الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

بديعة الجمال

Share

حدثتنى جدتى قالت : سأحكى لك اليوم قصة لا يرويها الا الكبار فيما بينهم .

قلت : ولماذا هى . .  ؟ . . ؟ . . ؟ قالت بلا تردد : لانها قبيحة . قلت : هل القبح فى عالمنا خاص بالكبار ؟ قالت : لقد اعتاد الناس ذلك والآن استمع إلى ودعنا من هذا :

كان فى قريتنا الحبيبة ، هذه التى نحن على أديمها امرأة فاتنة الجمال . جمعت بين سواد الشعر والعينين . . . وسمرة مغرية فى بشرتها . . . وقوام ممشوق . . . متكامل الاطراف .

قلت : من أين أتاها الجمال وهى لا تملك شعرا أصفر أو عيونا زرقاء أو حتى بشرة بيضاء ؟ . .

قالت : كنا على فطرة البداوة يا ولدى . وما وصفته الآن من علامات الجمال دخيل على هذه الفطرة .

أفتتن بها كل أبناء البلدة . الفتيان منهم والكهول . وتمنى الجميع التزوج منها للتمتع بهذا الجمال الاصيل الذى لم يعايشوا مثله فى هذه القرية أو فى ما جاورها من القرى . انها فتنة كبيرة يا ولدى .

تقدم جل أبناء القرية كبيرهم وصغيرهم . غنيهم وفقيرهم ؛ الى أبيها لطلب يدها وأغلبهم كان يفعل ذلك لغاية التمتع بهذا الجمال الفتان . وقوي مهرها حتى أصبحت كاللؤلؤة الثمينة التى يتزايد على ثمنها التجار فى السوق . الا أنها ورغم كل هذا كانت تجيب دائما : " لا أريد الزواج . . " :

احتار الناس في سبب هذا الرفض واول كل واحد الامر على هواه فمن قائل : انها تترقب أميرا من الامراء يتقدم لخطبتها . وآخر يقول : انها مغرمة بفلان و . . و . . ومرض الأب واحتجبت الأم عن الناس .

قلت ولكننى لم أسمع الى حد الآن قبحا يا جدتى . قالت : لا تغتر بأول الكلام واسمع الحكاية الى آخرها ثم احكم .

قلت : مرض الأب واحتجبت الأم عن الناس عندها أوجست الفتاة خيفة من مصر أبوها وهى التى كانت تظن أن أبويها تفهما موقفها لكنها كانت مخطئة فأقسمت على الزواج فى سرها من أول شاب سيتقدم لطلب يدها .

قلت : لكن لماذا كانت ترفض الزواج ؟

قالت : بقى ذاك السر دفين صدرها لكن ما أظن أن رفضها كان بسبب معرفة غاية المتقدمين اليها وهو التمتع بجسدها وقد كانت وهى الاصيلة الجمال والاخلاق ترفض تلك الغايات الدنيئة فى نظرها .

اقترن قرارها بالزواج بقرار ثان وهو هام أيضا . فقد تشجع أفقر فقراء القرية وتقدم لخطبتها بعد أن يئس من ذلك بقية الناس قلت : كيف جاءته الشجاعة وتقدم لخطبتها ؟

قالت جدتي : ما عرفناه بعد ذلك أنها كانت تعشقه منذ أن رأته أول مرة بحمل الحطب على حماره . وقد أحست أنه الذى لا يمكن أن يفكر فى استغلالها فأحبته حبا ورفضت من أجله المال والجاه وكل أبناء القرية وحين أكد هو من هذا الكلام بطريقته تشجع وتقدم طبتها فنجلح فى مسعاه .

أقيمت معالم زينة عادية جدا وأغلب الرجال يحسون بغيظ شدايد لافلات هذا المغنم من أيديهم .

