الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

انواع القصص فى (( كليلة ودمنة )) 1

Share

ان قصص (( كليلة ودمنة )) ، على الرغم من تعدد مواضيعه وتنوع مواقفه وأساليبه , يمكن أن يصنف أربعة أصناف ( 2 ) إذا نظرنا اليه من حيث طبيعة الموضوع الجوهرية والغرض الذى يرمى اليه :

- القصص السياسى - القصص الاجتماعى - القصص الاخلاقى - الترجمة الذاتية

القصص السياسى يشتمل (( كليلة و دمنة )) على ثلاثة نماذج ( 3 ) قيمة من القصص السياسى :

أ - باب الأسد والثور ب - باب الفحص عن أمر دمنة ج - باب البوم والغربان .

نجد فى باب الاسد والثور وصفا دقيقا لما يجرى فى بلاط الملوك والساسة - رغم اختلاف المكان والزمان - من تحاسد وتنافس ، ومكر واحتيال ، ودسائس ومؤامرات ، وبعبارة أدق ، من صراع عنيف لا هوادة فيه بين اصحاب المصالح والنزعات المتضاربة الذين يلتفون حول كل سلطة سياسية .

نرى كيف يستبد الطموح والحسد ببعضهم ( نعنى دمنة ) فاذا هو لا يقيم وزنا لداعى الضمير وللقيم الاخلاقية فيقدم على الفتنة والاجرام ، عابثا بسلطة الملك موجها اياها الوجهة التى تخدم مصلحته الخاصة وتبقى على منزلته .

جاء فى (( كليلة ودمنة )) : (( فلما رأى دمنة ان الثور قد اختص بالملك دونه ودون اصحابه . وانه صار صاحب رأيه وخلواته ولهوه حسده حسدا عظيما ، وبلغ منه غيظه كل مبلغ ، فشكا ذلك الى أخيه كيلة ، وقال له : ألا تعجب يا أخى من عجز رأيى ، وصنعى بنفسى ، ونظرى فيما ينفع الأسد ، وأغفلت نفع نفسى ، حتى جلبت الى الاسد ثورا غلبنى على منزلتى .

قال كيلة : أخبرنى عن رأيك ، وما تريد ان تعزم عليه فى ذلك . قال دمنة : أما أنا فليست اليوم ارجو أن تزداد منزلتى عند الاسد فوق ما كانت عليه . ولكن ألتمس أن أعود الى ما كنت . . وانى لما نظرت فى الامر الذى به أرجو ان تعود منزلتى وما غلبت عليه مما كنت فيه لم أجد حيلة ولا وجها الا الاحتيال لآكل العشب هذا ، حتى أفرق بينه وبين الحياة ، فأنه إن فارق الأسد عادت لى منزلتى . . )) ( 4 )

وجاء فى الكتاب على لسان كليلة : (( . . وانك يا دمنة جامع للخب والخديعة والفحور وانى أخشى عليك ثمرة عملك ، مع انك لست بناج من العقوبة ، لأنك ذو لونين ولسانين . وانما عذوبة ماء الانهار ما لم تبلغ الى البحار . . وانه لا شئ أشبه بك من الحية ذات اللسانين التى فيها السم ، فانه قد يجرى من لسانك كسمها . وانى لم أزل لذلك السم من لسانك خائفا , ولما يحل بك متوقعا . والمفسد بين الاخوان والاصحاب كالحية يربيها الرجل ويطعمها ، ويمسحها ، ويكرمها ، ثم لا يكون له منها غير اللدغ . . )) ( 5 )

وهذا الفصل أحد اثنين ( ثانيهما باب البوم والغربان ) امتازا بصدق الواقعية لان صاحب الكتاب نفذ فيهما الى صميم الحياة السياسية . وقد وفق خاصة فى باب الاسد والثور ، الى تصوير ضروب من السلوك والنزعات لم نزل قائمة الى اليوم لا يخلو منها أى مجتمع ولا أية بيئة سياسية ، مهما

يكن حظها من التوازن والصلاح . وبهذا يكون صاحب الكتاب قد كشف لنا عن جانب دائم من الطبيعة البشرية وعن حقيقة جوهرية ثابتة لم يغيرها الزمن ولا تطور الحضارة عبر عصور التاريخ .

