الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الى القارئ, تعريب الادارة والمحيط

Share

دعت ودادية المرحلة العليا للمدرسة القومية للادارة ثلة من أعضائها وأحبائها الى المشاركة يوم الخميس 17 ماي 1979 ليلا فى مائدة مستديرة حول تعريب الادارة والمحيط . وأشرف على الحوار الذي التأم بهذه المناسبة الاستاذ محمد مزالى وزير التربية القومية ومدير هذه المجلة ( راجع تفصيلا عن الندوة فى باب الاصداء من هذا العدد ).

كانت البادرة موفقة اذ سمحت ببسط هذا الموضوع مرة اخرى بعد ما لقيه من ضجة منذ ما يقرب عن عشر سنوات وأسدل عليه الستار طيلة هذه الفترة اللهم الا ما قامت وتقوم به وزارة التربية القومية من تعريب مبرمج ثابت الخطى وما تتناقله اصداء مداولات مجلس الامة من حين لآخر .

وليس من سبب لقرار هذا الموضوع وثباته مع مرور الزمن الا لأنه مطلب شعبى آمن بشرعيته التونسيون منذ ان قامت الحركة الوطنية التحريرية التى اعتبرت اللغة العربية أحد مقومات الشخصية التونسية تنافح من أجل بقائها أمام زحف اللغة الفرنسية وتعمل على احلالها المحل الارفع . إذ اقتنع التونسيون آنذاك أن اللغة كما قال الكاتب الفرنسي ميشلي : "هي رمز القومية الرئيسى " واستشفوا ان الاستعمار فى اشاعته للغة الفرنسية لا يهدف إلا إلى المسخ والابتلاع . الم يقل الكردينال لافيجرى : ما كسبنا ثقة الشعوب بالاحسان وبتعليم الصبيان ، فلا بد أن يأتي يوم ينفصم فيه ما يربط بينها من عرى بكيفية تلقائية ، فلأدنى هزة تسقط كالثمرة الناضجة ونجني نحن قطوفها " وقال شيخ الاسلام أحمد بيرم سنة 1931:

"إذا علمت شخصا بلغته فقد نقلت العلم الى تلك اللغة اما إذا علمته بلغة اخرى فلم تزد على انك نقلت ذلك الشخص اليها " (1) .

اهذا فان اصلاح التعليم في دولة الاستقلال استجاب مبدئيا لهذا المطلب الشعب على لسان السيد الرئيس الحبيب بورقيبة عندما قال فى خطاب له والدوية الصادقية فى 25 جوان 1958 : " أريد أن الاحظ لكم أن التعليم الراوي الثانوية سكون متحها الى التعريب واستعمال اللغة العربية حيث تكون لغة التدريس لجميع المواد ، الا اذا اقتضت الضرورة والظروف ، وذلك لاجل مؤقت ، استعمال اللغة الفرنسية للاستفادة من الامكانيات التى بأيدينا ريثما تعد المدارس التكوينية الإطارات الضرورية للتعليم باللغة العربية فى جميع المواد " ( 2) .

هذا ما امن به التونسيون المخلصون لوطنهم قبل الاستقلال وبعده وأصبح عقيدة راسخة من الواحب الجهاد من أجلها والكفاح فى سبيلها . وهذا ما درجنا عليه في هذه المجلة منذ أن تاسست سنة 1955. وما كتابات مديرها الاستاذ محمد مزالى ابتداء من ذلك الوقت (وقبل ذلك بسنوات فى الواقع سواء بمجلة الندوة أو بجريدة الحرية أو لواء الحرية ) وما ينشر على صفحاتها من وقالات ودراسات المتحمسين لهذه القضية الا دليل على أن المسألة ليست ظرفية ولا هي مطية سياسية بل مصيرية تتعلق بوجودنا كتونسيين شخصيتنا جزء من الشخصية العربية الاسلامية واللغة العربية أحد مقوماتها

ويحب ان نؤكد أن ما اثير حول التعريب واللغة العربية بمجلة " الفكر" خاصة وابتداء من سنة 1968 على وجه التحديد انما هو لسببين اثنين : لمرور عشر سنوات على اصلاح التعليم ببلادنا وللمشاكل التى بقيت تواجه اللغة العربية رغم تطورها الاكيد ولم يقدر المشرق العربى على حلها .

لقد تبين لنا خاصة سنة 1970 معتمدين على دراسات علمية نشرت واطلع عليها الخاص والعام ان مضاعفات جدية طرأت على النسق التعليمى عندنا فكان رد الفعل الطبيعى لكل من امن يتونس في شخصيتها العربية الاسلامية وحتمية ارتباط مصيرها بمقوماتها التى ناضل من أجلها التونسيون طويلا ان

ارتفعت الاصوات لبيان الحقيقة والكشف عن الوضع التعليمي بكل صدق وإخلاص ( 3) .

