الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

ايران فى عهد الدولة القاجارية

Share

تاريخيات

احتلال هرات سنة ١٢٧٣ هـ :

ذكرنا في فصل سابق انه بينما كان محمد شاه القاجاري يضرب على أيدى الثوار في الجنوب بيد من حديد ويحاول اخماد تمرد آقا خان المحلاتى والسيد علي محمد البابى ، كانت بريطانيا تحاول استمالة أمراء افغانستان الى جانبها . وكان حاكم مدينة ( قندهار ) الامير دوست محمد خان الباركزائى الموالى لايران يقاوم النفوذ البريطانى في افغانستان ، ويود لو ان الحكومة الايرانية مدت له يد العون لبسط نفوذه ونفوذ أبنائه من بعده على كل نواحى افغانستان ليحكموها موالين للأسرة القاجارية . وعندما أدركت بريطانيا صلابة موقف دوست محمد خان وانه يقف لمشروعاتها التوسعية في افغانستان بالمرصاد،

أرسلت السير ويليام ماخباتن في معية الشاه شجاع بن تيمور شاه الدرانى أحد الد أعداء الاسرة الباركزائية على رأس عشرين ألف جندى هندى وافغانستانى لاحتلال قندهار ، وظلت الحرب بين قوات

دوست محمد خان والشاه شجاء ثلاث سنين من سنة ١٢٥٥ الى سنة ١٢٥٨ هـ.

وكانت السياسة البريطانية خلال هذه السنوات الثلاث تثير المشاكل امام محمد شاه القاجارى حتى لا يتمكن من مد يد المساعدة لحليفه دوست محمد خان الباركزائى في محنته ، كما لعبت السفارة البريطانية في طهران دورا كبيرا للحيلولة دون مساعدة محمد شاه لحليفه دوست محمد خان ، بما كانت تقوم به من ايهام الشاه ووزيره الحاج ميرزا آقاسى بأن بريطانيا لا تطمع في شئ في الحياة كما تطمع في كسب ود وصداقة ايران ، وان ما يدور في افغانستان لا يد لبريطانيا فيه ، وهو لا يعدو أن يكون من باب الخلافات الداخلية التى تجرى عادة بين الامراء المحليين .

وقد أجبرت حملات الشاه شجاع الدرانى بمساندة بريطانيا أجبرت دوست محمد خان على الجلاء عن مدينة قندهار ، فسقطت افغانستان الجنوبية في يد الشاه شجاع الدرانى ، وذهب دوست محمد خان وأبناؤه الى خوارزم طالبين النجدة ، وعندما

يئسوا من حاكمها لجأوا الى البلاط القاجورى .

ولكن استطاع اكبر خان الباركزائى أخو دوست محمد خان ان ينبت في وجه الشاه شجاع ويهزمه وحمل على مدينة كابل سنة ١٢٥٧ ه ، وقد قامت فى كابل ثورة شعبية عارمة ضد السياسة البريطانية وعملائها من أسرة الدرانيين ، قتل خلالها السير ماجناجتن ، وبريطانى آخر ، وحوالى ألف وستمائة جندى هندى من قوات الشاه شجاع الدرانى ، وحلت الهزيمة بالشاه شجاع وحلفائه من البريطانيين سنة ١٢٥٧ ه - سنة ١٨٤١ م .

أراد الحاكم البريطاني العام في الهند أن يتلافى الهزيمة التى حلت بحليف بريطانيا الشاه شجاع الدرانى فأرسل سنة ١٢٥٨ ه - ١٨٤٢ م قوة عسكرية بقيادة يولوك، الى مدينة كابل، بينما كانت المخابرات البريطانية توالي اثارة المشاكل في وجه محمد شاه القاجارى في جنوب ايران ، لتحول بينه وبين مد يد المساعدة الى دوست محمد خان الباركزائى الذى لجأ الى ايران طالبا العون .

ففى الجنوب نرى طوائف اليلوج تعلن العصيان والتمرد ، وينشط أنصار السيد على محمد البابى في شيراز وأصفهان ويستعدون لتبليغ دعوتهم من جديد كما استطاع القائد البريطانى يولوك الذى قاد الحملة ضد مدينة كابل أن يستولي على المدينة ويشيع فيها الموت والدمار .