أما باب (( الفحص عن أمر دمنة )) فموضوعه محاكمة دمنة بما فى ذلك تحقيق التهمة الموجهة اليه . ثم دفاع دمنة الجرئ البليغ عن نفسه . ثم الحكم باعدامه بمقتضى الحكم الشرعى أى شهادة شاهدين .

أهم عبرة نستخلصها من هذا الباب ليست تلك التى نجدها مذكورة فى خاتمته وهى آخر جملة فيه . (( فمن نظر فى هذا فليعلم ان من أراد منفعة نفسه بضر غيره بالخلابة والمكر فانه سيجزى على خلابته ومكره )) ( 6 )

فهذا مغزى قريب واضح ، ولو لم يذكر لتفطن اليه القارئ . أهم عبرة هى تلك التى تستخلص من دفاع دمنة القوى الرائع عن نفسه .

لقد صرح دمنة بحزم وقوة بيان بأنه من الظلم الفادح أن يؤاخذ الانسان ويقتص منه بمجرد التهمة تسلط عليه من غير استناد الى بينة او حجة قاطعة .

قال دمنة : (( فينبغى ألا يعجل الملك فى أمرى بشبهة . ولست أقول هذا كراهة للموت ، فانه وان كان كرريها لا منجى منه ، وكل حى هالك . ولو كانت لى مائة نفس واعلم ان هوى الملك فى اتلافهن لطبت له بذلك نفسا . فقال بعض الجند : لم ينطق بهذا لحبه الملك ، ولكن لخلاص نفسه والتماس العذر لها . فقال له دمنة : ويلك ، وهل على فى التماس العذر لنفسى عيب ؟ وهل أحد اقرب الى الانسان من نفسه ؟ واذا لم يلتمس لها العذر فلمن يلتمسه ؟ لقد ظهر منك ما لم تكن تملك كتمانه من الحسد والبغضاء ، ولقد عرف من سمع منك ذلك أنك لا تحب لأحد خيرا ، وانك عدو نفسك ، فمن سواها بالاولى ! . . )) ( 7 )

اننا نستشف من خلال (( الفحص عن أمر دمنة )) تعريضا بظلم الملوك وتنديدا بفساد نظام العدالة فى عهود الاستبداد والطغيان ومنها عصر

المنصور . يقتل المرء لغير ما جرم . . لمجرد الظنة او الشبهة او الوشاية , والغاية ( أى منعة الدولة ) تبرر الوسائل ، وان تكن خسيسة رذلة .

ومن ثم ففى هذا الباب دعوة الى اثبات حق الفرد فى الدفاع عن نفسه ، وفى أن يحاسب أو يحاكم فى وضوح وفى نطاق الشرعية التامة ( 8 ) . وهذا الحق هو بعض مما نسميه اليوم حقوق الانسان ويعد من أصول الديمقراطية .

واذن فالجانب الاهم ، لما فيه من نزعة ثورية ، يتمثل فى اصلاح القضاء والمطالبة باقرار العدالة . ( 9 )

فى هذا الجانب بالذات نجد تلميحا فنيا بارعا إلى فساد الوضع السياسى , وخاصة القضائى ، فى عهد ابن المقفع ودعوة الى الحد من سلطة الملوك المطلقة .

ووجه البراعة الفنية لا يتمثل فى التلميح فقط ، وانما فى وضع مغزى القصة ، بما فيه من سمو وشرعية ، على لسان المجرم المحتال . هنا المفارقة التى تدل على طول الباع والتمكن فى فن القصة .

لئن كان باب (( الأسد والثور )) يصف مجرى السياسة الداخلية - وخاصة الصراع من أجل السلطة فى بلاطات الملوك والساسة - فموضوع الباب الثالث ) وهو مكمل للباب الأول ( السياسة الخارجية وعلى الاصح وجه منها هو علاقة الدول فى حال الخصومة او الحرب .

