( 2 )
تحسس طريقه الى المدينة الصغيرة ، ووقف امام واجهة تعرض اشياء مختلفة خاصة باستعمال السياح ، قمصان وشباك ، مدارع وصنانير واربطة ، كتب وحلويات تراصفت هناك ، فشكلت بطريق الصدفة اهراما فنية وطوابق ملونة . ولكن نظرته كانت تحدق فى شىء واحد لا اكثر ، شئ كان موضوعا في اهمال بن الركام الرشيق : هراوة سميكة مغلظة ذات رأس حديدية مدببة ، يثقل حملها على اليد ، ولكن ضربتها مريعة قائلة . " الموت . . الموت للكلب ! " وسببت له هذه الفكرة دوارا مختلطا كادت تكون له لذة . ودفعته الى داخل الدكان فاشترى تلك الهراوة ذات العقدة بثمن بخس . وما ان قبض بيديه على هذا الشئ الثقيل الخطر حتى احس بأنه اقوى : ان السلاح يعيد الى الضعيف دائما ثقته بنفسه . وشعر بعضلاته تتصلب كانها قد استمدت من الهراوة قوة . " القتل . . القتل للكلب ! " همهم بذلك لنفسه ، وقد غدت خطواته بدون شعور اثبت واسرع واقوم . فسار ، بل جرى يصعد طريق الشاطئ ويهبط ، وهو يتنفس عرقا ، ولكن بفضل اللذة المتفجرة في اعماقه اكثر منه بفضل السير السريع ، لان يده كانت تشد بقوة على الملمس القوى .
ودلف بسلاحه الى برودة الظلال الزرق فى القاعة وانطلقت عيناه فى التو تبحثان عن العدو اللامنظور . وفعلا ، كانوا جالسين معا فى الزاوية فوق سلال التين ، يمتصون الويسكى والصودا بواسطة قصبات التبن ، ويتحدثون في انس كول : زوجته وابنته والثلاثة الحتميون . وفكر فى صمت ويده قابضة على العقدة الثقيلة . " من هو ؟ من هو ؟ . . اى واحد منهم اهشم رأسه ؟ اى واحد ؟ . . اى واحد ؟ . . . " ولكن ارنا قفزت ، مسيئة فهم بحثه المضطرب ، واتجهت نحوه . " انت هنا يا ابى ! لقد بحثت عنك فى كل مكان تصور ، ان السيد فون ميدفيتس سيأخذنا معه فى سيارته الفيات ، وسنسافر على طول البحيرة حتى مدينة ديسنزانو . " وفى اثناء ذلك ادنت المائدة منه كأنها كانت تنتظر منه ان يشكره على هذه الدعوة . وقام السادة فى ادب ليصافحوه . فارتعدت فرائصه . ولكن الهراوة كانت تنام فوق ذراعه فى لين ورفق مهدئة روع حضورهم الدافيء . وفى غيبوبة ارادته تناول الايدى المقدمة اليه الواحاءة بعد الاخرى . ثم جلس فى صمت واخرج لفافة وطفق يمضغ فى حنق
اسنانه ضمن كومة التبغ الطرى . وبعد ذلك واصلوا حديثهم باللغة الفرنسية متجاهلين ووجوده ، يتخلل ذلك كله ضحك متعاظم مختلط الاصوات .
وجلس هو في صمت ، مطرقا ، يعض لفافته بشدة بحيث سال اللعاب الاسمر فوق اسنانه . وفكر . " معهم الحق . . معهم الحق . . ينبغى للمرء ان يبصق على . . الآن فقط مددت له يدى !.. للثلاثة كلهم ، مع اني أعرف أن واحدا منهم هو النذل . . ثم اجلس معه فى هدوء حول نفس المائدة ! . . ولا اقتله ، لا ، لا اقتله ، بل اصافحه فى ادب ! ان من حقهم ان يضحكوا على . . فهاهم يتحدثون دونما اهتمام بى ، كأنى لست موجودا هنا كأني اثوى تحت التراب . . . ومع ان الاثنتين ، ارنا وامها , تعرفان تماما اني اجهل الفرنسية . . . مع انهما تعرفان ذلك ، فان واحدة منهما لا توجه الى سؤالا عن شئ ما ولو تظاهرا ، وذلك لكيلا اجلس هنا ضحكة هزءة إلى درجة فظيعة . . . فانا هواء بالنسبة لهما ، هواء . . . انا ذيل كريه ، شئ متعب ، مزعج ...شئ مخجل ومع ذلك لا يطرد ، لمجرد انه يكسب الفلوس ، الفلوس ، الفلوس . هذه الفلوس الشقية الملعونة التى افسدتهما بها . . هذه الفلوس التى تحمل لعنة الاله . . لا تخاطبانني بكلمة واحدة ، هي زوجتى ، وفلذة كبدى ، لديهما فقط نظرات لهؤلاء الكستلى ، هؤلاء المختالين المصقولين ! . . كيف تضاحكانهم مدغدغات كما لو انهم ادخلوا ايديهم في لحمهما ! . . وانا صابر على هذا كله ! .. اجلس هنا صغي إلى حديثهم واسمع ضحكهم ولا افهم شيئا ، ومع ذلك اجلس هنا عوض ان انهل عليهم ضربا بمجامع يدى . . . ان اهشم رؤوسهم بهذا الهراوة وافرقهم قبل ان يتجاوزوا تحت سمعى وبصرى . . . اسمح بهذا كلا واجلس هنا صامتا ، بليدأ ، جبانا . . جبانا . . جبانا . . "
وفي هذه اللحظة ساله الضابط الايطالى بالمانية مكسرة وهو يتناول القد حة . " هل تسمح ؟ . " فانتبه ، فزعا ، من افكاره الملتهبة وحدق فيه في غضب . وبعد لحظة تصلبت يداه فوق ملمس الهراوة والغضب لا يزال يغلي في صدره . ثم ارتخي فمه واعوج وتلاشى بعد ذلك فى ضحكة بليدة وردد بصوت فيه رتة حاسمة . " آه اسمح . . . طبعا اسمح ، هية . . اسمح كل شئ ، بكل شئ ، كل ما املك موضوع تحت تصرفك . . فى وسع المرء ان يسمح لنفسه بفعل كل شىء معى ... "
فنظر اليه الضابط فى استغراب . ان جهله باللغة لم يتح فهم كل شئ الا ان هذا الضحك المعوج الفاتر ازعجه . فنهض بحركة لا ارادية ، هو السيد الالماني ، بينما ابيض لون المرأتين حتى غدا كالجير - وظل الجو لحظة متوتر بينهم لا ركز له كالبرهة الوجيزة بين البرق والرعد الصاعق . وخفتت به ذلك حدة الاعوجاج المتوحش وسقطت الهراوة من اليد المتصلبة . وعا الرجل العجوز الى نفسه كالكلب المضروب ثم اخذ يسعل فى حيرة ويتنحنح
وقد افزعته شجاعته نفسها . واسرعت ارنا الى مواصلة الحديث المقطوع لتخفف من حدة الوضع المؤلم . فاجاب البارون الالمانى فى مرح ظاهر ، وما هى الا لحظة حتى تواصل الحديث والثرثرة من جديد دونما اهتمام . وظل الرجل العجوز صامتا بينهم ، منصرفا عنهم كليا بحيث يخيل لمن رآه انه نائم كانت الهراوة القوية قد سقطت من يده وتدلت بين قدميه دونما هدف ، وكان رأسه يزداد هبوطا وتزحلقا فوق اليد المسنودة . ولكن لم يعد احد يعيره اهتماما : كان صخب الحديث يتدحرج مرنا فوق صمته وسكوته البليغ . وبين حين وآخر كان الزبد يتطاير عبر كلمات المزاح الصاخبة . اما هو فقد كان مستسلما لظلام لا نهائى غارقا فى الخجل والالم .