وعندما رأى دوست محمد خان الباركزائى ان ظروف محمد شاه القاجارى لا تسمح له بمساعدته ، وان روسيا لم تف له بتعهداتها في حمايته ، وافق على

الحماية البريطانية وعاد الى قندهار ليحكم مواليا لبريطانيا الى أن توفي سنة ١٢٨٠ ه مما أكسبه عداء الاسرة القاجارية .

عندما تم التحالف بين الاسرة الباركزية في افغانستان وبين بريطانيا التى تمكنت من بسط نفوذها على افغانستان ، شجعت درست محمد خان الباركزائى على الاستيلاء على هرات وتشكيل دولة افغانية مستقلة عن ايران .

كانت الحوادث التى وقعت في المناطق الافغانستانية خلال خمس سنوات منذ سنة ١٢٦٧ ه الى سنة ١٢٧٢ ه تدل دلالة واضحة على مدى تغلغل النفوذ البريطانى هناك ، وتسييره لدفة السياسة الافغانستانية ، كما تدل على سعي بريطانيا الجاد لابعاد النفوذ القاجارى واستئصاله من تلك المناطق بالكلية .

أعد دوست محمد خان الباركزائى في سنة ١٢٧٢ ه جيشا لاحتلال مدينة هرات التابعة لايران بينما قام محمد يوسف خان الدرانى عدو دوست محمد خان الباركزائى الألد بقتل حاكم هرات سعيد محمد خان الملقب بظهير الدولة لميله الى دوست محمد خان ، وتمرده على القاجاريين ، وقد أراد محمد يوسف خان بعمله هذا التقرب من ايران متظاهرا بالوقوف امام نيات عدوها دوست محمد خان الرامية الى الاستيلاء على هرات ، وطلب محمد يوسف خان الدرانى من حسام السلطنة حاكم خراسان امداده بالمساعدة للقضاء على عدو الدرانيين والقاجاريين المشترك دوست محمد خان الباركزائى .ووصلت الامدادات من خراسان

الى محمد يوسف خان الدرانى ، وكانت القوة التى أرسلها حاكم خراسان اليه مكونة من خمسمائة جندى ايرانى من خيرة الرماة بقيادة سام خان ايلخانى ، وتوجهت القوة الايرانية من مشهد الى هرات ، كما طلب حسام السلطنة من محمد يوسف خان الدرانى أن يكتب اليه اذا احتاج الى مزيد من العون .

عندما علمت بريطانيا باستجابة حاكم خراسان القاجارى حسام السلطنة لنداء محمد يوسف خان الدرانى وامداده بالقوة لتسخير هرات ، بدأ قلم مخابراتها يلعب اللعبة التى اعتادها في مثل تلك الظروف ، فشرع البريطانيون يثيرون سكان هرات السنيين ضد ايران ويحذرونهم من مطامع القاجاريين ، ويدعونهم للدخول في طاعة حليفهم دوست محمد خان الباركزائى ، كما استطاعت بريطانيا اغراء عدد كبير من علماء الدين في المدينة فقام أولئك العلماء بدور هام في اثارة العامة ضد القوات الايرانية وضد محمد يوسف خان الدرانى العميل القاجارى ، وعندما وصلت القوات الايرانية التى أرسلها حسام السلطنة من خراسان الى هرات وجدت أبواب المدينة مقفلة في وجهها . كما هدد الناس محمد يوسف خان الدرانى بالقتل اذا هو حاول الاستعانة بالقوات الايرانية المرابطة خارج أسوار المدينة .

كتب القائد الايرانى سام خان ايلخانى الذى كان على رأس القوات الامدادية القادمة من خراسان الى حسام السلطنة يخبره بالموقف . وفي نفس الوقت وصلت الانباء الى طهران من قائد منطقة سيستان السروار

على خان سه كوهه أن أحد أبناء دوست محمد خان الباركزائى قد اعتدى على الاراضى الايرانية فى سيستان ، ورغم ان ناصر الدين شاه كان يفكر في عقد اتحاد يضم بلاده وكلا من بريطانيا والامبراطورية العثمانية وفرنسا للوقوف ضد روسيا ..