نرى فى هذا الباب كيف استطاع الغراب بفرط دهائه ان يغالط ملك البوم ويوهمه ، وقد جاءه مستجيرا ، بأنه يريد أن يقتص من قومه حتى أنس به

وقربه اليه . وبعد ان اطلع الغراب على شؤون أعدائه ارتحل الى قومه ودلهم على الطريقة التى تمكنوا بها ، رغم ضعفهم ، من قهر البوم والانتقام لأنفسهم . ( 10 )

وهذه القصة تعد بحق نموذجا موفقا من قصص التجسس تلك التى تعرض لنا اليوم أساليب مصالح الاستعلامات الملتوية بما تنطوى عليه من حيل عجيبة ومغامرات شيقة مدهشة . ان القصص فى (( كليلة ودمنة )) ، فى رأينا ، لم يقترب من حقيقة الحياة ومن الواقع المشهود قدر ما اقترب فى هذين البابين . وما الحيوان فيهما الا مجرد أقنعة شفافة حتى لتكاد تنعم فنغفل عنها ونسهو تماما ، فاذا نحن نقرأ قصة بشرية ، ظاهرا وباطنا ، وذلك لان ضروب السلوك والنزعات ورد الفعل فى خط سيرها ، فى التوائها وتداخلها واشتباكها كل ذلك بشرى بحث . ويكفى ان نبدل أسماء الحيوان بأسماء بشرية مع تعديل بسيط للاطار لينقلب القصص وثيقة صريحة تفضح ما يجرى فى خفايا مسارح السياسة من احداث فى كل عصر .

القصص الاجتماعى لئن كان القصص السياسى تغلب عليه الواقعية فان القصص الاجتماعى أقرب الى منحى التوجيه والى المثالية ، ونزعة الاصلاح فيه أبرز وأصرح .

وخير ما يستشهد به لهذا المنحى التوجيهى والنزعة الاصلاحية المثالية باب (( الجرذ والسنور )) ( 11 ) وخاصة باب (( الحمامة المطوقة )) لما يتضمن من مبادئ جديدة بالنسبة الى تلك الفترة القلقة المضطربة التى ظهر فيها الكتاب .

يمكن ان نستنتج من مثل (( الجرذ والسنور )) حين وقعا فى الورطة فنجوا باصطلاحهما جميعا من الورطة والشدة )) أهمية التعامل والتعاون مع الخصم او العدو ، إذا اقتضت المصلحة ذلك ، على ان يقع هذا التعاون فى حدود وحسب شروط منها التزام الحذر والأخذ بالحيطة الشديدة ، وعلى ان يكون الخصم المتعامل معه آمن خصومنا وأقلهم خطر علينا فى فترة اضطرارنا اليه . ( فكرة وجوب تخير الخصم المتعامل معه لان بعض الشر أهون من بعض ) ثم ان أمد التعاون ينبغى أن يكون موقوتا بحسب المصلحة يزول بزوالها من غير أن يؤول ذلك حتما الى افساد علاقة الطرفين .

قال الفيلسوف ( بيدايا ) : إن المودة والعداوة لا تثبتان على حالة واحدة أبدا . وربما حالت المودة الى العداوة ، وصارت العداوة ولاية وصداقة . ولهذا حوادث وعلل وتجارب ، وذو الرأى يحدث لكل ما يحدث من ذلك رأيا جديدا : أما من قبل العدو فبالبأس . واما من قبل الصديق فبالاستئناس . ولا تمنع ذا العقل عداوة كانت فى نفسه لعدوه من مقاربته والاستنجاد به ، على دفع مخوف أو جر مرغوب ، ومن عمل فى ذلك بالحزم ظفر بحاجته . )) ( 12 )

وجاء فى نفس الباب ما يلى على لسان الجرذ وهو يخاطب السنور : (( والعاقل صالح عدوه اذا اضطر اليه ، ويصانعه ويظهر له وده ، ويريه من نفسه الاسترسال اليه اذا لم يجد من ذلك بدا . ثم يعجل الانصراف عنه حين يجد الى ذلك سبيلا . واعلم ان سريع الاسترسال لا تقال عثرته . والعاقل يفى لمن صالحه من اعدائه بما جعل له من نفسه ، ولا يثق به كل الثقة ، ولا يأمنه على نفسه مع القرب منه . وينبغى ان يبعد عنه ما استطاع . وأنا أودك من بعيد ، وأحب لك من البقاء والسلامة ما لم أكن احبه لك من قبل . . . )) ( 13 )

الفكرة الرئيسية التى تدور عليها القصة هى اذن ضرورة مسايرة الظروف المعاكسة ( اجتماعية كانت او سياسية ) والانسجام معها بغية السيطرة عليها واستخدامها . . التكيف مع معطيات الواقع ، مها كلفنا ذلك من كدر وضيق , من مشقة ومرارة .