نهض الرجال الثلاثة ، وتبعتهم ارنا بسرعة . ثم قامت امها بحركة ابطأ . ومضوا ، استجابة لاقتراح طرب ، الى غرفة الموسيقى المجاورة . ولم يروا ان من الضرورى توجيه دعوة خاصة الى النائم البليد . ولم يستيقظ هو الا حين افزعه الفراغ المفاجئ حوله كما يفزع النائم احساسيه بالبرد ليلا حين تنزاح عنه البطانية ويتمسح البرد بجسده العارى . ولما القى ببصره لا اراديا الى الكراسي الفارغة ، تعالت موسيقى الجاز مثيرة صاخبة من بهو الغرفة المجاورة . ودوت في سمعه الضحكات وهتافات التشجيع . لقد كانوا يرقصون في الغرفة المجاورة . اجل ، الرقص ، الرقص دائما فهما تحسنانها جدا ! وذلك ليستمر غليان الدماء فى حواسهم ، ليحتك احدهما بالآخر الى ان ينض الشواء . الرقص مساء وليلا وفى رابعة النهار ، بهذا يؤنس الكسالى المتوانون النساء . والتقط الهراوة الغليظة وتبعهم . ووقف عند عتبة الباب . كان الفارس الالمانى جالسا الى المعزف يقرقع ، نصف ملتفت لينظر فى نفس الوقت الى الراقصين ، فوق ملمس المعزف لحنا شعبيا امريكيا كان قد حفظه تقريبا . كانت ارنا تراقص الضابط ، وكانت امها قوية ثقيلة الحركة وهى تدفع ، في جهد ، الكونت اوبالدي الممل الى الامام ثم تجره فى ايقاع . غير ان الرجل العجوز كان يحدق فى ارنا ومراقصها فقط . كيف يضع الكلب السلوقى يده في خفة وتحلق فوق الكتف الناعمة كان هذا الكائن ملكه وحده ! وكيف يلتصق جسدها بجسده مستسلما آملا في نفس الوقت ، كيف انتصب احدهما قبالة الآخر امامه في شهوة يسيطران عليها فى جهد ! أجل ، لقد كان هذا هو الذى ان هذين الجسدين ينمان بوضوح عن تعارف ، عن تآلف يسرى فى دمائهما . اجل ، كان هذا هو الذى - لا بد ان يكون هو ، لقد قرأ ذلك فى عينيه نصف المغمضتين ، وهما مع ذلك تفيضان ، تشعان فى غمرة - هذا الحومان الشارد وقد تذكرتا متعة حارة - كان هذا هو السارق الذى قام بهجوم ليلى على هذا الجسد الذى يختفى تحت ثوب نصف شفاف واخترقه ، ابنته ، ابنته ! وتقدم لا اراديا ليأخذها منه ، غير انها لم تلاحظه . كانت مستسلمة بكل حركاتها
للايقاع ، لضغط يد الغاوى التى تقودها خفية : تماوجت منداحة فى تيار الموسيقى الناعم ، وقد مال رأسها الى الخلف وابتل فمها وانفتح . لقد نسيت نفسها في نشوة سابغة فلم تشعر لا بالزمان ولا بالمكان ولا بالرجل العجوز المرتعد المتنهد الذى كان يحدق فيها بنظرات دامية الوميض وفى غضب بالغ اللذة . كانت تحس بنفسها فقط ، باعضائها المنسرحة ، مستسلمة لطغيان الاغنية الراقصة الصاخبة المرهقة . كانت تحس بنفسها فقط وبأنفاس الرجل التي تحرقها تشتهبها ، بالذراع القوية التى تحيط بها وتثير فيها غريزة الدفاع عن النفس ، فهي تخشى ان تندفع نحوه ، فى دوامة هذا الحومان المخدر ، بشفتها المشتهيتين وانفاس استسلامها الملتهبة . كان الرجل العجوز يحس بهذا كله ، يحس به في دمائه المرتجة : عندما تبتعد عنه فى اثناء الرقص ، يخيل اليه انها قد ضاعت منه الى الابد .
