشئ من الحرج عند رؤية بعض الديار الفرنسية حيث لايسكن الا امرأة عجوز تقتات باليسير من

المأكل وتتصاغر من يوم ليوم لتترك المجال الى أثاث قديم ضخم يتداعى تحت الاغلفة انها تتنهد وتجد صعوبة للصبر على قبول طالب يحتل دارها وانى ارى اليوم في هذه الصورة التضاد بين العادات الجامدة اليابسة وبين النشاط المتجدد ، هي صورة البلاد التى شاخ سكانها ، هى صورة البلاد العجوز .

وان أسباب هذه الشيخوخة معروفة فبقدر ما يطيل الشباب عزوبتهم بقدر ما تتأخر ولادة ابنائهم الاول عندما يتزوجون ، وبقدر ما يقللون من عدد اولادهم بقدر ما يشخ السكان وتصبح البلاد مهددة في حياتها عندما لاتجدد الاجيال وعوض ان تدرس الاسباب المباشرة فقد ساد الاعتقاد زمنا طويلا فى ان كل مدنية تمر حتما بمراحل ثلاث : النمو ، الاوج ، الهرم . اما اليوم فانه لابد من دراسة الحوادث الاجتماعية دراسة علمية

فاذا شاخت بلاد تعذر عليها التقدم واصيبت بداء التأخر من جراء تأثير نتائج هذه الشيخوخة فى بعضها بعضا ، ذلك ان عدم وجود مشاكل جديدة يستتبع فقدان الحلول الخطيرة التى تضمن التقدم بالنسبة للحلول القديمة فالشيوخ يرومون دائما قضاء بقية العمر فى ديارهم العتيقة وبالعكس فان الحاجات الجديدة تحفز الى النشاط الخلاق

واذا استيقظت الامة واستاءت من حالتها كانت الرجة العنيفة وكان الفزع وانكبت الحكومة والاحزاب والمنظمات والمثقفون والاطباء انكبوا جميعهم على الداء لمعرفة اسبابه واقتراح الحلول . حينئذ يشيد القوم بالامومة وبروعتها ( اذكر صورة العذراء تحمل ابنها فى البلدان الكاتوليكية ) ويقررون المنح ويقيمون اعياد الامهات ويعينون الاباء والامهات على القيام بشؤون اولادهم ويبنون دور الاستجمام للعائلات الكثيرة العدد ويقاومون الافراط فى التبرج وينعتون الولادة بأنها حدث سعيد ولا تتجاسر الاحزاب على الدفاع عن الفرد وحريته ويبحثون عن وسائل حماية الامهات والاطفال وينظمون المسابقات لاختيار اجمل طفل ويكافؤون العائلات الكبيرة وتتخذ الحكومات اجراءات صارمة لمنع انتشار الوسائل المستعملة للحيلولة دون تكون الجنين ولمقاومة الاجهاض من ذلك ان الحكومة الفرنسية اعتبرته سنة  1941 جريمة ضد امن الدولة .

وقد لاحظت باستغراب عندما حللت بباريس سنة 1947 قلة عدد النساء الحاملات اما فى تونس فعندما اردت صحبة زميلاتى المسؤولات عن الاتحاد القومي النسائى التونسى اعطاء الاولوية اثناء الانتخابات التشريعية التى جرت يوم 8 نوفمبر 1959 للنساء الحاملات والى اللائى كن يحملن اطفالهن وذلك لكي يقمن بواجبهن الانتخابي سريعا ما عدلنا لانهن كن الاغلبية الساحقة . وفى سنة 1950 عبرت لى فرنسية عما كانت تشعر به من حرج منذ ان حلت بتونس اذ كلما زارها زائر سألها : هل انت حامل ؟ وقالت ان الزوج عندنا يعبر عن لياقته ازاء زوجته عندما يجنبها الحمل في السنة الاولى من الزواج اما هنا فاننا نخشى الطلاق فى هذه الحالة اذ قد تتهم الزوجة بالعقم .

