ما أشد هول العاصفة . لكن ماذا يهمنى من هولها وأنا جالس في بيت نوافده مغلقه . لكن ما هاته القطرات النازلة على تبللنى كعصفور أجرب ؟ البيت بلا سقف اذن . نعم لقد طار ليلة زفافى . فكرة ملعونة أتانى بها أبى الرجيم . كنت بمكتبى ، وكان الوقت مغربا . تقدم نحوى فى جدية مشلولة وقال لى : " ابنة الحلال يا ابن الحلال لتنجب أبناء الحلال ليعيشوا فى عالم الحلال " . السيال الدجال المحتال . قلت له : " قتلك حلال يا من فرض على كلمة أبى . الحلال يا أنت ، تفاحة الجنة التى ما وجدت قط فى شجرة عروقها فى الطين وفروعها فى أكسجيننا . كم أنت محتال رغم أن حيلة أبى الفتح الاسكندرى كانت ايجابية ، ولولاها ما كان كائن ، وما كانت كان وأخواتها وما كان العالم . أى ما كنت أنا وما كنت أنت . علم يعلم علما عالم معلوم وحيدة " افتحى الراديو . . " جرون ومعلوم أن السلط الاسرائيلية قامت بهجومات . . " أسكت يعطك بكشفة ! حادث السلط الاسرائيلية معلوم وما الحاجة لاعلامنا به اذن . تعلمنى بمعلوم . اشترى منك سلعت . هه . ما اللا رويق ! معلوم أو معلم . هلك الله يا معلما جنى على ونكل بى ، إذ كلما نطقت فى القسم سلط على قدر مسطرته الطويلة . أذكر أننى قلت له ئى يوم ربيع : لم لا نطلق على شخصه لفظة معلم عوض معلم ، انهال بركلنا ر كلا قويا لم أفهم سببه آنذاك لكننى الآن فحسب أى عندما انطلق أبولو 10 الى . . ادركت كل شئ . عرفت أقنوم العالم الذى سيبعث ، بعث ببعث بعثا وبعثه واستبعاثا وانبعاثا وأبعوثة وإبعاثة وهات . . ليتني أقدر على بعث جدتى المسكينة لتقص على قصة الحشر والنشر وما تخللها من حكاوى الغشر والقش التى تقتلها بتصرف - طبعا - عن العالم العلامة الفاهم الفهامة القدارة الجزارة الكسارة النجارة الطهارة التحرير رئيس التحرير وصاحب الخلط والتدبير ومؤسس وكالة الحمير الانسان معلم البيان ، الكافر بالنسان سيول القصص ، وشلالات حكاوى تتراكم فى قعر النهر لتتلاشى لستلعها
التراب الأغبر فحرب داحس والغبراء وقعت فى الجاهلية المعلومة التى اشتبكت فيها عيس وذبيان وتطاير فيها الغبار . وحرب البسوس كذلك . وهل يهمنى أن أقدم الاولى أو أؤخرها ما دامتا قد وقعتا وتطاير الغبار . وكم كنت أظننى فى حضرة أبطالهما كلما دخلت حانوت نجار يعمل فى حومتنا ، لا يملك من الآلات سوى منشار وتسترة ومطرقة هزيلة ، ومسمارين . كان يقول لى دائما : مسمار جحا أروع ما تجاهلت دائرة معارف ديدرو وأصحابه من ذوى الاختصاص فى الحدادة ولا غرابة فى هاته النسوة اذ كان يظن هو الآخر أن مسامير الغرب أرقى - هى الاخرى - وأشهر وأعظم وأنبل . . . لذلك عبد النبل فمات فى محراب الشوق شوق اليك أتابيه وصبابة وغرابة وحماسة ودناءة وخساسة وحقارة وغباوة جعلتنى أهيم بأحلامي ناسيا أنها ظلى وألتف بالبخار ناسيا أنه عمرى . كم أنا مشتاق الى أن أخاطب حبيبتى . إجرام ، خطيئة ، ذنب : كهل مثلى ليست له حمامة تسجع له فيشعر لها . ما أجملك يا عزيزتي سهام . قولى ما هو العمر ؟ أليس بخارا تلتهمه بنهم خيوط الحرارة . (...) . قولى هل لك عمر ؟ ( ٠٠٠٠ ) ، كم طوله إذن ؟ ( ٠٠٠٠ ) . تماما هذا اعتقادى .