انقطعت الموسيقى فجأة فى اثناء الرقص كما ينقطع الوتر . فنهض البارون الالماني وضحك . " كفى العزف لكم . الآن اريد ان ارقص انا نفسى . " وافق الجميع في مرح وانحلت الجماعة من ثنائية الرقص الى خلوة مرتخية حائمة . وعاد الرجل العجوز مرة اخرى الى نفسه : ايقوم بعمل ما او يقول شيئا ! لا ينبغي له ان يقف هكذا فى غباء : فوجوده هنا غير مرغوب فيه ! ومرت به زوجته والتعب يبدو على ملامحها . ولكنها مع ذلك كانت راضية . وثمة امده الغضب بقرار مفاجئ . فاعترض سبيلها وتنهد فى جزع . " تعالى ، اريد ان اكلمك . " فتطلعت فيه مندهشة : كانت لآلىء العرق تندى جبينه الشاحب وعيناه توزعان نظرات تائهة . ماذا يريد يا ترى ؟ ولماذا يريد ازعاجها فى هذه اللحظة بالذات ؟ وارتسمت على شفتيها كلمة مترددة ، الا ان سلوكه اظهر لها شيئا غربيا جدا ، خطرا جدا ، ذكرها بغتة بثوراته الغضب فى السابق فتبعته ضد ارادتها . والتفتت قبل ذلك الى السادة معتذرة " اسمحوا لى لحظ ايها السادة "
وفكر الهائج في حنق " انها تستميحهم عذرا ! عند ما نهضنا من المائدة لا تستاذناني في ذلك . انا كلب فى نظرهما ، ان خرقة قدم يدوسها المرء من كل جهة . الحق معهما ، الحق معهما ما دمت صابرا على ذلك . " وانتظرت بحواحب مرتفعة بشدة ، ووقف هو امامها بشفة مرتجفة كانه تلميذ يقف امام معلمه . واخيرا قالت له متحدية " والآن ؟ " فاخذ يغمغم فى عجز " لا اريد . . لا اريد . . لا اريد ان . . . ان تختلطا بهؤلاء الناس . " فرفعت نظرها اليه في غضب ، متعمدة عدم الفهم ، كما لو انه قد اساء اليها بألذات : " اى ناس تعنى ؟ "
فاشار براسه المنحنى الى غرفة الموسيقى وهو حنق " هؤلاء . . لا يعجبني هذا . . . لا اريد ذلك ... " " ولماذا ؟ "
وفكر فى مرارة . " انها تخاطبني دائما بهذه اللهجة المستنطقة كما لو انى خادمها . " ثم همهم فى ثورة . " لدى اسبابى . . اسبابى المعينة تماما . . لا يوافقنى . . لا اريد ان تتحدث ارنا مع هؤلاء الرجال . . ليس من واجبى ان اقول كل شىء . . "
فرفضت في كبرياء وغطرسة . " إذا فانا آسفة . انى اجد الثلاثة الرجال ذوى اخلاق حسنة للغاية والاختلاط بهم احسن بكثير من الاختلاط الذى كنا نجده في بلدنا . "
وازداد اختناقه في غضب . " الاختلاط بهم احسن ! هؤلاء اللصوص . . هؤلاء . . . هؤلاء ثم دوى فجأة . " لا اريد ذلك . . . امنع ذلك . . افهمت ؟ "
فاجابت فى برودة " لا . . لم افهم شيئا على الاطلاق . لا اعرف لماذا افسد على ابنتى مرحها وتسليتها . . "
وارتج كمن تلقى ضربة قوية . " تسليتها . . تسليتها . . . " واحمر وجهه وغرق حبينه فى رطوبة العرق - تلمست يده الفراغ باحثة عن الهراوة الثقيلة لبتوكأ عليها او يضرب بها . ولكنه كان قد نسيها . فاعاده ذلك الى نفسه ثانية فانتصر عليها - تمسحت بقلبه فجأة ارادة دافئة . فاقترب منها كانه يريد ان يمسك يدها . ورق صوته حتى كاد يكون متسوولا .
" انت . . انت لا تفهمينني . . انا لا اريد شيئا لنفسى . . انى ارجو كما فقط . . انه اول رجاء لى منذ سنوات : فلنسافر من هنا . . بعيدا ، الى فلورانسا ، الى روما ، كما تريدان ، اوافق على كل شىء . . فى مقدوركما ان تقررا اى شئ ، كما تريدان . . . فلنترك هذا المكان فقط . . اليوم . . اليوم انا . . انا لم اعد احتمل ذلك لا استطيع . "
قطبت جبينها فى دهشة واستنكار . " اليوم ! ؟ نسافر اليوم ؟ ما هذه الافكار المضحكة ! المجرد انك لا تحب السادة ؟ انك لست ملزما بالاتصال بهم . " ظل ثمة واقفا امامها ، رافعا يديه فى توسل ورجاء . " قلت لك انى لم اعد احتمل ذلك . . لا استطيع ، لا استطيع . ولا تسألينى بعد ، ارجوك . .
ثقى اننى لا استطيع احتمال ذلك . لا استطيع ذلك . . افعل مرة شيئا من اجلى . . . مرة واحدة من اجلى . . . "
كان المعزف قد عاد يرسل الطنين والرنين من الجهة الاخرى ، فتطلعت الى فوق وقد استولى عليها الضجيج والصخب الهادر . الا ان منظره هو كان مضحكا الى درجة يتعذر وصفها . كان الرجل الصغير السمين احمر الوجه كانه كان قد تلقي ركلة وكانت عيناه تائهتين مفتوحتين ويداه تتدليان من اكماه القصيرة : كان منظره ، وهو واقف ، مؤلما محزنا . ولكن احاسيسها الناعمة تجمدت في كلمة قالتها فى حزم . " هذا مستحيل ! لقد وعدناهم بان نسافر معهم . . انسافر غدا والحال اننا قد اجرنا الغرف لمدة ثلاثة اسابيع ؟ . . انك . . إنت تعرض نفسك للضحك والسخرية . . أنا لا ارى اقل داع للسفر . . . لذا فانى ابقى هنا ، وارنا ايضا . . "
وقطع كلامها فى صخب بليد تعب . " اذا فى وسعى انا ان اذهب ، اليس كذلك ، انى ازعج هنا لا اكثر . . . اقلق راحتكما فقط . . . "
انتصب جسده المنحني المقوس واستحالت يداه الى مجامع اكف متوعدة . وكان عرق الغضب ينتفض خطرا فى جبينه الملتهب . كل شىء فيه كان متحفزا يريد ان ينطلق ، كلمة أو ضربة . غير انه استدار فجأة وهو يرتجف وتحسس طريقه بسرعة متزايدة ، يجر ساقيه الثقيلتين نحو الدرج وصعد الدرجات بسرعة كالمطارد .