هناك اذن موقفان متقابلان ولابد من مقاومة احدهما وهناك نتيجة اخرى ايضا وهي ان الفرد لا يحيا دائما حياته بل انه يحيا معتقداته

الا ان مسألة عدد الاولاد لايهم فقط الاباء والتوازن العائلى انها مسألة قومية اولا وبالذات

وبما اننى استشهدت بالفرنسيين فيجب الا ننسى ان الاحصائيات تدل ان فرنسا هى البلاد الاولى التى سجل فيها نقصان فى الولادات ولكنها بعد الحرب تداركت امرها بوسائل كثيرة وكانت النتيجة ايجابية وبينما تستقر الامور فى الولايات المتحدة واروبا فى القرن العشرين ويتيسر وضع حد لتزايد السكان اذا بالرأى العام العالمي تلفت انظاره الى الموجة العارمة الصاعد من شعوب افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية مما سيجىء الحديث عنه من بعد

والى جانب ذلك لا يزال الحبر سائلا فى قضية تحديد النسل وبينما تصر الكنيسة على تحريم وسائل الاجهاض وتكون الجنين يدافع العقليون والوجوديون عن حرية الفرد وتعلن الجمعيات النسائية عن عزمها على تحرير المرأة فقد ثارت الكاتبة سيممون دى بوفوار فى كتابها ( الجنس الثاني ) على عبودية المرأة منذ غابر القرون وختمت بقولها : ان اول مظهر من مظاهر عدم المساواة بين الرجال والنساء هو ان المرأة تلد ومن ثم فان الرجال هم الذين كتبوا تاريخ النساء ، ويجدر بالملاحظة ان بعض الكتاب حددوا فى رواياتهم التنبئية منزلة المرأة فى عالم الغد الذى يكون قد شمله التقدم فقد تخيل الكاتب " الدوس هكسلى " فى كتابه ( خير العوالم ) عالما يكون الكائن البشرى قد تحرر فيه مما يعوقه الآن مصورا بذلك ابعد ما ذهب اليه امل العلماء والفلاسفة . وفيما يخص المشكلة التى تهمنا فقد حرر " الدوس هكسلى " المرأة من عب الحمل فالحل يسير : توضع النطف في أوان توفرت فيها الشروط الكيميائية ثم تتحقق تربية الاطفال بواسطة اخصائيين حسب برامج مضبوطة وبطرائق فنية حسية مدققة . لقد كان تفكير " الدوس هكسلي " تفكيرا غربيا اذ كان همه مستقبل المدنية الغربية . قد يكون هذا الكاتب سافر منذ تاريخ ظهور كتابه وقد يكون درس المسألة الديموغرافية الا ان الجدير بالملاحظة هو انه اعاد النظرفي كتابه وألف كتابا جديدا تحت عنوان ( رجوع الى خير العوالم ) وذلك بعد مضى 27 سنة وقد ايد ذلك بقوله : ان العهد الذى تقبل عليه الجماهير البشرية ليس هو عهد الفضاء الكونى وانما هو عهد تزايد السكان بافراط فقد كانت البشرية تعد سنة 1931 اى فى تاريخ ( خير العوالم ) مليارين من الافراد بينما هي تعد اليوم مليارين وثمانمائة مليون وهكذا يجد خير العوالم نفسه مهددا بئافة الجوع التى ستكون سببا فى انهيار القيم التى يتشبث بها العالم المسمى بالحر ويرى هكسلي ان المستقبل سوف يسفر عن عالم منقوص جائع يرزح تحت كلاكل دكتاتورية لا ترحم .

وهكذا يؤول بنا النظر فى مشكلة السكان الى اعتبار الامور الاقتصادية ويمكن القول بان الاختصاصيين فى الاقتصاد عندما يدرسون برامج النمو بالاستناد الى الارقام تجابههم دائما المشكلة الديموغرافية فى القرن العشرين ولقائل ان يقول ان الارض وفرت الاكل لجميع السكان منذ اقدم العصور ويوجد الى اليوم مساحات شاسعة لم يقع استغلالها فأين المشكلة ؟ يحاول ( الفريد سوفى ) ان يفسر لنا ذلك فى كتابه ( من مالطوس الى ماوتسى تونغ ) الصادر سنة 1958 بقوله ان البشرية الى عهد غير بعيد كانت دائما تصاب من حين لآخر بمصائب عظمى معروفة كالحرب والاوبئة والمجاعة وقد تجتمع هذه المصائب كلها فتحدث خسارة عظيمة وتوحى بان طريق مقاومة الموت لاتزال طويلة اما اليوم فان الحرب بالرغم عن كونها لا تزال فتاكة الاانها لا تقع بتقابل الجيشين كما كانت من قبل وتقدم الطب تغلب على الاوبئة ولم يعد للمجاعة اثرها القديم واصبحت التغذية غير الكافية ظاهرة هذا القرن فان الشخص الضعيف البنية نتيجة قلة التغذية ليس بالضرورة ضحية الجراثيم اذ يمكنه مقاومتها ببعض الادوية ولم يعد لهذه الجراثيم تأثير كبير الا على الاطفال ففي سنة 1950 كانت نسبة وفيات الاطفال بتونس 310 في الالف اما فى فرنسا فقد كانت النسبة 47 فى الالف وفي سنة 1958 اصبحت هذه النسبة 831 فى الالف بتونس و 30 فى الالف بفرنسا .

