الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

امرأة من الريف

Share

قالت حياة وهذا اسمها المستعار - :

لا أذكر من عهد طفولتى وأيام شبابى الأولى التى قضيتها فى الريف الا فجر يوم لن أنساه ! . . وما اكثر الجروح التى لا يبلسمها النسيان في حياة الناس ، وما اكثر الايام التى لا تنسى . . . كان يوما أسود أليما ذهبت الحرب فيه بحمارتنا ووالدى سعيد بانفجار لغم فجمعنا ما عثرنا عليه من اشلائه وعظامه ووضعناه فى قبر أقمنا حوله مناحة نادبة ٠٠٠ آه متى يعلم قادة الحروب ان اغلب ضحاياهم ابرياء لا هم لهم فى الحرب والقتال ٠؟ !

كان ذلك فى ربيع 1941 وكنت اذ ذاك شابة جميلة حساسية ثائرة الافكار والمشاعر . . وكنت أحب والدى الطيب حتى العبادة ولفرط حساسيتى ابكى للمقهورين فى حكايات والدتي حول الموقد فى كوخنا ايام الشتاء ولياليه . وتستطيع أية حادثة مؤسفة ان تجعلني اذرف الدموع طوال الليل وما اسرع ما يبكى الفقراء والبائسون . . . فكيف تتصور مصيبة فقد والدى العزيز بعد هذا ؟ ٠٠

ونظرت إلى محدثتى كأنها تحاول ان ترى وقع هذه الكارثة على نفسى او لعلها تريد ان أهتز لبلواها وما احوج الناس إلى العطف والموازرة حتى فى غير اوان ! . . . فتطلعت اليها فى صمت . . تطلعت إلى ذلك الوجه البيضوى الذى رسم عليه كر الايام خطوطا وتجاعيد لم تسلم منها حتى الوجنتين غير ان بقية ملاحة ما زالت تغالب السنين : انف اقني أشم وفم صغير وذقن مستدير ظريف وشعر مغدودن فاحم فعرفت ان محدثتى كانت ذات جمال بارع أخاذ . وقلت في سرى : كم تسخر الحياة من أناس فتعطيهم اشياء يظنونها سبب سعادة فتنقلب سبب شقاء مرير . . . ولم استطع اخفاء اهة حرى تجاوبت اصداؤها لدى محدثتى ولا تسخر منى يا صديقى فانا أحس يعطف عميق ورثاء مر لكل بنات الهوى . . يسمونهن (صابرات )وانهن . . ولكن بمفهوم آخر ! . . ويا لهن من صابرات يضحكن وفي القلوب مآتم ويقهقهن وفي الاعماق جعجعة ونواح . . . وان شدون غناء فما شدوهن الا حسرة على ماض ولى إلى غير رجعة وعمر ضاع بين اوهام . .

ونظرت إلى كأنما تستأذنني . . مواصلة الحديث فقلت: وبعد ؟

قالت : مات الوالد وفقدنا سندا فى الحياة اخيرا فقاومت أمي الايام عاما وبعض العام عرفنا خلاله شظف العيش وذل الاهانة ومرارة الدموع . . . كانت أمر تشتغل عند الجيران وكنت اساعدها على ذلك حينا وابقى بالكوخ و اغلب الاحيان ومرت الايام بطيئة وكثرت زيارات ابن جارنا مبروك لنا ورحت أخمن لذلك سببا . . ماذا يريد ؟ ! لا تضحك مني يا سيدى فقد تصورت انه انما يريد ان يطلب يدى . . والمراهقات ينسين كل مصائبهن وكروبهن ازاء الامل المنشود . . وتكذب الانثى اذا قالت لك انها تستطيع تجاهل نداء الانوثة فيها . . . مهما يكن من امر فقد سولت لى نفسى ان ذلك هو مطلب ابن الجيران . فسرحت وراء هذا الحلم وبمرور الايام اصبحت احبه والله شاهد وكنت اذهب مع خيالي فأجدنى زوجة له امر وانهى وانجب الاطفال وانعم بالعيش الرغيد . . فما كنت أبخل عليه بابتسامات وحديث بل صرت أهدية بعض الازهار البرية احيانا واشرف على غسل ادباشه بنفسى وذات ليلة . . .