ولتستطيع ايران خلال ذلك الاتحاد العسكرى أن ترغم روسيا على الغاء معاهدتى التركمان جاى وكلستان من جهة وليستعيد منطقة القوقاز من روسيا من جهة ثانية ، رغم ذلك فقد بدأ الآن وقد رأى بريطانيا تساند عدوه الجديد دوست محمد خان الباركزائى فى اعتداءاته المتكررة على الاراضى الايرانية ينصرف عن فكرة الاتحاد مع بريطانيا ، ويعلم انها هى سبب كل المشاكل والصعاب التى تواجهها بلاده . فكتب ناصر الدين شاه الى حسام السلطنة حاكم خراسان يأمره بالسير بنفسه الى هرات واحتلالها .

وأمده بعشرين فوجا من المشاة وألفا من الرماة ، فسار حسام السلطنة الى هرات عبر الطريق التى سلكها محمد شاه القاجارى من قبل وحملت القوات الايرانية على قلعة غوريان التى كانت بمثابة مفتاح مدينة هرات ، وبعد مقاومة قصيرة اضطر قائد القلعة الافغانى مجيد خان الى تسليمها للقوات الايرانية وفي نفس الوقت وصل من جنوب ايران عشرة آلاف جندى بقيادة الميرزا فرمان فرما وانضمت الى قوات حسام السلطنة الذى بدأ يستعد لمهاجمة مدينة هرات .

حفر الافاغنة خندقا حول المدينة مما اضطر القوات الايرانية لمحاصرتها ، وبعد شهرين طلب حاكم هرات الامان من القوات القاجارية وكتب الى حسام السلطنة انه اذا

رفع الحصار عن المدينة فسوف يقوم بتسليمها للقوات الايرانية وقد أشار أحد القواد الافغانيين ويدعى عيسى خان، أشار على حسام السلطنة أن يرفع الحصار عن المدينة فرفع حسام السلطنة الحصار عن هرات وأرسل عيسى خان الى هرات ليتسلمها من حاكمها .

وعندما دخل عيسى خان الى المدينة قبض على محمد يوسف خان الدرانى ، وسلمه الى أفراد أسرة سعيد محمد خان ظهير الدولة الحاكم السابق للمدينة والذى قتله محمد يوسف خان الدرانى حيث لاقى حتفه ، وبعد القضاء على محمد يوسف خان الدرانى أعلن عيسى خان نفسه حاكما للمدينة واستعد لمنازلة القوات الايرانية .

كرر حسام السلطنة الحملة على هرات وضيق عليها الحصار فما لبثت حصونها ان انهارت تحت وابل نيران المدفعية الايرانية الثقيلة ، وسقطت هرات في يد ايران في صفر سنة ١٢٧٣ ه واستسلم عيسى خان ، ودخل حسام السلطنة الى المدينة وخطب

لأخيه ناصر الدين شاه على منابر هرات في ربيع الاول سنة ١٣٧٣ ه ونسبت هرات الى ايران وضربت النقود ، باسم ناصر الدين شاه القاجارى .

كانت السلطات البريطانية و الهند تسعى بكل الوسائل لازالة النمو الايرانى من افغانستان ، أو على الأقل ايجاد حكام افغانيين موالين لبريطانيا ، وكان يمكن للسلطات الايرانية أن تستغل الظروف السيئة التى كانت تحيط بالاستعمار البريطانى في الهند آنذاك ، حيث بدأ الهنود الأحرار يثيرون المشاكل في وجه بريطانيا ، ويعملون على اخراجها من الهند . ولكن غفلة ناصر الدين شاه من جهة ويقظة قلم المخابرات البريطانى وعمله على شراء ولاء رجال السياسة والبلاط في ايران من جهة أخرى أدتا الى أن تقوم في افغانستان حكومة محلية أخذت تبعد عن ايران شيئا فشيئا حتى استطاعت تكوين الدولة الافغانية القائمة اليوم ، وقضى على آخر أمل لايران في افغانستان .

اشترك في نشرتنا البريدية