الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

امام القانون،

Share

ووقف حارس امام القانون ، فجاء اليه قروى والتمس منه أن يسمح له بالدخول الى القانون الا ان الحارس قال له بأنه لا يستطيع أن يتيح له ذلك .

ففكر القروي ، ثم سأله هل يسمح له بالدخول فيما بعد . فأجابه الحارس :

ولكن ليس الآن : - ذلك ممكن ولكن ليس الآن :

ولما كان مدخل القانون مفتوحا كالعادة ، والحارس قد انحرف جانبيا ، فقد انحنى الرجل لينظر عبر الباب الى الداخل . وعندما لاحظ الحارس ذلك ضحك وقال

- اذا كان ذلك يجذبك الى هذا الحد ، فحاول الدخول رغم منعى اياك ! ولكن لاحظ : انى قدير ، ومع ذلك فما أنا الا أسفل حارس فهناك حراس اخرون يقفون من قاعة الى قاعة ، الواحد منهم أقوى من الاخر . وأنا نفسي لا أطيق مجرد نظرة الثالث .

لم يكن القرروي يتوقع مثل هذه الصعوبات . وفكر ، ينبغي أن يكون القانون دوما مفتوحا للجميع ولكنه حين تأمل الآن الحارس بمعطفه الفرو بانفه الكبير المسنن ولحيته الطويلة الرفيعة السوداء التترية ، تبين له ان الانتظار انسب له الى ان ينال اجازة الدخول . فقدم له الحارس مقعدا وامره بالجلوس الى جانب الباب . فجلس هناك اياما وسنوات ، كان فى خلالها يقوم بعدة محاولات ليسمح له بالدخول ، حتى اتعب الحارس برجائه والحاحه . وغالبا ما كان الحارس يستجوبه ويساله عن مسقط راسه وعن أشياء أخرى كثيرة ، ولكنها كانت أسئلة لا مشاركة فيها ، على غرار ما يفعله السادة الكبار . وبعد أن ينتهي منها ،

يقول له بانه لا يستطيع السماح له بالدخول بعد . واستعمل الرجل ، وكان قد استعد لرحلته كل الاستعداد ، كل شىء فى سبيل رشوة الحارس ، حتى ولو كان ذلك الشئ ثمينا . فكان الحارس يأخذ كل ما يقدمه له ، ثم يخاطبه قائلا :

انى آخذ منك هذا ، لكيلا تظن أن قد فاتك شيء .

وخلال السنوات الطوال كان الرجل لا يكاد يكف عن مراقبة الحارس ، بحيث نسى الحراس الاخرين . فقد خيل له ان هذا الحارس هو العائق الوحد الذي يحول بينه وبين الدخول الى القانون . فكان ، في سنواته الاولى ، يلعن الصدفة التعسة بصوت عال وبدون أى اعتبار ، وفيما بعد حين شاخ ، صار يكتفى بالهمهمة مع نفسه ، وأصبح صبيا . وبما أنه في خلال دراسته الطويلة لنفسية الحارس ، قد عرف البراغيث فى ياقته الفرو ، فقد توسل اليها هي ايضا ان تساعده على اقناع الحارس . وبالتالى ضعف بصره ، فلم بعد يعرف هل اظلم ما حوله حقا ، ام ان عينيه تخدعانه ، ولكنه عرف في تلك اللحظة بريقا لا يخمد يشع من باب القانون . انه لن يعيش الآن طويلا . وقبل أن يموت تجمعت فى راسه كل تجارب الزمن وانحصرت في سؤال واحد لم يلقه بعد على الحارس . فأشار اليه بالاقتراب منه ، لانه لم يعد في مقدوره ان يقيم جسده المتجمد . ومن ثم اضطر الحارس الى الانحناء فوقه بعمق ، وهكذا تغير الفرق الكبير فى صالح الرجل . وتساءل الحارس

- ماذا تريد أن تعرف الآن ؟ انك لا تعرف الشبع . قال الرجل : الكل يتطلع الى القانون . فكيف حدث أن أحدا سواى لم يطلب الدخول طوال السنوات العديدة ؟

وعندئذ عرف الحارس ان الرجل قد أشرف على نهايته ، فصاح فيه ليدرك سمعه قبل ان يتلاشى :

- لا يسمح لاحد سواك بالدخول هنا ، لان هذا المدخل كان مخصصا لك . سأذهب الآن لاغلقه

اشترك في نشرتنا البريدية