أنا أهوى الوجوه تحمل معناها وتبدو في نسجها المتفرد
ادهشتني الوجوه ، في كل وجه يتجد الفن عمقه المتجدد
كل وجه وراءه ألف وجه ، ألف حال ، وعالم ليس ينفد
لا قبيح ولا جميل ، ولكن كل وجه له معان ومقصد
كم تمنيت ريشة النابغ الرسام تقفو وجوهنا وتحدد
تكشف العالم الخفي وتجلو بعض ما في الوجوه مما يخلد
قصة الكون كلها رسمتها أوجه للورى تهيم وتشرد
كل تلك الوجوه تستنزل الإلهام والخير كالشر يرصد
ذاك وجه فيه ابتهال وهذا لوعة فى سعيرها يتوقد
ووجوه حكيمة غضنتها محنة الخلق وهو يشقي ويجهد
ما المصير ؟ وما الوجود ؟ وماذا يختفي خلف أفقه المربد ؟
وجه شيخ تكشفت عنده الألعاب وارتاح من مشاغل غد
أنضبت سطوة الليالي خديه ومالت بوجهه فتجعد
فمضى ينفث الدخان ويلهو لهو طفل بالجزر آنا وبالمد
قد تساوت كل الأمور بعينيه فسيان لهوها والجد
ووجوه بريئة تتهادى فوق أهدابها المعاني الخرد
ووجوه تعديك بالفرح المعسول بالطهر بالصفاء الممجد
تنشر الغبطة الفقيدة في الكون وتأسو جراحنا وتوسد
ووجوه آفاقها مشرقات ووجوه غيومها تتلبد
وجوه تفيض بالحب والأنس على كل تائه أو مشرد
ووجوه بحارها ساكنات قانتات في ليلها تتهجد
تسأل الله عفوه للبرايا للقطيع الشريد مرعى ومرقد
ووجوه مشت عليها الخطايا عابثات بروضها : فتجرد
ذاك صرح من عفة قد تهاوى إذ تهاوى عن تاجه خير فرقد
ووجوه قد داهمتها البلايا فهي في غربة وحزن مؤبد
لا يد تمسح الجراح ولا قلب يفيض بخيرات حبه تتزود
ووجوه الأطفال تهتف فينا ما الذي تحتجب الغيوب وترصد
أهو عصر كعصرنا بئست الأيام ؟ أم عالم جميل وأرغد ؟
ووجوه وحشية الشكل لكن انسها للقلوب أنس مجدد
تسع الكون رفعة وسموا وحنانا ونخوة ليس تجحد
ووجوه جميلة الشكل لكن أى ثقل فى روحها أى جلمد
غنيت بالجمال عن كل روح وجمال الأبدان والروح أمجد
ووجوه تود لو أطبق الجفن عليها ارتحالا فى عالم لا يحدد
لا يرى غيرها وإن فتح العينين في كل ناعس يتأود
كلما عب ظامئا من سناها طالعته آفاقها بالتجدد
فهو لا يرتوى وإن شارف النبع بغير السني وحلو التشهد .
حسن تلك الوجوه ينعش دنيانا ويذكى من عزمنا فنشيد
حسن تلك الوجوه يلهم ألحانا ويسمو بشعرنا فتجدد
كل ما أبدع الخيال وصاغ الشعر من وحي قربها والصد
خلدتها من ريشة الفن لوحات ومن نحته تماثيل تعبد
تتحدى الفناء شكلا ومعنى وكذا الفن همه آن يخلد
لو درت وهي فى عرشها السامى بما تصنع الفتون وتشهد
لافتدتها بكل ما يفتدى الغالى وأعطت من كنزها ما تفرد
وعطايا الفنان فوق عطايا الناس من قلبه تفيض وتصعد
بين كل الوجوه وجه يناديني الى أفقه الجميل المورد
ذاك شطر من مهجتي وكياني منذ أن أبدع الإله وأوجد
ما الذي زانه من الحسن واللطف وما الميزة التى بها يتفرد ؟
هو وجه سكينة الله فيه ، وبأعماقه سلام وسؤدد
فيه شئ من غربتى وحنيني فيه شئ من لوعتي والتمرد
فيه شئ من ذلك الشجن المهموم من حيرة القطيع المهدد
هو مثلى حيران يضرب في الآفاق شوقا الى الوفاء السرمد
أخطأت خطوه طريقي فسارت في دروب وسرت وحدى مفرد
وإذا الدرب ضمنا بعض حين زحمتنا الوجوه فى خير مورد
وأراه في البعد عني قريب وأراه في القرب مني أبعد
فاض في خاطري سلاما وصفوا وانتشى خافقي به وتعبد
هو وجه تناسقت فيه ألحان ، وفي نبله تسامى فأبعد
فتهادى على الورى وازدهاه أنه في صفائه كان اوحد
ومضت تغمر الوجود عطاياه ، سلاما وغبطة وتودد