فتقدم الطب يساعد اذن على ازدياد السكان سواء كان ذلك فى بلاد متخلفة او في بلاد متقدمة وان نسبة الزيادة تعظم بمقدار ازدياد نسبة الولادات وهكذا يزداد السكان في البلاد المتخلفة التى لا تحدد الولادات بسرعة اكثر من السرعة التى يزداد بها السكان فى بلاد متقدمة وتعظم نسبة الولادات ايضا فى البلدان التى يتزوج فيها الفتيات فى سن مبكرة . ويجب ان نلاحظ ايضا ان هيئات عالمية تسعى الى اهداف بشرية وتعد البرامج الكبيرة لرفع مستوى السكان اضطرت الى اعتبار الناحية الاقتصادية والى النظر فى تطور الفلاحة والى استغلال الاراضى البور لكن اذا كان التقدم فى الميدان الطبى ملموسا فان النمو الاقتصادى بطئ ولا تظهر نتائجه بسرعة بينما ازدياد السكان فى استمرار ، لذا لانكاد نجد فى ميزانيات العائلات التونسية ان كانت لها ميزانيات مجالا لغير مصاريف التغذية بينما تحتاج البلاد الساعية الى النهوض الاقتصادى الى رصد الاموال وبقدر ما يتزايد السكان بقدر ما تزداد ضرورة رصد رؤوس الاموال تأكدا فى جميع الميادين : الفلاحة ، الصناعة ، التربية ، تكوين الاطارات ، ونظرا الى ضعف موارد سكان البلاد المتخلفة واذا وجب ان تعتمد على نفسها فان الحل لا يمكن ان يكون الا بالعمل على التنقيص من سرعة ازدياد السكان فى حالة العجز على الزيادة فى سرعة الموارد .

ان هذه النتيجة تأباها بعض المذاهب وقد تجاهلها العالم الشيوعى مدة طويلة اذ خشبة ازدياد السكان معناها انهزام الانسان او عجز نظام ما وقد يقال انه نتيجة توزيع غير عادل للثروة القومية بينما يجب ان يسخر التقدم العلمي في خدمة النظام العادل الموصل الى عهد الازدهار والرفاهية بالنسبة للبشرية جمعاء وقد لاحظ انصار تلك المذاهب انه وقع حرق كميات كبيرة من القمح والقهوة اجتنايا لانخفاض الاسعار بينما كان الواجب يقضى بان يتمتع بها المعوزون وهكذا تصبح المسألة مجالا للمناقشة بين اصحاب النزعتين .

ان البلاد التى تخلصت من الاستعمار والتى لاتزال متخلفة اقتصاديا تعمل اليوم بقيادة زعمائها في جميع الواجهات بشجاعة وبطولة لمواجهة وضعية متدهورة وان البابان هو اول بلاد بالنسبة للعالم الشرقى ساعدت على تحديد الولايات في نفس الوقت الذى حققت فيه تقدما سريعا فى ميدان الصناعة ويجب الا ننسى فى هذا الصدد ان تقدم الصناعة هو الذى يمهد الى نمو الفلاحة . فقد بلغت نسبة الولادات فى اليابان سنة 1957 نسبة الولادات فى فرنسا بل قد نزلت دونها وكذلك مثل الصين الشعبية الجدير بالاعتبار ، فبالرغم عن احترازات بعض الشيوعيين المتذهبين فى البداية انتشرت وسائل الاجهاض انتشارا كبيرا وصدر فى مارس 1957 قانون يمنح حرية الاجهاض واستعمال وسائل التعقيم بالنسبة للجنسين وقد رايت بنفسى فى جناح الصين بمعرض تونس فى شهر اكتوبر الاخير بعض الادوية لهذا الغرض معروضة كما انه وقع الرفع من سن الزواج الى 18 بالنسبة للفتيات و 20 بالنسبة للفتيان وقد لعبت في هذا المضمار الجامعة الديموقراطية للنساء الصينيات دورا كبير وهيأت الراى العام الى ذلك . اما عن نتائج هذه الاجراءات فان الحسابات لاتعطينا الا نسبا وقوانين عامة واذن فمن العسير التأثير فى الميدان الاجتماعى بكل دقة وضبط واذا ما انطلقت الحركة الاجتماعية من العسير التنبؤ بالحد الذي ستقف عنده ومن العسير كذلك توجيهها بدقة او ايقافها حيث ارادة الانسان . . .