اسرع يصعد الدرجات ، الآن الى الغرفة فقط ، ليكون وحيدا ، ليخضع نفسه ويعصر اعصابه حتى لا يرتكب عملا شنيعا . وسرعان ما بلغ الطابق الاعلى . وثمة - احس كان مخلبا ملتهبا يمزق احشاءه من داخل - وثمة تعلق بالحائط وقد ابيض وجهه حتى صار كالجير . اوه ، هذا الالم المسعور الموقد - الماجن ، وضغط اسنانه لكيلا يصرخ ويصيح باعلى صوته ثم انهد جسده فى نوح . لقد عرف فى الحال ماذا دهاه : مغص الصفراء ، عارض من تلك العوارض التى طالما عذبته في الابام الاخيرة ، ولكنها لم تعذبه قط عذابا شيطانيا كهذه المرة . " تجنب ما يثيرك " هذا ما قاله له الطبيب - تذكر ذلك فى نفس اللحظة ، فى غمرة الالم الموجع . فى دوامة الالم اخذ يسخر من نفسه فى خنق . " ما اسهل قول ذلك ، تجنب ما يثيرك . . ينبغى له ان يرينى ذلك مرة ، هو السيد الاستاذ ، كيف يتجنب المرء ما يثيره اذا كان . . اوه . . اوه . . . "
وتنهده بشدة . لقد كان المخلب اللامنظور ينهش لحمه ويعذب جسده فى قسوة . فأنسحب فى جهد الى باب البهو وفتحه وارتمى فوق التخت وعض
علي المخدة باسنانه . وما ان اضطجع حتى خفتت حدة الالم وهدأت الاظافر الملتهية التى كانت تنغرز فى امعائه الجريحة . وتذكر ان " لا بد ان اضع لفافة على بطني واتناول القطرات وبعدها سيتحسن حالى بسرعة . " الا انه لم يكن ثمة من يساعده . لا احد وهو نفسه لا يجد القدرة على الذهاب الى الغرفة المحاورة او الى زر الجرس فقط . وفكر في مرارة . " لا احد هنا . اني ساموت في يوم ما كالكلب . فانا اعرف تماما ماذا يوجنى هنا . . . انه ليس الصفراء . . بل هو الموت الذى ينمو فى اعماقى . . انا اعرف انى رجل منهار ، فلا العلاجات ولا الاساتذة يستطيعون مساعدتى . . الانسان لا يبل من مرضه في سنه الخمسين . . اني اعرف ماذا يثقب هنا ويحفر فى جسدى , انه الموت ، فالسنوات التى بقيت لى لن تكون حياة ، ستكون موتا فقط, موتا فقط . . . ولكن متى حييت انا . . عشت لنفسي ، لنفسى فقط ؟ اية حياة كانت : كنت اجمع الفلوس دائما ، الفلوس ، الفلوس ، وادخرها للآخر بن فقط . والآن مآذا افدت من ذلك ؟ كانت لى امرأة . تزوجتها طفلة وسهرت عليها ورعت جسدها فولدت لى طفلة ، من سنة الى اخرى كنت اعيش معها يضمنا فراش واحد ولنا انفاس واحدة . . . والآن ، اين هي الآن . . اني لم اعد اعرف محياها ، لم اعد اعرف صوتها . . انها تخاطبنى كانى غريب عنها ولا تفكر في حياتي ابدا . . لقد اصبحت غريبة عنى منذ سنوات . . فاين ذهب هذا كله ، اين ذهب ؟ . . وقد كانت لى طفلة تعهدتها يداى بالحفظ والرعاية . لقد كنت اعتقد آنذاك اننى سأبدأ حياة جديدة اسعد واهنا مما كنت اتصور انا نفسى ، فالمرء عندها لا يموت تماما . . وثمة تتركه لبلا وتذهب لترتمي في احضان الرجال . . ان موتى سيكون لى وحدى . . . لنفسي فقط . . فانا بالنسبة للآخرين قدمت قبل الآن . . يا الهى ، يا الهى ، اني لم اكن قط وح وحيدا مثل الآن . . . "
كان المخلب ينقض احيانا ثم يهدأ من جديد . ولكن الالم الآخر كان يدق صدغبه في اصرار وبصورة متزايدة ، افكاره ، هذه الحصيات الصلدة المدببة المحرقة دونما رحمة كانت تخز جبينه : لا تفكر الآن ، لا تفكر . وخلع السترة والصدرية بسرعة - وارتعد جسده المترهل البشع تحت القميص المجوف وضغط بيده ، حذرا ، مكان الالم فاحس " انا مجرد هذا الذى يؤلم هنا ، انا مجرد هذا ، هذه القطعة الحارة من جسدى . . مجرد هذا الذى يحفر فى داخلي لا يزال ملكى ، هذا مرضى ، موتى . . انا مجرد هذا . . هذا لا يعني اننى مستشار اللجنة وان لى زوجة وبنتا وفلوسا ودكانا . . لم يعد يعنى ذلك . ان هذا فقط حقيقة ، هذا الذى احسه بأصبعى ، جسدى والحار فى داخله الذى يؤلمني . . وما عداه جنون ، لم يعد ذا معنى . . . لان ما يؤلمني هنا يؤلمني وحدى . . وما يقلقنى هنا يقلقنى انا وحدى . . فهما لم تعودا تفهمانني ولم اعد انا بدورى افهمهما . . اننى وحيد مع نفسى ، وهذا شىء لم احس
به قط . ولكنى الآن اعرف معنى ذلك وانا مضطجع هنا احس بالموت ينمو تحت جلدى ، عرفت ذلك بعد فوات الاوان ، فى السنة الخمسين التى يكاد الموت فيها يزهق ارواحنا ، الآن ، فى الوقت الذى ترقص فيه زوجتى وابنتى وتتنزهان او تهيمان ، هاتان الفاجرتان ، الآن عرفت اننى كنت اعيش من احلهما فقط ، من اجل هاتين اللتين لا تشكراننى على ذلك ، ولم اعش لنفسى قط ، لم اعش لها ساعة واحدة . . . ولكن ماذا يهمنى من امرهما . . ماذا يهمني من امرهما . . لماذا افكر فيهما وهما لا تفكران فى ؟ . . افضل ان اموت على ان احظى بشفقتهما . . ماذا يهمنى من امرهما بعد . . . "
وهمدت آلامه تدريجيا ، خطوة بعد خطوة : ان اليد الحانقة لم تعد تنغرز بشدة في جسده المتوجع ، الا ان شيئا رطبا بقى بعد ان خفت الآلام او كادت , كان ثمة شئ غريب يضغطه من داخل ويحفر قبوا فى اعماقه ، كان مستلقيا على ظهره ، وعيناه مغمضتان يصغى ، فى انتباه ، الى هذا السحب القوى والتأكل البطئ : لقد احس كأن قوة غريبة مجهولة تحفر شيئا فى حناياه بواسطة آلة كانت مدببة فى اول الامر ثم تثلمت ، احس بشئ يرتخى وينحل في اعماقه ليفا فليفا . فتمزقه الآن لم يعد يؤلمه ، اذ انه لم يعد وحشيا كما كان قبل ذلك ، ولكن شيئا بدأ ينتفخ ويعظم ويتغضن فى داخله بهدوء وسكينة ، ثمة شئ بدأ يموت يبطء . كل الاشياء التى خبرها واحبها تلاشت فى هذه الشعلة البطيئة التأكل . لقد احترق كل شئ واسود وتورم قبل ان يتساقط فحما هشا فى وحل فاتر من اللامبلاة . ان شيئا ما قد حدث ، فقد احس به رطبا لزجا وهو مضطجع يفكر فى حياته بشغف . ان شيئا ما قد توقف ، انتهى . فما هو يا ترى ؟ وشرع يصغى ويصغى وسرعان ما بدأ قلبه ينهار تدريجيا .