ومن حسن حظ هذه البلاد أن من ناضلوا من أجل أن تبقى تونس عربية مسلمة محافظة على شخصيتها وهم في موطن القيادة فهموا الواجب فكان الاصلاح الجذرى الذى تم منذ سنوات عديدة وتمثل خاصة فى التعريب التدريجى

واليوم بعد أن انطلق التعريب في التعليم على أسس ثابتة جاء دور الادارة والمحيط . وليس من شك فى أن الساهرين على حظوظ هذه البلاد والمخلصين لذاتيتها عازمون على تذليل الصعاب والعقبات في هذا الباب ( 4 ) ولكن اكثر من

ذلك فان قضية تعريب الإدارة والمحيط كما قال الاستاذ محمد مزالي في هذه الندوة هي قضية كل تونسي وهو مسؤول وحده على فضها لان كل المشاكل التى اثيرت سواء الشخصية منها او المتعلقة بتطور العربية أو بعلاقتها العالمية او ارتباطها بالإزدواحية ولان جميع العراقيل التى ذكرت ايديولوجية كانت أو حياتية لا تمنع من تحقيق هذا المطلب الشعبى ولا تكبح جماح كل تونسي مخلص لوطنه وذاته

وعل كل فان هذا الوجه من القضية هو الذي أشرت اليه عند ذكر السببين الاثنين الحافين بآثارة الموضوع وهو الحديث عن اللغة العربية ومشاكلها . والواقع أن المشرق العربى ، كما قال أحمد زكى فى مجلة العربى ( العدد 144 سنة 1970 )، لم" يعط اجمل المثل الذي يغرى بالاقتداء " فى هذا الباب ولقد درجنا على صفحات مجلة " الفكر " على اثارة المواضيع التى تتعلق بتطور العربية( 5) والتي لم تلق حلا للاسف فى المشرق العربى رغم ان اللغة العربية اصبحت لغة المحافل الدولية ولغة العلم ما فى ذلك شك ولكنها بقيت لغة الخاصة لأسباب عديدة اهمها هى أن النخبة القادرة على حل مشاكل اللغة "نقلوا انفسهم الى لغة الغير " على حد تعبير الشيخ أحمد بيرم .

وأسوق مثالا لذلك فى مشكل لم يقدر المشرق على حله وهو أساسى لتطور الجماهير العربية ومرتبط أشد الارتباط بمستوى التفكير والوعى لفهم مشاكل العصر الإ وهو مسألة شكل كل ما يكتب في الجرائد والمجلات والكتب . والمسالة ليست شكلية ولا قضية حروف وانما هي مرتبطة كما قلت بنوع التفكير ومستواه وسرعته وهذا ايدته التجارب العلمية الحديثة .(6)

تصور ان اغلب الجماهير العربية عندما تقرأ الجريدة أو المجلة أو الكتب غير المشكولة مجبورة على اللحن أى على القراءة الخاطئة أو التقريبية . وهذا لا يمكن أن يدحضه احد . لان القراءة الصحيحة عند أهل العربية هى من نصيب الخواص أو النخبة . ماذا يحصل إذن ؟ إن كل من يقرأ بهذه الطريقة لا تحصل

له الفائدة تامة بل إنها تأتي هزيلة متعثرة بطيئة ، مما يكون له تأثير على مستوى التفكير والوعى بالقضايا . ويكون عند ذلك فريسة للوسائل الاعلامية الشفوية التى لم تكن دائما فى المستوى المطلوب من حيث سلامة اللغة او رفعة التفكير . وتكون الحلقة المفرغة وتبقى الجماهير غير قابلة للتطور الحتمي المفروض من العالم المتقدم والأدهى من ذلك أنها تحسب نفسها قد بلغته ولكنها لم تبلغه . ولولا النخبة العارفة باللغات الحية لما امكن للعالم العربى أن يتقدم ويتحكم فى مصيره .

هذه مشكلة من جملة مشاكل عديدة وهى ربما تدفع البعض الى التمسك برأيه في تخوفه من التعريب أو يظهر له تناقض في تحليلنا . غير ان ما وجدناه من حل فى تعريب التعليم من جهة والابقاء على اللغات الحية وخاصة الفرنسية من جهة اخرى يزيل هذا التخوف بحيث يكون التونسى حاذقا في الآن نفسه العربية والفرنسية على الاقل الحذق الكامل ولكن هذا لا يكفي لتطوير اللغة العربية وجعلها ملائمة للعصر اذ انتماؤنا للأمة العربية الاسلامية يضع على عاتقنا عبء النهضة بها مع اخواننا المشارقة . فعسى أن نجد من الظروف ما يساعدنا على المساهمة فى هذا الواجب المقدس فنكون عند حسن ظن اخواننا فى العالم العربى ونكون قد شاركنا بقسطنا فى جعل اللغة العربية الفصيحة لغة الجماهير ولغة الثقافة والحضارة الحق .

اشترك في نشرتنا البريدية