وتطلعت إلى كأنها لا تريد ان تبوح بسر ، فتساءلت صامتا : أتراها تخجل  ؟ ! . . فقالت - وكأنها قرأت ما في ذهنى - : قد تستغرب مني احجامي عن ذكر مغامرات هواى الاول - وكف لا يستغرب الحياء من بنت هوى باعت الفضيلة والشرف - أغلب الناس لا يأتي إلى اذهانهم اننا نساء كالاخريات فينا حياء ولنا ضمائر ولكن تصاريف الزمان هى التى جعلتنا نمثل ادوار من لا انسانية لهن ! .. ذات ليلة خرجت اليه . . . كان القمر وديعا باسما وكان الربع يلفظ آخر انفاسه فهى حرى والصيف يقول بالنسمات اللافحة اين طريق الى الربوع ؟ . . وتجاذبنا الحديث وتطارحنا الغرام وعرضت عليه الزواج بي - تصور هذا . - انثى تبيع الكبرياء والانفة وتعرض نفسها جهارا -  فماطلني بالقبلات ثم هجم على فتفلت من تحته وابيت عليه ولما خاب ظنه صفعنى صفعة قوية على وجهى وقال : " اتزوجك ؟ ! أتزوج " سارحة " مثلك " إلى وكانت هذه الكلمة أقسى بكثير على قلبي من الصفعة التى تلقيتها ورجعت الى الكوخ اندب الحظ العاثر وابكى حتى كادت امعانى تتمزق من العبرات وطلبت من الله فى تلك الليلة ان يمد فى عمر اخي محمود حتى يرجع من العسكر وينتقم لي من هذا الحيوان . . وكفرت بالدنيا والفقر حتى كدت  أجن . الفقر يا سيدي هو السلم الذى تتسلقه الذئاب لتعبث بالفضيلة والشرف وتخرق القانون . . ولو كنا اغنياء لأفتدينا أخي من " القرعة " كما افتدى ابن حارنا الجبان ، ولكن لا مال لنا ولا جاه . .

وتوالت الايام ونسيت كل شئ إلا اهانتى ، كنت كل ليلة اخرج من الكوخ وابث الليل أوصابي وادعو لأخي بالعودة القريبة ليثأر لى من مبروك الذى انقلب حبي له إلى كره شديد . . وذات يوم عرج الشيخ على كوخنا فنعي لنا أخي وقد مات فى خطوط النار . . .

وهنا هزت قلبي الكارثة هزا فنظرت إلى محدثتى وما أعلم على أية هيئة كنت ؟ ! . . فرأيت اليد النحيلة تتسلل إلى دمعتين انسكبتا عبر الخدين تجففهما ثم ابتلعت ريقها وحاولت ان تبتلع معه زفرة غلبتها صاعدت من قلبها  كالنواح ، فأسلمت رأسها إلى يديها حينا ثم امالته يمينا وشمالا كأنها تنفي خواطر وذكريات أليمة . . . ثم قالت : ومن يومها ضاعت كل الامال وعرفت ان الحياة ما زالت تسخر منى ، ولم يبق لى فيها سوى تلك الأم الغسالة " التكازة " فكاشفتها بما بيته لى ابن الجيران فتوعدتني وضربتني ، فنمت على دموعي شطرا من الليل حتى ايقظتني وضمتني إلى صدرها فى بكاء اخرس بذيب القلب ويمزق الاعصاب . . ثم قامت فاشعلت سراجنا الزيتى وقدمت الى طعاما فأخذت آكل فى صمت . . بينما كانت أمي بجانبي تنبش الارض بطرف قضيب صغير كان بيدها وترسم خطوطا ثم تعود فتفسخها ثم ترسمها من حديد كانها تصور ما يتزاحم في ذهنها من افكار متعارضة لا انسجام بينها ، وما كان يخدش الصمت الحزين الذي يلف الكوخ غير اهات تبعثها أممي من حين إلى حين ، وما كان يشاركنا آلامنا غير فراشة سرها النور فتسللت لتعبث حول سراج زيتي تعبث بذبالته ريح لينة خفيفة وتنبعث من رائحة الزيت المحروق . . .