كان مستلقيا على ظهره ، مغمض العينين ، فى الغرفة المظلمة قليلا ، وهو لا يزال نصف مستتيقظ نصف حالم . وبين الحلم واليقظة خيل اليه فى غمرة احاسيسه المختلطة هكذا : لقد خيل اليه ان شيئا لزجا يسيل من مكان ما ( من جرح غريب عنه لا يؤلمه ) ، يسيل حارا فى اعماقه ، وكأن دمه ينزف في دمائه . كان ثمة تيار خفي يسيل بسرعة دون ان يؤلمه ، ينساب كالدموع , فكانت القطرات تساقط فى فتور وانسياب ، وكل قطرة منها تصيب القلب فى الصميم . كأن قلبه المظلم يمتص ، فى صمت وهدوء ، هذا السائل الغريب ، يمتصه كاسفنجة . ثم بدأ يثقل ويتلاطم متكسرا فوق جدار صدره , الى ان امتلأ تدريجيا وفاض وثقل ، فعاد ينحدر ممددا اطنابة ساحبا عضلاته المتوترة . كان قلبه المعذب يهبط وينقاد لثقله . والآن ( كم اوجعه هذا ! ) الآن تملص قلبه الثقيل من الياف اللحم وبدأ يغرق ، ينحط دونما اسراع
وتمزق ورجفة - رسا فى اعماقه ببطء تام ، لم يهبط كالحجر ولا كالفاكهة الساقطة ، لا ، بل كاسفنجة ناشفة . كان يغيض ويغوص فى فراغ وفتور , فى لا مكان تحت ، خارجا عن ذاته هو ، فى ليل لانهائى . وفجأة شمل الصمت الرهيب المكان الذي كان يحتله هذا القلب الحار المعذب . لقد تثاءب ثمة شئ فارغ بارد رهيب . لم يعد يقطر ولم يعد بدق : لقد همد داخلة ، مات تماما . وتكور صدره ، مرتعشا مجوفا مظلما ، حول هذا اللاشئ الصامت- اللامدرك .
كان هذا الاحساس الحلمى قويا والارتباك عميقا الى درجة ان الرجل العجوز عند ما صحا ، تلمس الجانب الايسر من صدره لا اراديا ، وكأنه لم يعد يحمل قلبه بين جنبيه . ولكن ، الحمد لله ! كان لا يزال ثمة شئ بدق في بلادة وايقاع تحت الاصابع المتلمسة . ومع ذلك كان كأن قلبه قد ضاع منه وكأن دقاته مجرد نبض اصم فى الفراغ . فالغريب في الامر : لقد خيل البه ان جسده قد انفصل عنه ، فلم يعد ثمة الم موجع ولم تعد هناك ذكريات تعذبه وترجف اوصاله . لقد صمت كل شئ فى داخله وتصلب وتحجر . وفكر " كيف حدث هذا ؟ قبل حين فقط كان يؤلمني كثيرا . . قبل حين فقط كان فى اعماقى شىء حار جدا . . كانت اليافى تهتز كلها . فماذا جرى لى يا ترى ؟ " واصغى الى نفسه ، كشيء مجوف ، ليرى ما اذا كان قلبه قد همد ولكن هذا السيلان والخرير ، هذا التقطير والطرق كان بعيدا جدا - اصغى واصغى - ، ولكن لا شىء لا شئ ، لا شىء يرجع الصدى . لا شئ يوجعة , لا شئ يتفجر ، لا شىء يؤلمه : لا بد ان يكون داخله فارغا اسود كجوف شجرة محروقة . وخيل اليه فجاة كانه قد مات او ان شيئا فيه قد قضى , فدمه كان متوقفا فى صمت رهيب . حتى جسده كان مستلقيا تحته كحثة باردة . لقد خشى ان يتحسسه بيده الدافئة .
واصغى الى نفسه : انه لم يسمع ان دقات النواقييس الآتية من البحيرة تدق ساعاتها داخل غرفته باستمرار ، كل ساعة يلفها الفجر المتزايد . اما حوله فكان الظلام ينمو ويصبغ الاشياء بذلك السائل الغريب ، حتى السماء فى مربع النافذة اختفت فى الظلام التام . ولكنه هو لم يلاحظ ذلك . فقد كان يحدق فى الظلام الذى يسود اعماقه لا غير ، كان ينصت الى الفراغ فى ذاته وكانه يصغى الى موته .
وفجأة تعالت الضحكات والهمهمات من الغرفة المجاورة . واشتعل الضوء فى مكان قريب - تدفق شعاع منه عبر الباب المسند لا غير . فنهض فزعا : زوجته ، ابنته ! ستجدانه بعد حين فى فراشه ، وتسألانه ! وشد ازرار سترته وصدريته بسرعة : هل هما فى حاجة الى معرفة العارض الذى الم به ، وماذا يهمهما ذلك ؟
لكن المرأتين لم تبحثا عنه . لعلهما كانتا مستعجلتين ، فقد دق ناقوس الغداء دقته الثالثة . والظاهر انهما كانتا تتبرجان : كان يسمع كل حركة عبر الباب المفتوح . فالآن فتحتا الدرج ، الآن وضعتا الخواتم الطنانة في هدوء فوق المغسل ، الآن رمتا الاحذية فوق الارض . وكانتا فى خلال ذلك تتحدثان : كل كلمة ، كل مقطع كان ينساب فى سمعه بوضوح كريه . كان حديثهما فى اول الامر يدور حول السادة ، حول صدفة الرحلة القصيرة ، وعلى العلوم كان حديثا ماجنا متعثرا يسيرا مختلطا فى اثناء الغسل والانحناء والتنظيف ، ثم انتقلتا فجأة الى الحديث عنه .
فتساءلت ارنا وهى متعجبة من تفكيرها فيه فى هذا الوقت المتأخر . " اين ابى يا ترى " " ومن اين لى ان اعرف ذلك ؟ " - كان هذا صوت امها . لقد غضبت لمجرد ذكره . " لعله ينتظر فى البهو تحت ، ويقرأ اسعار البورصة للمرة المائة فى جريدة " فرانكفورتر تسايتونغ " - فيما عدا ذلك لا يهتم بشئ على الاطلاق . هل تعتقدين انه شاهد البحيرة مرة ؟ لقد اخبرني ظهر اليوم بانه ليس معجبا بهذا المكان ، فهو يريد ان نسافر اليوم . " ورن صوت ارنا من جديد . " نسافر اليوم ؟ ولماذا يا ترى ؟ . .
" لا اعلم . ومن يستطيع معرفة طبائعه ؟ ان اختلاطنا لا يعجبه ، فالظاهر انه لا يحب رؤية السادة معنا - لعله يشعر بانه غير لائق بهم . حقا انه لمن العار ان يلف دوما بثياب مكسرة وياقة مفتوحة . . ينبغى لك ، لك ان تنبيه الى ذلك ، على الاقل ليظهر فى المساء بمظهر يليق به ، فهو يسمع لك . واليوم قبل الظهر . . . لقد خيل الى ان الارض ستبتلعنى حتما ، عند ما و وبخ " طبننطا " بسبب القداحة . . . "
" اجل يا اما اماه . . كيف حدث ذلك ؟ . . لقد اردت ان اسالك سلفا ماذا جرى لابى ؟ انى لم اره هكذا قط . . . حقا لقد فزعت . "
" اوه ... كان سئ المزاج لا اكثر . . لعل اسعار البورصة قد هبطت ... او لاننا تحدثنا بالفرنسية . . . انه لا يستطيع رؤية الآخرين مرحين ... انك لم تلاحظى ذلك : عند ما كنا نحن نرقص كان هو واقفا عند الباب كقاتل خلف الشجرة . . السفر ! السفر فى الحال ! لمجرد انه اراد ذلك فجأة ... اذا كان هذا لم يعجبه ، فينبغي له ان يتركنا نظل على مرحنا . . ولكنى لا اهتم بمزاجه ، فليقل ويفعل ما يريد . "
وانقطع الحوار . الظاهر انهما كانتا قد انتهتا من غسلة المساء فى اثناء الحوار : اجل ، لقد فتح الباب وخرجتا الآن من الغرفة ، فطقطق زر المصباح ومات الحوار .