عاشت الفتاة ببيت زوجها فى سعادة كبيرة خصوصا بعد أن شفى والدها . وأصبحت تستعين مع زوجها على كل كبيرة وصغيرة فأصبحت تحمل الماء من البئر لتبيعه الى الاغنياء فترويهم ماء ويزدهم حرقة جمالها فيوفون لها العطاء وبذلك يكون انتصارها عليهم مثنى . . .

بعد سنوات قليلة كانت قد بنت مع زوجها بيتا متواضعا عمر بطفلين أخذا من أمهمها الجمال ومن أبيهما القناعة .

وها إنى نسبت أمرا هاما . تحدثت عن عشيق الفتاة الذى تزوجته ولم أتحدث عن الشاب الذى أفرط فى عشق الفتاة وكان من جملة المرفوضين . . .

هذا الشاب هو أحد أبناء القرية الاصيلين . تعلم السحر عن أجداده فسحرته هذه الفتاة الفاتنة بجمالها . راودها عن نفسها مرارا فأفلتت من قبضته . تقدم لخطبتها عله بذلك يصل الى مبتغاه فرفضته . . أحتار كثيرا قبل أن يقرر أى شئ لكنه بعد تفكير طويل قرر هجر القرية عله ينساها او تلين مع الايام فتقبله بعد عودته وكان أول من هجر القرية من أجل فتاة . لم يكن مخيرا وهو الذى يملك قوة السحر بين يديه بل كان مسيرا بقلبه لذلك لم يستطع أن يحقق ما يتمناه . هجر القرية وقلبه يتحرق على ما ترك وراءه . عشيقة رافضة . . . وأرض حبيبة . . . وعائلة حنونة . . . وأصدقاء أوفياء .

لما عاد الى قريته كان أول ما علمه هو زواج عشيقته الرافضة وانجابها لطفلين بديعى الجمال فاستشاط غضبا . وعاد الى منزله يمضى فيه بقية النهار الذى حمل له أتعس أخبار حياته .

عند الغروب ذهب الى أصدقائه وقال لهم : من يريد أن يرى بديعة الحسن والجمال فى ظلام الليل فيأت معى . . .. .

كانت تظهر على وجهه علامات الجدية . . . لذلك اتبعه كل من سمعه وأيضا لانهم جميعا كانوا يتمنون ذلك . وحين وصلوا المنزل جلسوا قرب صفصافة فارعة الطول براقبون المنزل ويتبادلون الذكريات ؛ الطريقة منها خاصه .

طال انتظار الجماعة حتى ظنوا أن صاحبهم قد عدل عن فكرته فغلب النوم أكثرهم ولم يبق مستيقظا منهم الا القليل . عند ذلك الحين وبالتحديد فى النصف الاخير من الليل رأى كل من بقي مستيقظا بديعة الحسن والجمال تمر من أمامه وهى تترنم فى مشيتها كالراقصة . وتمعن كل المستيقظين فى كامل أجزاء الحقل المظلم بشاعرية كبيرة بينما كان زوجها فى تلك الاثناء يغط فى نوم عميق .

قلت يا ولدى : جابت المرأة المكان الذى كانوا فيه طولا وعرضا فرأوا جسد المرأة من كل جهة وبذلك ازدادت حرقتهم وتمنوا التمتع بهذا الجسد عمليا وليس بالنظر فقط .

بعد أن أتمت المرأة دورتها عادت من حيث أتت وكأن شيئا لم يقع فى تلك اللحظة أيقظ الجماعة الذين رأوا حسد المرأة عاريا أصدقاءهم الذين كانوا يغطون فى نومهم وأعلموهم بما جرى . وما شاهدوا . فنشبت معركه لذلك انتهت باللكم والشتم والتوعد . ثم عاد كل واحد الى منزله  . . .