ان الرجل الكيس اللبيب يستطيع ان ينتفع ويجتنى خيرا حتى من ألد خصومه وأعدائه . . شأن الملاح الماهر الجرئ لا يزال يعالج التيار العارم بحزم ورفق , يسايره تارة وينحرف عنه اخرى ، مستندا اليه مستمدا من قوته حينا ومعاكسا اياه حينا آخر حتى يخلص منه ويبلغ الغاية .

انها دعوة الى المرونة فى التفكير والسلوك ، الى الواقعية الايجابية التى قوامها فن اختيار او استنباط الحل الوسط الانجع ، والتى تحرص على التوفيق بين ضرورات الساعة ومقتضيات الظروف الحادثة الطارئة وبين الاهداف البعيدة والغايات الثابتة ليتم (( التعايش )) وذلك بنبذ التقاطع والانطواء والحد من التوتر وممارسة العنف .

ان مغزى (( الجرذ والسنور )) درس من أكيس الدروس فى السلوك الاجتماعى ( والسياسى أيضا ) وهو يتجاوز حدود القصة ومضمون الحادثة لانه يدعو الى التعاون مع الخصم او العدو لا فقط فى حال الخصومة والحرب بل فى حال السلم ايضا . (( ولا تمنع ذا العقل عداوة كانت فى نفسه لعدوه من مراقبته والاستنجاد به على دفع مخوف أو جر مرغوب . . )) ( 14 )

أما باب (( الحمامة المطوقة )) فيشترك مع باب (( الجرذ والسنور )) فى نزعة التوجيه الا ان المثالية تهيمن عليه الى حد بعيد حتى انه لعد صورة من صنع الوهم والخيال .

يتلخص مضمون القصة فى تصادق بعض الحيوانات وتعاونهم فى حال المحنة ، على الرغم من اختلاف انواعها وانتفاء القرابة بينها بل وتضاد طباعها .

فى القصة مغزيان أحدها أخلاقى والاخر اجتماعى . اما المغزى الاول فقريب صريح . هو تمجيد الصداقة الحق وبيان جوهرها وانها ليست تقوم على أساس المصلحة وارضاء الحاجة وانما تطلب لذاتها . فالصداقة نعمة من شأنها ان تبهج الحياة وتسعدها وجزاؤها فيها أساسا لا فى ما تجتلب لنا من منافع .

قال الجرذ : ان اهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم امرين ، ويتواصلون عليهما , وهما ذات النفس وذات اليد . فالمتباذلون ذات النفس هم الاصفياء . واما المتباذلون ذات ليد فهم المتعاون الذين يلتمس بعضهم الانتفاع ببعض . ومن

كان يصنع المعروف لبعض منافع الدنيا فانما مثله فيما يبذل ويعطى كمثل الصياد والقائه الحب للطير : لا يريد بذلك نفع الطير ، وانما يريد نفع نفسه . فتعاطى ذات النفس أفضل من تعاطى ذات اليد . )) ( 15 )

وقال الجرذ راثيا لحال صديقته السلاحفاة ، مشفقا عليها من خطر الصياد : وحذرى على السلحفاة خير الاصدقاء التى خلتها ليست للمجازاة ولا لالتتماس مكافأة ، ولكنها خلة الكرم والشرف ، خلة هى أفضل من خلة الوالد لولده . خلة لا يزيلها الا الموت . )) ( 16 )

أما المغزى الرئيسى فى هذا المثل فهو الدعوة الى مجتمع افضل يتآخى فيه البشر على اختلاف اجناسهم ويتعاونون فى كنف الصفاء والسلام .

(( واجتمع الغراب والظبى والجرذ والسلحفاة الى عريشهم سالمين آمنين كأحسن ما كانوا عليه . فاذا كان هذا الخلق مع صغره وضعفه قد قدر على التخلص من مرابط الهلكة مرة بعد أخرى بمودته وخلوصها ، وثبات قلبه عليها , واستمتاعه مع اصحابه بعضهم ببعض ، فالانسان الذى قد اعطى العقل والفهم , وألهم الخير والشر ومنح التمييز والمعرفة أولى وأحرى بالتواصل والتعاضد فهذا مثل اخوان الصفاء وائتلافهم فى الصحبة . ))