كان الرجل العجوز فوق الاريكة فى صمت . لقد سمع كل كلمة . ولكن الغريب ان ذلك لم يعد يؤلمه ، لم يوجعه اطلاقا . فالشيء الذي كان قبلا بدق ويمزق ، هذه الساعة المتوثبة وقفت صامتة فى صدره ، لا بد ان تكون قد تحطمت . فان اى شىء لم يرتج فى غمرة هذا التماس الحاد . . . لا غضب ، لا كره . . لا شئ . . وقفل ازرار ملابسه فى هدوء ونزل الدرج في حذر وجلس الى مائدتهما وكانه يجالس ناسا غرباء .
لم يكلهما فى تلك الامسية ، وهما ايضا لم تلاحظا سكوته المتوعد كمجامع الكف . عاد الى غرفته من غير تحية واضطجع في فراشه واطفأ النور . اما زوجته فلم تعد من سهرتها الا في ساعة متأخرة من الليل . ربما انها قد ظنته نائما ، فانها خلعت ثيابها فى الظلام . وبعد لحظة سمع انفاسها الثقيلة الهنيئة
كان وحيدا مع نفسه ، يحدق فى فراغ الليل اللامتناهى . والى جانبه كان ثمة شىء مضطجع يتنفس بعمق : حاول ان يتذكر ان هذا الجسد الذى يستنشق نفس الهواء فى نفس الغرفة هو نفس الجسد الذى كان ملكه ، عرف متفتحا يافعا ، وهب له طفلة وارتبط به باعمق اسرار الدم . حاول جاهدا ان يتذكر ان هذا الجسد الدافىء الطرى الذى يرتاح الى جانبه ويستطيع ان يلمسه بيده كان مرة حياة فى حياته . والغريب : ان الذكريات لم تعد تثير مشاعره . فلم يكن يسمع هذه الانفاس الا كما يسمع الامواج الصغيرة المتهامسة عبر النافذة وهى تقبل حصى الشاطئ فى قرقرة . كل ذلك بعيدا عديم الكيان ، فهناك بعد مجرد جوار ، صدفة وغرابة : لقد انتهى ، انتهى الى الابد .
وارتعدت مفصله مرة اخرى : لقد انفتح باب غرفة ابنته المجاورة فى هدوء تام . " اذا فاليوم مرة اخرى " - وشعر بوخزة صغيرة فى قلبه الذى ظنه مات وارتجف لحظة شىء كالعصب قبل ان يموت ثم انتهى امر ذلك ايضا " فلتفعل ما يحلو لها ! ماذا يهمنى من امرها بعد ! "
واستلقى فوق المخدة من جديد ، والظلام يسيل رطبا فى صدغيه المؤلمين . ثم سرت فى دمائه برودة زرقاء خيرة . وسرعان ما ظللت افكاره الكليلة سنة نحيلة .
عندما استيقظت الزوجة في الصباح رأت زوجها يرتدى المعطف والقبعة فسألته وهى لا تزال بين النوم واليقظة " ماذا تفعل هنا ؟ "
ولكنه لم يلتفت اليها ، بل ظل دونما اهتمام يضع ملابسه الليلية فى الحقيبة اليدوية . " انت تعلمين انى قررت العودة الى البلد . سآخذ الضرورى فقط . اما الباقى فان فى وسعكما ارساله الى فيما بعد "
واجفلت المرأة . ماذا جرى ؟ انها لم تسمع صوته هكذا قط : كانت الكلمات تندفع من بين اسنانه باردة جامدة تماما . ووثبت من الفراش بكلتا قدميها " " انظر . . سنسافر نحن ايضا ، فقد اخبرت ارنا بذلك . . " غير انه اشار فى رفض بات . " لا . . لا . . لا تهتما بي . " وتقدم نحو الباب من غير ان ينظر حوله . كان عليه ان يضع الحقيبة للحظة فوق الارض , وذلك لينزع المزلاج . وفى هذه اللحظة المرتجفة تذكر : الف مرة وضع الحقائب النموذجية امام ابواب الاجانب على هذه الصورة ، وذلك قبل ان يخرج من عندهم مقوس الظهر وهو يودعهم فى ذلة على ان يلتقى بهم عند القيام بالمهمات التالية . اما هنا فانه لم يعد له اى نوع من العمل : هكذا تنازل عن كل تحية . ودونما نظرة ، دونما كلمة التقط الحقيبة ثانية واوصد الباب ، مرتجفا ، بينه وبين حياته الماضية .
لم تفهم الام والبنت حقيقة ما جرى . الا ان قسوته الظاهرة وقرار السفر المفاجى كانا قد اقلقاهما . وسرعان ما بدأتا تكتبان الية الرسائل المطولة إلى البلدة فى المانيا الجنوبية ، محاولتين تفسير ما غمض عليهما ، فقد كانتا تظننا ان ثمه سوء تفاهم . وسألتاه فيها فى حنان ورقة واهتمام بالغ كيف كانت سقرته وكيف وصل الى البلد واعربتا عن استعدادهما لقطع السفرة والعودة الى البلدة فى اى وقت اراد ، ولكنه لم يجب . فكتبتا رسائل مستعجله وارسلتا اليه البرقيات : لم يرد جواب . وكل ما وصل من الدكان هو المبلغ الذي اعتبرته احدى الرسائل شيئا ضروريا : حوالة بريدية تحمل طابع الدكان من غير ان تخط فوقها كلمة ، من غير سلام .