فيما سبق لم اتعرض كثيرا الى تونس مباشرة الا ان الملاحظات الواردة فى القسم الاول من هذا البحث تعيننا على تبين الطريق الواجب اتباعه .

ان البلاد التونسية تعتبر من بين البلدان المتخلفة الماسكة زمام امرها بنفسها وهي نسبيا بلاد صغيرة من حيث مساحتها وعدد سكانها وثروتها الطبيعية متوسطة . انها ايضا بلاد فتية اذ نصف سكانها لم يبلغوا عشرين سنة من العمر مع العلم ان 32 من بين 100 مولود جديد يموتون قبل بلوغ السنة الاولى و 20  يموتون قبل بلوغ 19 سنة ومعنى ذلك انه فى سنة 1950 - 52 فى المائة لم يبلغوا سين العشرين . ان هذا الشباب مهدد الا ان كثرة الولايات تضمن دائما تعويض الهالكين ويكفى للتأكد من ذلك ان ينظر المرء حوله .

واذا نظرنا إلى المرأة التونسية وجدناها كثيرا ما تشكو وتئن وربما طاب لها ذلك . ان مشاكل كثيرة تعترضها طبعا ويدفعها الحياء الى التظاهر بالابتسام والمرأة الصريحة تقول لك ان لى عدد كذا من الاولاد واترقب مولودا آخر فاذا قلت لها : ماذا تترقبين لانهاء ذلك اجابت اعتقد انه المولود الاخير . ويتجدد الحوار فى السنة ألموالية وقد تفر المرأة من عناء الجواب قائلة تلك ارادة الله ، انه القدر . ولكن هذه المرأة تسعى دائما فى الحقيقة لاجتناب الحمل وتتفضل احيانا عجوز باقتراح بعض الوسائل وهى تستر خبثها واقول تستر خبثها لانى رأيت الابتسامة تضئ وجه امثال هاته العجوز عندما تعلم ان العروس حامل منذ الاسابيع الاولى بعد الزواج . ان هذه العروس منذ ان حملت دخلت جيش النساء المتعذبات . لم تمض أسابيع على زواجها واذا بها تنفذ حكم القدر . ويسلبها القوم عندما يرثون لحال العائلة المحرومة من الاطفال ويشفقون عليها ايضا فى نفس الوقت الذى يهنؤونها فيه بالحدث السعيد ويعلمونها التجلد ، لقد انتهى عهد الشباب . يجب ان تقرأ حسابا للاشخاص ( المحترمين ) الذين هم حولها ويجب عليها ان تتكلم وان تعترف وان تنتصح ، لقد انتهى عهد الحياء ايضا . وكذلك طبيبها المتأثر بالقانون الفرنسى فهو الحيطة نفسها والحذر بالذات : عليها اذن ان تعول على نفسها اما ميزانية العائلة المتوازنة بعد عناء كبير فانها يجب ان تبقى متوازنة ايضا بالنسبة لثلاثة اشخاص ثم لخمسة ثم لستة ثم لعشرة وربما لــ 12 واليوم ايضا بساعاته المحدودة يجب ان يكون كافيا للقيام بشؤون العائلة كلها على تزايد اعضائها الا ان طيبة القلب وربما خشة سوء العاقبة تمنعان ربة المنزل من الوقوف عند هاته الاعتبارات الانانية واذا بها تشمر على ساعد الكد وكثيرا ما تعجز عن ذلك ويقسو القدر فاذا هي حامل من جديد وعوض ان تنتظر من الزوج اعانة ما تدفعه الى البحث عن شغل يوفر مداخيل كافية .

