جرت في غضون شهر أفريل وبداية ماي استشارة حول المخطط السادس للتنمية بالبلاد التونسية جهويا وقوميا وأمكن للاطارات التونسية على مختلف مستوياتها أن تطلع على الخطوط العامة للمخطط وان تناقشه مناقشة مستفيضة وأن تصدر لوائح في كل قطاع من قطاعات التنمية محددة الاقتراحات والتوصيات .
وتمت مناقشة اللوائح في اجتماع برئاسة الاستاذ محمد مزالي الوزير الاول والامين العام للحزب الاشتراكى الدستورى واختتمت الاستشارة بخطاب بليغ ومؤثر ألقاه المجاهد الإكبر الرئيس الحبيب بورقيبه حدد فيه ماهية المخطط وأبرز ضمنه توصياته الثمينة للشعب التونسي حاضرا وآجلا .
وأهم ما يمكن التنبيه اليه هو أن هذه الاستشارة كانت حافزا للحكومة على أن تعدل حجم المبالغ الخاصة بقطاعات عديدة منها التنمية الريفية والماء الصالح للشراب وميدان الثقافة الذي لقى عناية كبيرة من المناقشين للورقة المقدمة من قبل وزارة الشؤون الثقافية فى اللجنة الخاصة بهذا القطاع والذي شد الحاضرين في الاجتماع العام أثناء نقاش لائحة الثقافة .
ومعلوم أن هذه اللائحة اعتمدت على الورقة التى قدمتها وزارة الشؤون الثقافية وهي تلخيص للمذكرة المستوفاة التى أعدت بصورة علمية ومضبوطة . وسجلت اللجنة باعتزاز ما تم انجازه من خطوات ايجابية فى مجال الثقافة من تركيز للهياكل الثقافية وصيانة للتراث ونشر للثقافة وتشجيع على الابداع والخلق . ولاحظت اللجنة ان الوضع الحالى للهياكل الثقافية ، من حيث عددها وتجهيزاتها ووسائل عملها ، لم يعد يستجيب لمتطلبات المرحلة القادمة ، وان الشأن يدعو الى مواصلة الجهود في هذا المضمار وتطوير العمل الثقافي حسب المبادئ والاهداف التالية :
- ادماج الثقافة فى المخطط العام للتنمية ، ومواكبة العمل الثقافي للمسيرة الشاملة للبلاد . لا باعتبار الثقافة مظهرا من مظاهر التنمية ونتيجة من نتائجها فحسب بل باعتبارها عاملا لازما لبناء التنمية على أسس متينة .
- ادراج الثقافة فى الدورة الاقتصادية للبلاد باعتبارها قطاعا منتجا على المستوى المعنوى والمادى معا .
- اعتبار العمل الثقافي حماية اجتماعية وأداة ضرورية لتأطير المجتمع وتوجيه طاقاته الى نشاطات مثمرة بناءة كفيلة بتطوير مواهبه وترسيخ نضجه .
- اعتبار الثقافة أداة أساسية لتاصيل الشباب وترسيخ هويته الوطنية وحمايته من عوامل الانبتات والاغتراب مع ضمان تفتحه على الحضارة المعاصرة . - تحقيق ديمقراطية الثقافة وايصال النشاط الثقافي الى كافة الفئات والتجمعات السكنية والمهنية .
- الحد من التفاوت بين الجهات من حيث حظها الثقافي ، وتوجيه عناية اهم الى النشاط الثقافي بالارياف .
- دعم الاشعاع التونسي بالخارج بالاعتماد على انتاجنا الثقافي .
- دعم الجانب العلمي من انتاجنا الثقافي وتطويره .
ثم أوصت اللجنة - تحقيقا لهذه الاهداف - بالتأكيد على أهمية المشاريع الواردة بتقرير وزارة الشؤون الثقافية المعروض على اللجنة واعتبارها حدا ادنى لما ينبغى انجازه فى المخطط . ودعم الصناعات الثقافية ورصد الاعتمادت اللازمة لتطويرها وازدهارها وتمكينها من كل الامتيازات المخولة لغيرها من الصناعات فى مستوى التشريع والتنفيذ . وكذلك توفير الحد الادنى من البنى الاساسية والتجهيزات اللازمة للمؤسسات الثقافية وتحقيق التكامل والتنسيق بين كافة الاجهزة والمؤسسات الثقافية والتربوية والاجتماعية والاعلامية . وتنشيط المجلس الأعلى للثقافة واحترام قوانينه . واسهام المعامل والمؤسسات الصناعية والادارية والمهنية والتربوية على اختلاف انواعها فى دعم العمل الثقافي وايصاله الى عمالها وموظفيها . واسهام المجموعات المحلية في المدن والارياف فى النشاط الثقافي على نحو افضل وأوسع . ومزيد العناية بالثقافة العلمية وذلك بانجاز مشاريع لتبسيط العلوم وتشجيع النوادى العلميه واقامة متاحف علمية متخصصة . والتركيز على تكوين الاطارات اللازمة لكافة أصناف العمل الثقافي . وتنظيم القطاعات الثقافية واصدار التشريعات واتخاذ الاجراءات اللازمة لتطويرها وضمان مواكبتها لمستوى النمو الشامل بالبلاد . والترفيع فى الميزانية المخصصة لوزارة الشؤون الثقافية حتى تصل الى نسبة لا تقل عن 1 % من الميزانية العامة تنفيذا لتعليمات فخامة الرئيس بهذا الخصوص . ودعم تعليم الفنون وتوسيعه بالمدارس الابتدائية والثانوية وبعث المؤسسات اللازمة لهذا التعليم في المستوى العالي وتطوير الموجود منها بما يستجيب لمقتضيات المرحلة القادمة . ومزيد العناية بالآثار فى مستوي الصيانة والاحياء وتطوير المتاحف .
ولقد نتج عن كل هذه المداولات أن اقر مجلس الوزراء المجتمع على اثر انتهاء الاستشارة القومية مضاعفة ميزانية التنمية المرصودة قبل الاستشارة للميدان الثقافي في المخطط السادس مرتين بحيث صار حجم هذه الميزانية بالنسبة الى المخطط الخامس مضاعفا أكثر من ثلاث مرات ما يقارب ال 25 ألف دينار .
وهى بشرى تزف الى كل المثقفين والى المواطنين جميعا لانها ستمكن وزارة الشؤون الثقافية من الاستجابة الى الحاجات الملحة المتعلقة بالهياكل الاساسية والتجهيزات الثقافية وتكوين الاطار وإعانة الخلاقين وتنظيم قطاعات الخلق الادبى والفنى علاوة على ما سيبعث من صناديق لكل قطاع وما ستقوم به المجموعات المحلية والجهوية والمؤسسات الكبرى الاقتصادية والصناعية من دع للعمل الثقافي .
ويبقى بعد هذا ان يشعر الجميع على ساعد الجد لأن الثقافة هي من صنع الجميع وليس لأحد من المجموعة الوطنية الحق فى أن يتواكل على غيره ويعتبر نفسه خارجا عن المساهمة فى دعم الثقافة أو صنعها ولو بالقدر الضئيل .