ودفعتهما هذه الحال العويصة الخانقة الى الاسراع بالعودة الى البلد . ومع انهما كانتا قد ارسلتا برقية تتضمن خبر وصولهما فانهما لم تجدا احدا بنتظرهما فى المحطة . حتى فى البيت لم تجدا شيئا معدا : ان الرجل العجوز , كما ذكر الموظفون قد وضع البرقية فوق المكتب وذهب دون ان يأمر بشئ . وفي المساء ، كانتا تتناولان طعام العشاء ، سمعتا اخيرا صوت الباب : وثبتا تستقبلانه ، فحدق فيهما مستغربا - الظاهر انه نسي البرقية - دون ان يبدو عل ملامحه تعبير خاص ، وصبر ، فى جمود على عناق ابنته . وتركهما تقودانه الى غرفة الاكل وترويان له . ولكنه لم يوجه اليهما اسئلة ، بل كان يمتص سكارته فى صمت ، فتارة يقتصد فى الاجابة وتارة اخرى يتجاهل السؤال الموجه الية : كانه نائم وعيناه مفتوحتان . واخيرا نهض فى جهد وذهب الى غرفته . بقى الحال هكذا فى الايام التالية . لقد حاولت المرأة المهمومة عبثا ان تكلمه : كلما ازداد الحاحها عليه ازداد تملصه منها . شئ ما كان مسدودا فيه ، اصبح مغلقا ، مدخلا مسورا . كان لا يزال يجلس معهما الى مائدة الاكل ولكنه كان
يلزم الصمت طوال الوقت اذا كان فى بيته ضيوف ، فلا يشارك في شه . وحين تقع انظار الضيوف عليه فى اثناء الاحاديث ، كانت تستبد بهؤلاء احاسيس مؤلمة ، لان نظرته الميتة كانت ضحلة بليدة وهي تحدق فى الفراغ حولهم .
وسرعان ما لاحظ حتى اغرب الناس غرابة اطوار الرحل العجوز . حتى معارفه كانوا قد بدأوا يتحدثون عنه خفية اذا التقوا به فى الشارع : كان , وهو احد اغنياء المدينة ، يتسلل كالسائل على طول الجدار وقبعته مائلة مكسرة ، وقد علق بسترته رماد السيكار . كان يهتز عند كل خطوة ويتمايل ويحدث نفسه بصوت نصف عال . وحين يسلم عليه يرفع نظرة فزعة ، وعندما يخاطب يحدق فى محدثه وينسى ان يصافحه . كان بعضهم في اول الامر يعتقد انه اصم ولذا كانوا يعيدون كلامهم بصوت اعلى . ولكنه في الواقع لم يكن كذلك . لقد كان فى حاجة الى وقت ليفيق من نومه الداخل على ان يعود الى ضياعه الغريب فى اثناء الحديث ثم ينطفئ فجأة نور عينه وينقطع عن الكلام بسرعة ويواصل سيره من غير ان يلاحظ دهشة الآخر . كان يبدو دوما منزعجا من حلم واه ، من انشغال غائم مع النفس : لقد لوحظ ان البشر لم يعودوا موجودين بالنسبة له . فلم يكن يسأل عن احد ولم يلاحظ اليأس الذي استبد بزوجته وتساؤل ابنته الحائر . انقطع عن قراءة الحرائد والمشاركة فى الحديث . فالكلمات والاسئلة لم تكن تستطيع ان تنفذ الى لامبالاة ذاته الغائمة المغلقة ولو للحظة واحدة . حتى عالمه الخاص اصبح غريبا عنه : دكانه ففى بعض الاحيان كان يجلس فى مكتبه كليلا لتوقيع الرسائل . وحينما كان الكاتب يعود اليه بعد ساعة لاخذ الاوراق الممضاة كان بجده على الوضع الذي تركه فيه ، يتأمل الرسائل غير المقروءة بنظرة فارغة . وفى النهاية لاحظ هو نفسه عدم الفائدة من وجوده فانقطع عن الظهور نهائيا .
كان اغرب شئ واعجبه فى نظر المدينة كلها : ان الرجل العجوز الذى لم يكن فى يوم ما متدينا اصبح يظهر الورع والتقوى . فهو لم يكن يحافظ على مواعيد الاكل وغيرها ولم يكن يهتم بشىء ، ولكنه لم يهاول فى الذهاب الى المعبد كلما حان وقت الصلاة : كان يقف هناك ، وعلى رأسه قبعة مخملية سوداء وفوق كتفيه معطف الصلاة ، فى المكان نفسه كما كان يفعل ابوه سابقا ويحرك رأسه وهو يردد المزامير . هنا ، فى هذا المكان نصف المهجور ، حيث تدوى فى سمعه كلمات غريبة غامضة ، هنا كان يجد احسن حالة يكون فيها وحيدا مع
نفسه . هنا كان يجد نوعا من الهدوء يقلل من حدة اضطربه ويشجع المظل فى صدره . فاذا قرئت الصلاة على ميت ورأى اطفال الميت واصدقاءه واقاربه يطلبون له الرحمة فى ورع وخضوع وخشوع - اذا رأى ذلك تكدرت عيناه . انه كان الاخير ، فقد عرف ذلك . ولن يصلى عليه احد . وهكذا بدأ يصلى معهم ويهمهم ويفكر فى نفسه وكانه يفكر في ميت .
وذات مساء ، فى ساعة متاخرة ، كان راجعا من احدى نزهاته الهائمة , فهطلت عليه الامطار فى اثناء الطريق وكان قد نسى المظلة كعادته ، وعلى الرغم من ان سيارات الاجرة كانت معدة باسعار زهيدة ، والابواب والمشرف الزجاجية كانت تدعوه لتحمية من الامطار المتهاطلة بسرعة ، فانه ظل يهتز ويتمايل تحت المطر . وواصل سيره وقد تجمعت القطرات في قبعته كمستنقع متقطر . كانت اكمامه المبتلة تسيل جداول فوق خطاه : لم يهتم بهذا كله ، بل ظل يواصل سيره ، وهو يكاد يكون الوحيد فى الشارع الخالى . وعلى هذه الحالة وصل ، مبتلا متقاطرا ، كان اشبه بطريد منه بصاحب هذه الدارة الانيقة التى كانت فى انتظاره ، وصل الى مدخل بيته فى الوقت الذى وقفت امامه سيارة ، وقذفته باضوائها الساطعة المترامية . وحين تراجعت الى الوراء رمته بالوحل المائى وهو يسير غير منتبه . وفتح باب السارة المضاءة ، فنزلت منه زوجته وخلفها زائر نبيل يحمل مظلة ورجل ثان . التقوا جميعا امام الباب . وما ان عرفته المرأة حتى فزعت حينما رأته فى تلك الحالة ، يقطر الماء منه ، وهو مدعوك كرزمة اخرجت من الماء ، وادارت نظرها بعيدا عنه لا اراديا . ففهم بسرعة : لقد خجلت منه امام الضيوف ، ومضى دونما تأثر او حنق ، ليعفيها من آلام التقديم والتعارف ، يقطع الخطوات الباقية ، وكانه غريب ، الى ان وصل درج الخدم : هناك انعطف الى الداخل فى خشبوع .