تلك هى الوضعية من الناحية العائلية وصعوباتها المادية . الا انه عندما يكبر الاولاد يشعر الاباء بصعوبات التربية وكم من بينهم يهربون من مسؤوليتهم فتعتمد الام على صرامة الاب الذى كثيرا ما يعتبر غريبا عن المنزل مهمته فرض النظام ولو فى الظاهر . واعتبارا بذلك تقسم الام انها لن تزوج ابنتها فى سن مبكرة حتى لاتقاسي كثرة الاولاد وتقسم ايضا انها ستثقفها حتى تقدر على السيطرة على الموقف في العائلة وتقسم انها ستهيؤها كى تقدر على القيام بوظيفة أو بشغل ما فيتيسر لها ان تتحرر . وقد لاحظت ان بعض الاوساط تعرف كيف تجتنب الحمل ولاحظت ان اخواتها في تلك الاوساط يتمتعن بقدر كبير من الحرية وان لهن شخصية وانهن لايرزحن تحت عبء عدد الاطفال المتكاثر وان لهن من الحيل والوسائل ما يتمكن به من الافلات من عبودية المادة وان رؤية طفلين او ثلاثة يتجولون لا يسين ثيا نظيفة ومتمتعين بصحة جيدة ومشمولين بالعطف والتقدير لمن شأنه ان يفتح الافق حيث عالم جديد وقيم محببة الى النفس محترمة .

وهناك اشخاص كثيرون يؤثرون ازدياد عدد التونسيين بسرعة ملاحظين ان 4 ملايين عدد ضئيل بالنسبة للامم الاخرى والجواب المعروف هو ان الاولوية يجب ان تكون للكيف لا للكم وان البلاد التى تروم الخروج من التخلف فى حاجة الى اطارات اى اشخاص مكونين تكوينا صحيحا وقادرين على مسك زمام مستقبل البلاد بايديهم .

وبعضهم يلاحظ ان نسبة وفيات الاطفال كبيرة واذن فلا موجب لتحديد الولادات والجواب هو انه بالرغم عن خطورة هذه النسبة فان سرعة ازدياد عد السكان بتونس كبيرة جدا

وان هذا الحل الذى نسميه حلا ديموغرافيا سوف ييسر النمو الاقتصادى والنمو الاقتصادى من شانه ان يقلل من نسبة وفيات الاطفال . حذار اذن من الوقوع فى هذه الدائرة المفرغة .

ومن الناس من يؤثرون التفكير المطلق ولا يقبلون بحال استعمال الوسائل الكفيلة بتحديد النسل لكن اذا كانت مصلحة المجتمع وتوازن العائلات يقضى بتحديد النسل واذا وفرت قلة الاطفال في العائلة الواحدة المجال للام كي تعتنى اعتناء اكمل بأولادها وتستعد لذلك الاستعداد المطلوب ماهو المبدأ الذى يستند عليه القوم ليخشوا تحديد الولايات ؟ ان الخطر الوحيد هو شيخوخة الامة المهددة بالانقراض ومن واجب العالم الديموغرافي في هذا المقام أن يمدنا بتدقيقات اكثر في شأن ظواهر العمران وربما امدتنا احصائيات 1960 بمعطيات جديدة ولا بأس أن يدرس الشباب فى برنامج الجغرافيا البشرية مثل هذه المشاكل ، اما اطباءنا وصيادلتنا فمن واجبهم ان يعرفونا بقيمة مختلف الوسائل المستعملة لتحديد النسل والتى يزداد عددها يوما بعد يوم . فقد احدثت مصحات في بعض بلدان الغرب لمجرد اعداد المرأة لتصبح قادرة على تحديد نسلها ولتتعلم اسباب الوقاية من الاضطرابات الناتجة عن سوء الاستعمال ومن ملاءمة بين الوسيلة المستعملة وحالة المرأة البدنية ، ان المراقبة الطبية فى هذه المصحات واجبة وكثيرا ما يستعملون في غير وجل اسلوب ( اوجينو ) وقد انعقد يوما بالهند اجتماع ضم نساء اميات وحاولت المسؤولة ان تشرح لهن هذا الاسلوب فسلمت لكل واحدة منهن آلة تحتوى على كويرات وكان يكفى ان توجه المرأة  كرة منها  كل يوم من اليمين الى اليسار لتعرف بالضبط ما هى المدة التى تكون فيها عقيما فارتاحت الحاضرات لهذه الطريقة البسيطة الا ان البعض منهن وضعن دفعة واحدة جميع الكويرات على اليسار ليصحن جميعا عقيمات حالا وقد أثبت الفحص الطبي انهن حملن ذلك الشهر . واذن فان الوسائل المستعملة لا تنجح بسهولة وبسرعة ولابد من ممارسة طويلة وصبر كبير كبيربية وتثقيف لبلوغ الغاية .