انه نفس الحلم ، (( حلم المدينة الفاضلة )) الذى خامر نفوس الانبياء والكثير من الحكماء والمصلحين على مر العصور ، من أفلاطون الى الفارابى الى اخوان الصفاء الى دعاة الاشتراكية الخيالية ( Socialisme utopique ) إلى ماركس ولينين . ( 17 )

ولا يستبعد ان يكون )) اخوان الصفاء )) قد اقتبسوا لقبهم هذا من نفس القصة . فقد سعوا الى تأليف شتات عناصر المجتمع الاسلامى المهدد بالتفكك والتداعى فى وحدة تتجاوز أديان الافراد ومذاهبهم ، او على الاصح فى وحدة تقرب بين الاديان وترضيها جميعا ( 18 )

القصص الاخلاقى المعانى الاخلاقية مبثوثة فى تضاعيف جميع القصص يزخر بها الكتاب ولا تخلو قصة منها . والحقيقة انه لا يمكن أن نفصل فصلا تاما بين الجوانب السياسية والاجتماعية والاخلاقية فى (( كليلة ودمنة ))

ذلك ان نظرة الحكيم الهندى الى المجتمع نظرة كلية شاملة فالسياسة فى نظره تقوم على الاخلاق او لا تكون . والاخلاق ان لم تخدم المجتمع فلا جدوى

منها . فالمثالية والواقعية معتنقتان متمازجتان فى الكثير من الامثال . ( 19 )

وقد لاحظنا تداخل العناصر السياسية والاخلاقية فى باب (( الأسد والثور ) , كما رأينا ارتباط العنصر الاخلاقى بالعنصر الاجتماعى فى باب (( الحمامة المطوقة )) . انما هى قضية نسبة بين هذه العناصر الثلاثة التى يتألف منها قصص (( كيلة ودمنة )) . فمن القصص ما هو اشد اتصالا بالعنصر الاخلاقى لبروز هذا العنصر فيه حتى لا يكاد يكون مركزا على الاخلاق خالصا لها .

نذكر على سبيل المثال باب (( القرد والغيلم )) وموضوعه محاولة فاشلة للغدر بالصديق . يروى لنا ان غيلما حاول الايقاع بصديقه القرد استحابة لرغبة زوجته الغائرة منه الا ان القرد استطاع ان يتدارك الامر وينجو بفضل حيلته .

نشاهد فى هذه القصة صراعا بين العاطفة الزوجية والصداقة وكيف ان الصداقة ( لا تثبت أو قلما تثبت ) أمام حب الزوج .

ان الفكرة الجوهرية التى يقوم عليها هذا المثل هى تقلب الانسان ، وعدم ثباته على ما ارتضاه لنفسه من مبدأ قويم وسيره حسنة ، نتيجة لضعف عقله وارادته وغلبة نوازع الانانية والحرص والاثرة عليه حتى انه لا يتورع عن السعى لنفع نفسه بضر غيره .

ذلك ان الشر فى الانسان غريزة ضارية عنود . بطيئة التخاذل سريعة الافاقة والوثوب . وينبغى للعاقل ان يحسب حسابا لجانب الشراسة والفتك والعدوان فى طبيعة الانسان ، وما فطر عليه من تقلب فيلتزم اليقظة الدائمة فى معاملته لغيره ، وحتى مع اصدقائه ، وان يجهد فى التأليف ببن أمرين لا يكادان يتفقان : اكرام الصديق والاسترسال اليه . وتجنب الغفلة عما قد يلوح من بوادر الريبة فى سلوكه ومواقفه .

(( فساء ظن القرد ، وقال فى نفسه : ما احتباس الغيلم وإبطاؤه الا لأمر , ولست آمنا أن يكون قلبه قد تغير لى ، وحال عن مودتى ، فأراد بى سوءا . فانه لا شئ أخف وأسرع تقلبا من القلب . وقد يقال : ينبغى للعاقل ألا يغفل

عن التماس ما فى نفس أهله وولده واخوانه وصديقه عند كل امر ، وفى كل لحظة وكلمة ، وعند القيام والقعود ، وعلى كل حال ، فان ذلك كله يشهد على ما فى القلوب . )) ( 20 )

إنه درس آخر فى الواقعية والتبصر وحدة الوعى ويقظة الانتباه وحسن الملاحظة الغرض منه التوفيق بين العقل والعاطفة وخلق التوازن والانسجام بينهما حتى يكون الانسان فى مأمن من الاباطيل والاوهام ، ويضمن لنفسه حياة خلوا من الخيبات والاكدار .

