الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

امثلة من ضحايا الأفكار

Share

- ١ -

لمعت في كل عصر من العصور وفي مختلف بقاع المعمورة ومضات فكر ، وبرقت  كبرق العارض المتهلل بوارق آراء ، دونها تاريخ الاسلام خلال اكثر من الف سنة مما  تعدون . ولم تزل هذه سنة الله فى البلاد والعباد ان تكون هنالك أفكار وان تكون هنالك معارضات ومخالفات لينتفي الخبث

وينصع الطيب فى المعترك .

وما خلا ايضا عصر من الجمود الذي عبث  بالعقل ولا من الجهل الذى اضطهد اهل  العلم ، وكان في ذلك اختبار للعلماء  ليبلوهم الله ايهم احسن عملا . فوقعت محن  كثيرة وثارت فتن اخرى يفصلها التاريخ  ولا يجملها ويرثي لها الفؤاد ولا ينفك ايلام  ذكراها ، والتبعة بعد ذلك تقع على ذوى  المعرفة وارباب التمييز

وصدق ابو هلال فى " تاريخ الوزراء " اذ يقول : ليس تكليف العقلاء كتكليف الجهلاء ولا آلة الفريقين فى الافعال واحدة ، ولا مؤاخذتهما بالاعمال متساوية وكذلك قال الله تعالى : " انما يخشى الله من عباده العلماء لان الله كلف كل نفس بحسب قوتها واخذها بما جعله في قدرتها ، ولو ان احدا غلط جاهلا لحكمه وأخطأ خطأ خارجا عن عمله لما تعين عليه حكم ولا تعلق به جد . وعلى ذاك فمتى كان علم لانسان اكثر من عقله كان حتفه فى علمه . او عقله اكثر من عمله امكن به جبر عجزه واتمام نقصه

ومن بواعث الشجن ان نتذكر اليوم أمثلة من ضحايا الافكار ممن قضوا نحبهم فيها وتمالأ عليهم الجهلة فعذبوهم وآذوهم وأثاروها فى وجوههم شعراء وذهبوا

يناوئون كل باحث خالف لهم أمرا ويتألبون  على من سمع له الناس ذكرا .

ولو جئنا نعدد هؤلاء واولئك لامتد بنا المسير لان التاريخ ملئ بما نال العلماء من ارهاق وقتل وتشريد وحبس في سبيل مبادئهم ولم يدر من كان يرتكب هذا ان فى  ذلك قضاءا على الفكر ووأدا للعقل واطفاء للنور فحالوا دون ظهور النبوغ ، والسبب  كما يعلل المقدسى فى " احسن التقاسيم هو التعصب ثوره الجهال المسرفون والامة  منه على النقيض .

غير انا نضرب هنا أمثلة من هذا  الصنف ، ولو تتبع الباحث المراجع التى  وقفنا عليها لوجد منها فى المدونات الكبرى  ما يملأ به سفرا ضخما .

فممن امتحن فى سبيل الفكر والرأى  أبو ذر الغفارى احد كبار الصحابة وأوعية  العلم فى الاسلام فى فهمه لقوله تعالى  " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها  فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ، وبدا له

باحتهاده في هذه الآية ما انكره غيره فشكا معاوية ابا ذر الى عثمان فنفاه الى " الربذة  ولا شك فى ان رأى ابى ذر كان منبعثا من  زهد كثير وتقوى وورع شديدين

وممن امتحن في سبيل الله الامام احمد ابن حنبل احد ائمة المسلمين احضره المعتصم وامتحنه بالقرآن فلم يجب الى القول بخلقه فجلده حتى غاب عقله وتقطع جلده وقيد وحبس ، وكان كثير الحيطة حتى انه هجر الحارث المحاسبي بسبب تصنيفه فى الرد على المبتدعة وقال له : ويحك الست تحكى بدعتهم اولا ثم ترد عليهم ؟ الست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر فى تلك الشبهات فيدعوهم كل ذلك الى الرأى والبحث .

ويروى لنا التاريخ ان المأمون ايضا اعتقد بخلق القرآن فوضع هذا البحث ، موضع المناقشة بين العلماء فأبوا ان يوافقوه فطلب ان يمتحن القضاة والمحدثون وكتب الى الآفاق فهرب اناس وحاولوا التملص فأحدث هذا الرأى ضجة فى الأمة وأوذى بعضهم وسموا ذلك المحنة

وامتحن الامام ابو حنيفة النعمان بن  ثابت بن زوطي احد الاعلام ووضع في السجن ولم تخرج جنازته الى الناس الا من غيابات الجب .

وضرب الامام مالك بن انس امام دار  الهجرة سبعين سوطا فى مسألة طلاق المكره ولم توافق فتواه غرض الوالي فسعى  به الى جعفر بن سليمان عم ابي جعفر  المنصور وقال : انه لا يرى ايمان بيعكم  هذه بشىء . . قيل : انه ركب على حمار  وطبق به وسود وجهه وكان يقول : من  عرفني فقد عرفنى ومن لم يعرفني فأنا مالك ابن انس وطلاق المكره غير واقع

وقتل الواثق في المحنة على القران سنة  ٢٣١ ه  احمد بن نصر من علماء عصره وصلبه  وكتب في اذنه رقعة فيها : هذا راس الكافر  المشرك الضال وهو احمد بن نصر بن مالك

ممن قتله الله على يدى عبد الله هارون  الامام الواثق بالله امير المؤمنين بعد ان  اقام عليه الحجة في خلق القرآن ونفي التشبيه وعرض عليه ومكنه من الرجوع الى الحق فابى الا المعاندة والتصريح والحمد لله الذي عجل به إلى ناره واليم عقابه وان امير  المؤمنين سأله عن ذلك فاقر بالتشبيه وتكلم بالكفر فاستحل بذلك امير المؤمنين دمه ولعنه

وقال ابو الفداء في التاريخ : قيل ان ابن نصر قال للواثق اثناء المناقشة : ) مه يا صبي ( وأمر ان يتبع من وسم بصحبته  ممن ذكر انه كان مشايعا له فوضعوا في  الحبوس المظلمة وضيق عليهم . .