وبالعكس من ذلك نجد فى الولايات المتحدة بعض المصحات المختصة فى معالجة العقم وفي كلتا الحالتين فان الغرض هو تحرير الفرد ، هو ان تكون الامومة مقرونة بالسعادة وان يكون الطفل مرغوبا فيه عوض ان يكون عالة .

الم نصل في تونس بعد الى المرحلة التى يجب ان ندرس فيها برنامجا عمليا لتحديد النسل . المهم اليوم هو خلق تيار فى الرأى العام يساعد على ذلك ولا أشك في ان النساء وخاصة الصغيرات السن منهن يرحبن بذلك وقد لا يوافق ازواجهن وقد يحرصون على ان تبقى نساؤهن فى حالة عبودية ولسان حالهم يقول : إذا كانت المرأة لا تلد فماذا عساها تفعل وقد سمعت اما أنجبت سبعة اولاد تقول انه ليعز على الانسان ان يرى ابناءه يغادرون المنزل العائلى الواحد بعد الاخر وعندما قيل لها : يجب ان تجد هذه المرأة شغلا آخر لا يعتمد فقط على تربية الاولاد اجابت المسكينة : لا ابدا بل يجدر بها ان تباعد ما بين الولايات ثم تلد دائما الى بلوغ سنمسين . وربما خشيت هذه المرأة الشيخوخة او بالاحرى ان يعتبرها الناس دخلت الشيخوخة اذ من علامات الشيخوخة عند النساء التوقف عن الولادة .

ان المراة التونسية تعتبر منذ زمن بعيد انها خلقت لتتزوج ثم لتلد وتعتبر ايضا ان المسؤوليات الحقيقية فى الحياة ليست من نصيبها هى فلابد من وقت طويل لتقتنع بانه يمكنها ان تتحمل مسؤولية حياتها عوض ان تخضع لها . . ان البشر منذ غابر العصور حاولوا دائما ان يحددوا من نسلهم ولم تكن المسالة تهم الدولة في الماضي وكانت النساء تتهامسن حول السر فى تحديد النسل معرضات انفسهن الى الهلاك . وقد امكن للانسان بفضل تقدم العلوم فى جميع الميادين ان يتعلم كيف يقهر الموت . الا انه من الضرورى ان تتمكن البشرية من التغذية ومن حل المشاكل الناتجة عن تزايد السكان . لذلك رأينا بعض الحكومات تخصص في التصميمات الكفيلة بتوفير اسباب الازدهار الاقتصادى والاجتماعي برنامجا لتحديد النسل بينما تترك بعض الحكومات الاخرى الحرية التامة للمنظمات الاجتماعية . ان الحكومة الفرنسية عندما سجلت انخفاضافى نسبة الولايات حرمت الوسائل المستعملة لتحديد النسل ومنعت الاجهاض يقانون 1920 ويوجد فصل في القانون الجنائى يقر نفس الامر بنفس الصيغة منذ ذلك التاريخ بينما الفرق واضح بين البلادين من جميع النواحى واذا طالب بعض الفرنسيين اليوم بالغاء ذلك القانون فباسم تحرير الفرد كما يقولون اما بالنسبة لنا نحن التونسيين فان ذلك يكون من اجل تحديد نمو عدد السكان والاعتبارات الاقتصادية .

واذا ما وجد تيار مناسب فى الراى العام ووقعت دراسة مضبوطة للظاهرة الديموغرافية في تونس ودراسة طبية للوسائل المناسبة فانه لاشىء يمنع البلاد التونسية من المضى - من غير تشاؤم - نحو عهد الرفاهية والازدهار لجميع المواطنين

وان المرأة التونسية تعلمت بفضل سياسة الرئيس بورقيبة الرشيدة البصيرة  كيف تلعب دورها الاجتماعى بجد فالواجب يدعو الى ان نعينها على القيام بدورها .

اشترك في نشرتنا البريدية