أما باب (( إيلاذ وبلاذ وايراخت )) فنموذج آخر من القصص الاخلاقي ( او الاخلاقي النفسانى ) . وهو قصة من اطرف ما ورد فى الكتاب ، ويمكن اعتبارها فريدة نوعها لسببين اولهما انها القصة الوحيدة التى لا أثر للحيوان فيها فأشخاصها كلهم بشر . ثم انها ايضا القصة الغرامية الوحيدة فى الكتاب .

ذلك ان ابرز عنصر فيها هو علاقة الملك بزوجته المفضلة التى اساءت الادب نحوه فأمر بقتلها ثم ندم وتحسر عليها ، وقد ظن أن الوزير نفذ أمره فتملكه اليأس .

وقد برع صاحب القصة فى وصف هذا الموقف الذى يعد من اجمل المواقف الواردة فى القصص القديم . ويتمثل هذا الموقف فى الحوار الذى دار بين الملك ووزيره قبل أن يبوح الوزير بالسر ويعلمه أنه لم ينفذ الامر بالاعدام .

ان فى هذا الحوار من القوة الدرامية ومن براعة التشويق والتفنن فى التلاعب بعاطفة القارئ ما يجعله قطعة فنية ممتازة ومن الفقرات القصصية التى تبلغ فيها قوة التعبير بلاغة التمثيل المسرحى ، خاصة وان الحوار يقوم جله على التلميح والرمز .

هذه فقرة من القصة تمهد للحوار : (( ثم انطلق بها ( أى الوزير ) الى منزله ووكل بها خادما من امنائه بخدمتها وحراستها حتى ينظر ما يكون من أمرها وأمر الملك . ثم خضب سيفه بالدم ، ودخل على الملك كالكئيب الحزين فقال : أيها الملك ، انى قد امضيت أمرك فى ايراخت ( أى زوجة الملك ) . فلم يلبث الملك أن سكن عنه الغضب ، وذكر جمال ايراخت وحسنها ، واشتد اسفه عليها , وجعل يعزى نفسه عنها ويتجلد ، وهو مع ذلك يستحي أن يسأل إيلاذ : أحقا أمضى أمره فيها أم لا ؟ ورجا ، لما عرف من عقل ايلاذ ألا يكون قد فعل ذلك . )) ( 21 )

من هذا التمهيد المختصر البسيط ندرك عنف الصراع الذى يمزق نفس الملك فهو بين رجاء ويأس ، بين رغبة استطلاع مضنية وحياء شديد .

(( ونظر اليه ايلاذ يفضل عقله ، فعلم الذى به . فقال له : لا تهتم ولا تحزن ، ايها الملك ، فانه ليس فى الهم والحزن منفعة ، ولكنهما ينحلان الجسم ويفسدانه . فاصبر أيها الملك على ما لست بقادر عليه ابدا ، وان أحب الملك حدثته بحديث يسليه . قال : حدثنى . )) ( 2 )

ويقص عليه الوزير مثل (( الحمامتين الذكر والانثى )) وما هذا المثل الا رمز للحادثة التى جرت للملك مع زوجته وتعريض بسوء معاملته لها .

ثم يسوق مثلا آخر يرمز به أيضا إلى حال الملك ويخاطبه بعد ذلك قائلا : (( وأنت ايضا ابها الملك عندك ستة عشر ألف امرأة تدع أن تلهو بهن وتطلب التى لا تجد . فلما سمع الملك ذلك خشى أن تكون إيراخت قد هلكت فقال لايلاذ : لم لا تأنيت وتثبت ؟ ! بل أسرعت عند سماع كلمة واحدة متعلقا بها و فعلت ما أمرتك به من ساعتك . قال ايلاذ : ان الذى قوله واحد لا يختلف هو الله الذى لا تبديل لكلماته ولا اختلاف لقوله )) ( 23 )

ويمضى الوزير على هذا النحو فى محاورته للملك ، مخفيا عنه الحقيقة جهده ، مماطلا إياه فى طريقة أشبه بالكر والفر ليبلغ فى تعذيبه أقصى حد مستطاع من غير اخلال باللياقة ويلقنه درسا قاسيا فى ضبط النفس والسيطرة عليها .