وامتحن الامام البخارى واتهم في مسألة  الرضاع وخلق الافعال والقرآن وطرد من  سمر قند وقال السيوطي في " حسن  المحاضرة " ان ابا يعقوب البويطي خليفة  الشافعي حمل في حلقته بعده الى بغداد  مغلولا مقيدا واريد على القول بخلق القرآن  فامتنع فحبس ببغداد الى ان مات فى القيد  والسجن

وقال الخطيب في التاريخ ان ابن حبان  البستي وهو من اعلم اهل عصره ومن طبقة  البخارى فى الحديث قتل بدعوى انه يعرف  بعض  العلوم الرياضية فى سنة ٣٥٤ ه

وضرب الحجاج عبد الرحمن بن ابي ليلى

الفقيه الراوى من التابعين اربعمئة سوط ثم قتله . وكان خبيب بن عبد الله بن الزبير من النساك تعلم علما كثيرا فامر الوليد بن عبد الملك فضرب مئه سوط وبرد له ماء ، فى جرة ثم صب عليه فى غداة باردة  فكر فمات . واتهم عبد الصمد بن عبد  الإعلى مؤدب الوليد بن يزيد بالزندقة  واتهم المهدى شريكا القاضي بها . وقال

الخطيب في تاريخ بغداد ان المهدى قتل صالح بن عبد القدوس على الشبهة فى ذلك  مع انه لما وافاه اعجب بغزارة علمه وادبه .  وضرب ابو عمرو بن العلاء خمسمئة سوط .

وقال المبرد في " الكامل . : ان المهدى  قتل بشار بن برد بدعوى الالحاد وروى  قوم ان كتبه فتشت فلم يصب فيها شئ  مما كان يرمي به واصيب له كتاب فيه  هجاء آل سليمان ومنه :

دينار آل سليمان ودرهمهم  كبابليين حفا بالعفاريت  لا يرجيان ولا يرجى نوالهما كما سمعت بهاروت وماروت

وكادت المعتزلة للمحدثين في عصر المأمون والمعتصم لانهم يتشددون في قبول الحديث فلما تراجع امرهم وقوى المحدثون انتقموا منهم . واتهم احمد بن ابي دؤاد من عظماء العباسيين حميد بن سعيد من وجوه المعتزلة بالزندقة .

وكان المهدى أول من امر الجدليين  بتصنيف الكتب والرد على الملحدين واما  الرشيد فقد منع من الجدل وحبس علماء  الكلام ثم اطلقهم ابنه المأمون .

ومن العلماء من هام على وجهه ايام الفتن  ومنهم من لزم بيته او مسجده ومنهم من  تظاهر بالجنون كما فعل ابن الهيثم الرياضي مع الحاكم بامر الله وبذلك حقنوا دماءهم من العتاة . وتجافى كثير من ارباب الفكر عن التدوين خشية الاعداء ولعدم التمتع بالحرية فى الرأى .

ولم اولى الاشرف موسى نادى فى مدارس  دمشق : من ذكر غير التفسير والحديث

والفقه او تعرض لكلام الفلاسفة نفيته وكان  ذلك في اوائل القرن السابع وازهقت بعد  ذلك أرواح دعاتها . وجدت الشيعة فى نشر  مذهبها ولما قامت دولة الفاطميين سنة  ٢٩٦ ه في افريقية افنت من كان بها من  أئمة المذاهب الثلاثة قتلا ونفيا .

قال ابن الاثير : ان ابا عبد الله الشيعي  لما وصل الى " رقادة " من عمل القيروان قتل  كثيرا من افاضل القوم . واخرج الظاهر  الفاطمي ٤١٦ ه من بمصر من فقهاء المالكية  والف  يعقوب بن كلس الوزير بمصر كتابا  في فقه الاسماعيلية وحظر مطالعة غيره .

وقال المقريزى فى " المخطط " ان  الفاطميين قتلوا ابا بكر بن هديل وابا  اسحاق البرذون من فقهاء السنة وسحبوهما  في أذناب الخيل لعدم افتائهما بمذهب جعفر

وقال السيوطي في " حسن المحاضرة "  ابتني الحاكم المدارس بمصر وجعل فيها  الفقتماء والمشايخ ثم قتلهم وخربها . وفي  كتاب سكردان السلطان ان من جملة من  قتلهم الحاكم من اهل العلم ابا شامة جنادة  اللغوى الهروى لما قدم مصر وكان من  الفضلاء .

وفي كتاب البيان المغرب لابن عذارى   وكتاب المؤنس لابن ابي دينار : انه لما قدم  المعز في القرن الرابع حمل الناس على مذهب  مالك في افريقية ولم يبق في ايامه غيره  وكان معه قبل ذلك مذهب الحنفية من اهل  السنة . وقال ياقوت من معجم البلدان انه  جاء زمن وليس في الاندلس الا مذهب مالك  فان ظهروا على شافعي او حنفي نفوه .

اشترك في نشرتنا البريدية