وفي الصباح الباكر جمعنا بعض متاعنا وودعنا الريف فى ألم صامت وحزن مكظوم فضحته منى عبرات غزار ومن والدتي تمتمات ودعوات سرعان ما اختلطت بالعبرات فاذا هي شهيق مكتوم . . . وسرت مع أمي يلفنا صمت وسكينة ويمزق احشاءنا هم أليم وكنت ألتفت بين الحين والحين فأجفف عيني من الدمع لألقى نظرة أخيرة على ملاعب الصبا ومدارج الطفولة ولأودع وربما إلى الابد كل مكان لى فيه ذكرى الوداع الاخير . .

وصلنا القرية فباعت أمي قرطها ، وركبنا القطار إلى العاصمة نطلب الخبز الحلال ونبعد عن مسرح الذكريات الأليمة وصدقني انى لو خيرت لما اخترت غير البقاء هناك بكوخنا الحقير فى ريفنا الوادع الذي بدا يتوارى شيئا فشيئا من مخيلتى بعد ذلك . .

وصلنا العاصمة وبدأت اشتغل في البيوت انظفها لأصحابها او أساعد السيدات على الغسل حتى قادتني الصدف إلى يهودى انظف له منزله ازاء اجر حسبته آنذاك سخيا . فكان يتمسح بي كالقط المرائى ، وما كان يخجل من ممارسة الغزل المفضوح معي مطريا جملى وسواد عيونى وشعري فاسمع منه هذا الكلام واسكت على مضض ثم الفته منه فما عدت أتأثر به ولا أقيم له وزنا . . . وكان كثيرا ما يدعوني إلى طعامه فأتظاهر بالشبع وأنا الجوعانة البائسة ! . . حتى كان يوم سوف تبقى ذكراه محفورة على شغاف القلب إلى أن تبرد عظامي في ثراها . شدني فيه إلى طعامه هو وصديق له بالحيلة

والخديعة . فأكلت معهما ثم شربت شرابا أحمر مر المذاق أجبراني على كأسين منه فقدت اثرهما وعي فنمت حتى المساء وافقت على ألم يمزقنى وعرفت انى بعد ان فقدت شعورى فقدت كذلك عفافى ٠٠٠ وتناولت منديلها لتمسح دموعا غزارا في شبه نشيج ، فقلت غير واع لما أقول : يهودى . . يهودى قذر ٠ ؟ ! وصدقني اني في هذه الاثناء شعرت كما لو كانت هذه السيدة أختي أو ابنتى . . . شعرت بطعنة عميقة فى كيانى اين منها اين منها طعنات المدى والسكاكين . . . شعرت بأنى متضامن تضامنا عميقا مع هذه المسكينه إلى حد اني احسست بان كرامتي قد ديست هى الاخرى . . . ربما لأنها كانت قروية وبطبعي أحب القرويين او لأنها كانت ضعيفة عاجزة وكان الجانى يهوديا وأنا أكره اليهود كرهى لنذير السوء فى اليوم السعيد لأنى فى فجر طفولتى الاولى كنت اسمع ابناء الهيود فى قريتى يغنون : " الانقليز غلب والآلمان هرب ونعملوا برادع ونركبوا على العرب " كل هذه الذكريات الهاجدة والآلام الدفينة ثارت الآن على اشدها اذكتها عبرات هذه الفريسة البريئة . . فقلت : وماذا فعلت ؟ . . هل قدمته للمحكمة ؟ . . فتنهدت ثم قالت : هو الذي قدمني اتهمنى بالسرقة فاشبعني البوليس ضربا وبت ليلة فى المركز فقدت فيها هذه المرة حيائى ، ومثلت فيها أول دور فى حياتى الجديدة حيث كان على ان اضاجع اربعة صعاليك طوال الليل وانا عارية أغص بالعبرات ولا أطيل عليك ايها السيد . فمنذ ذلك اليوم ساءت احوالى وماتت أمي وتداولت على الاحياء والازقة حتى كان آخر المطاف كما ترى بيت فى زقاق . . منبوذة من رحمة الله والعباد ولو أتيح لى ان اتمنى شيئا فابنا اطوى عليه الضلوع وادخله إلى قلب هجره العطف والحنان فهو خراب . .

اشترك في نشرتنا البريدية