اذا امعنا النظر فى هذا القصص الاخلاقى نلاحظ ان من أهم ما يدعو اليه الحلم والايمان الراسخ العميق بالعقل وعدم اليأس من جدواه فى أية حال . وهاتان الخصلتان هما فى الحقيقة من الدعائم الاساسية فى الكتاب ومن المبادىء الجوهرية فيه .

الترجمة الذاتية نجد فى (( كليلة ودمنة )) أول نموذج للترجمة الذاتية فى الأدب العربى وهو (( باب برزويه )) كبير اطباء فارس الذى تولى انتساخ كتاب (( كليلة ودمنة )) وترجمه من كتب الهند .

وهذه الترجمة ليست تعرض لتفاصيل سيرته بل هى مركزة على الجانبين الاخلاقى والفكرى من حياته ، وهى تصور لنا على الاخص ازمة روحية حادة عاشها هذا الطبيب آلت به أخيرا الى الزهد فى الدنيا والنسك .

اننا نلاحظ بعض الشبه بأزمة الغزالى من حيث الشك فى الاديان ، وانكسار رابطة التقليد ، ومحاولة شق طريق خاص الى الحقيقة بفضل التأمل والاجتهاد ، على ان الفرق الجوهرى بين الازمتين يتمثل فى ان الغزالى قد اطمأن قلبه إلى دينه الاول بعد الحيرة والشك والدرس والبحث .

أما برزويه فلم يستقر على دين من الاديان ، وانما حاول جهده أن يقتبس منها العناصر المجمع عليها . وهكذا يكون قد صاغ لنفسه مذهبا تأليفيا ، نهجا خاصا رضيه لنفسه وانفرد به عن سائر الناس وكأنه يدعو الخاصة الى الاقتداء به والسير فى مثل طريقه . ( 24 )

واذا أخذنا بقول البيرونى الذى ينسب هذا الباب الى ابن المقفع متهما اياه ببث بذور الشك والبلبلة فى النفوس فان هذا الباب صورة لازمة روحية عاشها ابن المقفع نفسه ونسبها الى برزويه تمويها بدافع التقية .

ولا يخفى ما فى هذه الترجمة - فضلا عن قيمتها الادبية المتمثلة فى تصوير الصراع النفسانى الذى عاشه برزويه تصويرا بليغا - لا يخفى ما فيها من قيمة وثائقية اذ هى تصور لنا وجها من الحياة الفكرية فى العصر الذى انفتحت فيه العقول الاسلامية لتيارات الفلسفة اليونانية والحكمة الشرقية سواء منها الفارسية و الهندية .

وينبغى أن نؤكد أخيرا ما يتميز به قصص (( كليلة ودمنة )) من شمول فى النظرة وتركيز فهو أول قصص فى الادب العربى عالج بالنقد مشاكل متعددة من الحياة السياسية والاجتماعية والاخلاقية بواسطة الرمز المتسم بالطرافة والعمق .

صحيح اننا نجد بذورا من النقد الاخلاقى فى امثال القرآن كما نجد نماذج من النقد الاخلاقى والاصلاح الاجتماعى فى أمثال النبى (25 ) ولكن هذه النماذج قليلة وللبست منتظمة فى مثل الوحدة القوية الشاملة التى نلحظها فى (( كليلة ودمنة ))

أضف إلى ذلك مرونة الرمز وطواعيته فى هذا النوع بالذات من القصص ، فالكاتب يستطيع ان يحمله من المقاصد الجريئة ومن سهام النقد ما لا تتسع له أنواع القصص الاخرى ، وهو من اصلح طرق التعبير فى عهود الكبت والطغيان .

ومن المؤسف ان هذا الكتاب الثرى الواسع الافاق الذى جمع بين العمق والبساطة ، بين الرصانة والحيوية لم ينتج فى الادب العربى ما اوحى به فى الآداب العالمية الاخرى نخص منها الأدب الفرنسى .

فلسنا نجد فى كتاب (( النمر والثعلب )) لسهل بن هارون ولا فى أمثال (( إخوان الصفاء )) من الظرف والفن ما نجده فى أمثال (( لافونتين )) الخالدة خلود الاصل الذى قبست منه .

اشترك في نشرتنا البريدية