الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

امهات كتب التفسير القديمة والحديثة، مالها وعليها

Share

-٤-

٨ - تفسير ابى البركات حافظ الدين النسفى المتوفي سنة ٧١٠ وأما تفسير النسفى صاحب التصانيف المفيدة فى الفقه والاصول ، فلا يخرج فى معناه عن تفسير القاضي البيضاوي ، وإن زاد ونقص وخالفه في التعبير ، وبعض مسائل التفسير ، ومن قابل بين تفسيريهما ، واممن النظر فيهما ، عرف ذلك منهما ؛ على آن عبارة النسفي أوفي مراما ، وا كثر ايضاحا واقل إبهاما ، وسأورد شيئا من تفسيره ، يصفه في جملته لافي تفصيله ، وانما يستوقف نظر المطالع قبل كل شئ هذا الغلو في الألقاب التى نعت بها مؤلف الكتاب ، ومن هذا الغلو : استاذ اهل الأرض ..ترجمان كلام الرحمن وارث علوم الأنبياء والمرسلين ..ومنته على عباده . وظاهر من قوله " نفع الله الاسلام بطول بقائه ، والمسلمين بيمن لقائه " آن بعض مريدية قد كتب هذه المبالغات فى حياته ، ولعل المؤلف رحمه الله لو اطلع عليها ، لما أقرها

قال الامام النسفي : " فاتحة الكتاب مكية ، وقيل : مدنية ، والأصح أنها مكية ومدنية ، نزلت بمكة حين فرضت الصلاة ، ثم نزلت بالمدينة حين حولت القبلة الى الكعبة " وإن ادري أى داع يدعو الى القول بنزولهامرتين وهي مكية بالنص لقوله تعالى " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقران العظيم" وهذه الآية من سورة الحجر التى هى مكية باجماع ، ولأن الصلاة التى فرضت مكة باتفاق ، شرعت بالفاتحة من أول ما فرضت ، فدلت على انهامكية ايضا ، ولا شك أن السبع المثاني هي سورة الفاتحة كما ثبت فى الصحيح ؛ فقد أخرج البخارى وأصحاب السنن ايضا من حديث أبي سعيد بن المعلى أن النبي ( ص ) قال : " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني ، والقرآن العظيم الذي أوتيته " وآتى الفاتحة سبع بالاتفاق ، ومعنى كونها مثاني أنها تثنى وتعاد في كل ركعة من الصلاة ، وأما عطف القرآن على سبعا من المثاني ، فهو كما قالوا - من عطف الكل على الجزء ، أو العام على الخاص .

ثم أورد النسفي الخلاف المشهور بين القراء والفقهاء فى التسمية ، وذكر مذهب ابى حنيفة ومن تابعه رحمهم الله ,وهو أنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور ، وانما كتبت للفصل بينها ، وهو مذهب مالك وأصحابه ايضا . واستدل المفسر النسفي لمذهبه الحنفي بالحديث القدسى المشهور : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين ، ولعبدى ما سأل فاذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين" قال الله تعالى (حمدني عبدى )فالابتداء بالحمد دليلهم على ان التسمية ليست من الفاتحة (قال) : والحديث مذكور فى " صحاح المصابيح" وهو لم يقصر رحمه الله فى ذكر من أثبت أنها آية من كل سورة كالشافعية وغيرهم ، وليس من غرضنا الآن ترجيح قول على قول ، وانما القصد وصف تفسير النسفى ، وبيان بعض ما يبدو لنا من ماخذ في تفسيره ام الكتاب ، ليكون طالب العلم على بصيرة فيما يقرأ من كتب التفسير ، فقوله فى حديث قسمة الصلاة بين العبد وربه : انه مذكور " فى صحاح المصابيح" لا يهدى الى معرفة من رواه من المحدثين ، ومصابيح السنة للامام البغوى كتاب جامع للأحاديث من الصحيحين والسنن كسنن أبى داود والترمذي والنسائى والدارمى وابن ماجه ، ولكنه قسم احاديثه الى صحاح وحسان ، وجعل الصحاح منها ما اخرجه الشيخان ، أو أحدهما ، والحسن ، ما أورده صحاب السنن ، وهذا اصطلاح له لا يعرف عند اهل الحديث لأنه وقع فى كتب السنن المشار اليها غير الحسن من الصحيح والضعيف . وقد اشار البغوي رحمه الله الى اصطلاحه هذا بقوله . اعنى بالصحاح كذا ، وبالحسان كذا . ولما رأي العلامة الخطيب التبريزى أن هذا لا يفى بالمراد ، أضاف لي كل حديث فى مشكاته طرفي الاسناد ليعلم من خرجه من أصحاب الكتب ومن رواه من الصحابة رضوان الله عليهم ، وجدت الفاتحة هذا أخرجه أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة .

وعجيب للامام النسفي كيف لم يعتن بتخريج الاحاديث التى يذكرهاكداب كثير من المفسرين ، فهو على جلالة قدره ، ووصف الحافظ ابن حجر له في الدرر بانه كان علامة الدنيا في عصره ، يذكر الاحاديث فى تفسيره - على قلتها- غير معزوة إلى مخرجيها من اصحاب الصحاح والسنن والمسانيد " وينقل من كتب

الحنفية ما يستشهد به على صحة مذهبه ، ويخطئ به الشافعية وغيرهم ، وكتاب له تعالى ليس كتاب مذهب فقهى ، ولاهو عقيدة أشعري أو ما تريدي ، بل هو وحي الهى مشاع بين جميع الأئمة هداة الأمة ، تتجاذبه انظارهم ، ويستنبطون منه أحكامهم ، وكل منهم يخطئ ويصيب ، ويكون له من اجراجتهاده نصيب فأخذ مذهب معين منه ، وحصر الحق فيه ، وتطبيق القرآن عليه ، ممالا سبيل اليه .

ثم قال فى تفسير "الرحمن الرحيم " : رحمة الله إنعامه على عباده ، وقال في تفسير " غير المغضوب عليهم " وغضب الله إرادة الانتقام من المكذبين ؛ وانزال العقوبة بهم ، وان يفعل بهم ما يفعله الملك اذا غضب على ما نحت يده " كذا .

أقول : فسر الرحمة بما تقتضيه من التفضل والانعام ، والغضب بانزال العقوبة وارادة الانتقام ، موكلاهما تفسير بالمعنى المجازي ، ونجد نحوه فى تفسير القاضي البيضاوى وغيره وقالوا - فى تعليل هذا التفسير- إن الرحمة فى اللغة رقة القلب وانعطافه ، والغضب في الأصل هو ثوران دم القلب لأرادة الانتقام ، وهذا وذاك من الكيفيات التابعة لمزاج المخلوق ، والله تعالى منزه عن صفات المخلوقين ، اذا فالمراد من الرحمة في حقه ثمالى ارادة الخير والانعام ، ومن الغضب ارادة العقوبة والانتقام ,واسماء الله تعالى انما تؤخذ باعتبار الغايات التى هي أفعال دون المبادئ التى هى انفعالات .

ويجيب عن مثل هذه الشبه ، الذين يفسرون الأسماء والصفات على طريقة السلف ، بأن الارادة التى يردون الرحمة والغضب اليها ، هي في الانسان ميل إلى الفعل أو الترك ، والله تعالى منزه عن ذلك . وإنما رحمته تعالى وغضبه صفتان قائمتان بذاته ، وهما شأن من شؤونه يقتضيان الاحسان او العقوبة . وهكذا يقول المثبتون لسائر الصفات التى أخبر الله تعالى بها عن نفسه من المحبة والرضا وغيرهما فهم يجعلونها كلها من باب الحقيقة ، مع اعترافهم بالعجز عن ادراك كنه هذه الحقيقة

{يتبع}

اشترك في نشرتنا البريدية