منذ ذلك اليوم اصبح لا يستعمل فى بيته الا درج الخدم : هنا كان متاكدا من انه لن يلتقى بأحد . هنا لا يزعج احدا ولا يزعجه احد . ولم يكن يظهر حتى فى اوقات الطعام - كانت خادمة عجوز تجلب له الاكل الى غرفته . واذا حاولت زوجته او ابنته الدخول اليه مرة ، فانه سرعان ما يطردها فى رفض حائر لا يقهر . وفى النهاية تخلتا عنه ، تركتاه لوحدته . وتعودتا على عدم السؤال عنه ، ولم يكن هو بدوره يسأل عن شىء . وكثيرا ما كان يسمع الضحكات والموسيقى عبر الجدران ، آتية من الغرف الاخرى التى اصبحت غريبة عنه ، كان يسمع السيارات تنطلق من امام بيته وتتحرك وتدوى الى
ساعه متأخرة من الليل . غير انه لم يكن يهتم بهذا كله الى درجة انه لم يطل مرة من النافدة : ماذا يهمه من ذلك ؟ وفى بعض الاحيان كان الكلب يصعد اليه وينام امام الفراش المنسى .
لم يعد قلبه الميت يؤلمه . ولكن الخلد الاسود كان لا يزال ينهش اعماقه ويمزق جسده المرتجف . وتوالت عليه العوارض من اسبوع إلى آخر . وبالتالى اذعن المعذب للالحاح الطبى الذى كان يطالبه باجراء فحص خاص . ونظر الطبيب اليه فى جد . ثم استعد فى حذر ليخبره بضرورة اجراء عملية جراحية . ولكنه لم يفزع من ذلك . لقد ضحك في وجوم لا اكثر : الشكر لله ، لقد انتهى الآن كل شئ . فلينته الموت ، لقد جاء الطبيب الآن ، الموت . ومنع على الطبيب ان يخبر اهله بشئ من ذلك وطلب منه ان يعين له اليوم واخد يستعد لذلك . ذهب للمرة الاخيرة الى الدكان ( حيث لى ينتظره احد وتطلع فيه الكل كغريب ) ، وجلس مرة اخرى فوق الكرسي المبطن بالجلد الأسود الذى جلس عليه ثلاثين سنة ، حياته كلها ، آلاف الساعات . وبعد ان اخذ دفتر الحوالات ملأ احدى الاوراق : حمل ذلك الى رئيس البلدية الذي فزع تقريبا من ارتفاع المبلغ . لقد كان قد خصصه للاعمال الخيرية ولقبره . ولكى يتجنب كلمات الشكر خرج مسرعا . وعندئذ سقطت منه قبعته ، ولكنه لم ينحن حتى لرفعها . وواصل سيره هكذا برأس عار ووجهه الشاحب المتغضن يوزع نظرات واجمة ( كان المارة ينظرون اليه فى دهشة ) ، ووصل الى ضريح والديه فى المقبرة . هناك تامله بعض العاطلين وتعجبوا منه كثيرا :
قد تحدث طويلا الى الاحجار نصف المتعفنة كما يتحدث المرء الى الناس . هل كان يعلن نعيه ام انه كان يرجو ويلتمس بركتهما ؟ لا احد سمع الكلمات - شفتاه فقط كانتا تتحركان فى صمت ورأسه المرتج يزداد في صلاته من انحناء . وعند ما غادر المقبرة ازدحم حوله السائلون ، فقد كان معروفا جدا . وحينئذ بدأ ببحث بسرعة فى جيوبه عن الاوراق والقطع النقدية . وما ان وزع كل شىء حتى اقبلت عليه بعد ذلك عجوز عرجاء قذرة الثياب واخذت تتباكى امامه . فبحث مرتبكا ، فى كل مكان - لم يجد شيئا ولكن شيئا غريبا ثقيلا كان لا يزال يضغطه فى اصبعه : خاتم الزواج الذهبي وانتابه نوع من الذكريات - نزعه من اصبعه بسرعة وقدمه الى المرأة المندهشة هكذا ، فقيرا ، فارغا ووحيدا تماما ، دخل تحت المبضع .
عندما استيقظ مرة اخرى من البنج ، دعا الاطباء ، وقد تبينوا خطورة الحال ، زوجته وابنته الى الغرفة ، وكانتا قد اخبرنا بذلك فى اثناء العملية . وفتح عينيه عبر حاجبيه الزرقاوى الظلال : وحدق مستغربا ، فى بياض الغرفة التى لم يرها قط فيما قبل . " اين انا ؟ . "
عندئذ انحنت فوقه ابنته ، فوق وجهه المسكين الخرب ، وذلك لتؤنسه وتلاطفه . وفجأة ارتجف شىء فى انسان عينيه المتحسستين فى عمى . لقد سطع ضوء ، شىء صغير فى بؤبؤ عينه ، عرفها : هى هنا اذا ، ابنته المحبوبة بلا نهاية ، هى هنا اذا ، ارنا الفتاة الجميلة اللطيفة ! وانحلت الشفة المريرة ببطء تام - ابتسامة ، ابتسامة صغيرة جدا ، كان فمه قد تركها منذ مدة طويلة ، بدأت تشع فى حذر . فانحنت فوقه ، وقد اثر فيها هذا الفرح المجهد , لتقبل وجنته العديمة الدماء .
ولكن هناك - هل كان العطر الحلو هو الذى ذكره ام ان المخ نصف الذاهل كان قد تذكر اللحظات المنسية ؟ - اعترى الاسارير التى كانت قبل حين سعيدة فجأة تغير مخيف : كانت شفتاه العديمتا اللون قد التصقتا فجأة رافضة فى حنق وغضب ، وكانت يده تعمل تحت الغطاء وتريد ان ترتفع كما لو كانت مفهومة . " اذهبى . . اذهبى . . " هكذا ارتسمت ، بصورة رهيبة من شدة التأثر . وانطلقت من شفتيه الشاحبتين كلمات غير واضحة ولكنها كانت مفهومة . " اذهبى . . اذهبى . . " هكذا ارتسمت ، بصورة رهيبة على اساريره المرتجفة علامات الكراهية . كانت اشبه باسارير من لا يستطيع الفرار ، بحيث ان الطبيب ابعد المرأتين عنه وهو مهموم . وهمس . " انه يهذى . . الاحسن ان تتركاه الآن وحيدا . "
وما كادت الاثنتان تذهبان حتى انبسطت الاسارير المتكمشة من جديد وغامت منهوكة فى نعاس فارغ . كانت انفاسه لا تزال تتصاعد فى كلل - كان صدره يحشرج ويسحب من اعماق الاعماق انفاس الحياة الثقيلة . ولكنه ما اسرع ما عجز عن تجرع هذا الغذاء الانسانى المرير وعندما لمس الطبيب ، مختبرا ، القلب وجده قد انقطع عن ايلام الرجل العجوز .