فى الغد وعند الغروب أيضا ذهب الساحر الى أصدقائه الذين رأوا جسد الحسين والحمال عاريا وقال لهم : هيوا معى وتأهبوا لمواقعة بديعة الحسن والجمال . . . فكفى الفقير ما تمتع . . . الليلة ليلتنا . . . وحذار أن يبوح أحد منكم بالخير الى غيرنا لاننا بذلك نفقد كل شئ . فأجابوه جميعا بصوت واحد : أذهب أنت أمامنا وسنأتيك الواحد تلو الآخر حتى لا يتفطنوا الينا وكن مطمئنا على ما أوصيتنا به وكان العمل كذلك .

جلس كل الجماعة كعادتهم تحت الصفصافة يتندرون بأطراف الحديث حتى وصل النصف الاخير من الليل .

فى تلك اللحظة خرجت بديعة الحسن والجمال عارية الجسد كما ولدتها أمها وترنمت فى مشيتها مثل الليلة التى سبقت . فأهاجت بذلك مشاعر كل الحاضرين وعوض أن تعود بعد ذلك من حيث أتت ذهبت الى الزيتونة واتكأت على جذعها فاتحة صدرها لنور القمر وعينيها لنسيم الرياح العليلة .

شعر كل الجماعة بنهم كبير الى العرق فتخاصموا فى من تكون له الاولوية وفصل الساحر المعركة بسرعة وأعطى لكل واحد رقمه فى المواقعة وهو يبتسم . . .

تقدم الاول فأحس بحلاوة كبيرة وهو يترعرع تحت أغصان الزيتون الا أنه وقبل أن يصل أغصان الزيتونة أحس بصلابة لم يعهدها فى أغصان الزيتون وجذوعها . أيعقل أن تبقى بعد جنيها عامين بكرا ؟ إنه لا يملك جوابا محددا الا انه أحس بالعرق يسيل قبل أن يدرك غايته عندها سمع صوتا رقيقا يقول له : وصيتى لكم أبنائى . . . وصيتى لكم أطفالى . . .

حمل أدباشه وعاد من حيث أتى وهو يفكر . . ما معنى ، وصيتى لكم اطفالى ؟

تقدم الثانى الى المرأة العارية فوقع له ما جرى للاول وعاد يفكر مثل سابقه مامعنى وصيتى لكم اطفالى ؟

ونقدم ثالث ، ورابع . . وسابع . . . و . . . الى آخر شاب !

ترك الساحر أصدقاءه يفكرون فى معنى . .  وصيتى لكم اطفالى . . وهو يبتسم . ابتسامة ذات معنى زادت فى تفكير أصدقائه .

تقدم الساحر من شجرة الزيتون بخطى وئيدة وهو ينظر الى خلفه ويبتسم . ربما كانت سخرية . ولكن مماذا ؟ . .

قبل أن يصل الساحر شجرة الزيتون أنبثق من السماء نور خافت فضح زرقة السماء ، فأحس بقشعريرة تسمره فى مكانه .

تقدم الاصدقاء الذين كانوا رابضين من خلف ليصلوا الى الساخر ويتفرسوا فى الجسد العارى تحت نور الفجر الجميل الذى فضح زرقة السماء والتى كانت وقبل برهة تحت وطأة الظلام سوداء .

أحس كل الحاضرين باحتقار كبير الى شخصهم وهم ينظرون الى شجرة الزيتون التى كانت قبل لحظات محط رحال شهواتهم ونظروا الى الساحر بازدراء كسر دون أن يمسوه بسوء أو يسمعوه ما يشينه بل كل ما فعلوه هو احتقار أنفسهم أمام هذا المتلاعب بمشاعرهم .

قلت : لكن ما سبب ذلك يا جدتى ؟

قالت لى جدتى : إنهم لم يواقعوا المرأة البديعة الجمال ولا شاهدوا جسدها عاريا . فكل ما رأوه كانت أشباحا صورت لهم . لكنهم أحسوا بالازدراء أكثر حين فضح لهم نور الفجر ما كانوا يواقعون . . .

لقد كانوا يواقعون جذع الزيتونة التى كانت أمامهم . . . ونظرت إلى جدتى فوجدتنى أغطى رأسى بالمخدة .

اشترك في نشرتنا البريدية