العاصفة تشتد ، والشارع مقفر والمطر كف عن النزول . وقتئذ التفت يمنة وشمالا فاذا أنا فى " وكالة بن نقاز " المهدمة يتقاطر منى لعاب السماء . اين بيت زفافى ؟ ماذا جرى لى ؟ الفيستة والسروال أمتاع شانطى ، السورية كيكى متاع شواش ، السبيدرى نصف قصبة . . . ؟ ؟ ؟ أين كسوتى البلومارين التى استعملتها ليلة الدخلة ؟ ما اسم زوجتى ؟ نسيت . ما اسم عائلتها ؟ نسيت . ما هو موطنها ؟ نسيت . ماذا جرى ؟ لا يهم ان عجزت عن الجواب فحسبى أننى عرفت أننى عاجز عن الجواب . سرت وحدى ومعى العالم . السبيدرى أرهقنى . نزعته وضربت به نافذة فيلا أنيقة محترمة باحترام . تكسر الزجاج فمضيت أجرى كالطفل الأعرج ثقيلا كالوهم . الصمت صامت . الشارع الطويل ما زال طويلا يمتد أمام ناظرى . عكازاى قضمهما القدرون اللعين . استندت عليهما لأجلس على الطوار مهلهلا ، تعبا ، متهالكا ، متذمرا . التفت خلفى فاذا الشارع المقفر الطويل قد اكتظ بجمهرة يتفاوت سنها تفاوتا ملحوظا فيها الرضيع ، والحافى ، والمتعثر ، والماشى ، والجارى ، والراكض ، والداب ، والمتوكئ . اذا تكلمت تكلمت ، وان صمت فعلت ؟؟؟
- أنا أنا - نحن أنت الأمس وانت الآن - أنا واحد - نحن أبعاضك
- أنا مفرد مذكر - نحن مفرد مذكر
عدت بروحى ألبسها ثوب الذكرى . ثم هتفت بعد أن استلقيت على ظهرى : يا انا ، هل أنت حقا جمهرة كلما ازددت يدما أزدادت عددا ؟ ثم سرت وسارت خلفى ابعاضى فى سماط فيه الوعوعة وفيه البكاء وفيه الغصة وفيه البحة وفيه القهقهة وفيه الترنم وفيه الحسرة وفيه . . . سار السماط في قلبى كما تسير جمهرة شريرة طيبة عالمة جاهلة ، مذنبة محسنة فى هذا العالم الفارغ الملآن . وضاع قلبى فى جسدى . هذا الجسد الذى كثيرا ما قال لى أبى أنه يشبه الى حد بعيد جسد أبيه . هو يحبنى حبا افلاطونيا لانه يرى فى أباه بلحمه وعظمه ودمه وجلده وحكمته وركاكته . أبدا لا بد أن أثور عليه لأننى لست أشبه أباه فى شئ . طفرت الدموع من عينيه . أذكر ذلك جيدا . لكننى لم أتردد أن قعقعت فى مسمعه : انت نذل يا أبى . أف لك . تنح عنى . أحبك يا أبى . أعبدك . أقدسك . أركع لوطءة قدمك . أنت الحب . أنت عمرى . بعدك نار . قربك نار . حياتى عذاب . أنت النعيم والنسيم والنديم والنديل . أنت نحيل ، أجرود ، أملود ، خند ، شهلول ، أشهل" العيون شهل . عجبت ولكن لم اعجب من عالم الهرر . صاحب العيون الشهل ، صاحب المبتدأ والخبر ثلث طبل وربع هرة وخمس مرحاض . طبل معلق فى مسمار . هرة تروم وصله . حاولت وكيف لا تحاول والاستاذ النزيه الذى نحر الشبح الاسود الذى يطارده كل لحظة فى صحراء الواقع يترك الفرصة لتلمذه ليحاول هو الآخر . حاولت الهرة الا أنها سقطت فى بؤرة المرحاض . استحمت وماتت طاهرة كخالتى : صامت شهر رمضان كله . كان اليوم جمعة . . سبت لا . . جمعة . . نعم جمعة . وكانت جالسة على الحصير تصغى الى هراء سيدي المدب الذى لا ينفك يروى لها قصة الامام المهدى المنتظر . ثم قامت لتصلى . وما ان سجدت حتى بقيت مغروسة فى الارض كالقرعة . ماتت طاهرة لتقابل ربها ، بل لتقابل ربنا الكريم السميع العليم . بكى المؤدب خالتى بكاء مرا فلما سألته قال : ماتت المرحومة قبل الغروب ، قبل نزول الملائكة الى الارض الدنيا . قلت لماذا . . . أو تنزل الملائكة عند الغروب من كل يوم . قال يتحدانى : ما أجهلك . ألا تعلم أن الليلة ليلة القدر تنزل الملائكة فيها لتواسى منكوبى الحياة ! . . . حملقت فيه مليا وقلت له مخاطبا ثلثه : رحمك الله رب العالمين يا خالتى . مت قبل الغروب موعد القبل والاحتضان والدردشة . دفناها وحكمت علينا أمى بأن لا نأكل القرع ولا نشتريه لأنها لا تحبه . لانها وجدت فى قرعة كبيرة مهجورة في زاوية البيت فار بسباطة . هل غادر الشعراء من متردم ؟ هل رد الشعراء الغدر ؟ هل غدر الشعراء الردم . الشعراء فى حاجة الى الردم والركل والصك والشتم . قال
الله تعالى وتبارك : و " الشعراء يتبعهم الغاوون " صدق الله العظيم . لكن ذنب من يا ترى . ذنب السائم من الحياة الذي وجد العلة فانتحر بها ، أم ذنب الطبيب الذى أخترع العلة ؟ على كل كلاهما هائم ، وكلاهما فى فلك سابح ، بدور فى المجرات وحولها وحولها الزنوح . كلاهما يدور حول القمر لينزل فيه ، لكن بعد التحرى اذ ربما يلاقى حتفه فيه . هل فى القمر موت ؟ الامر سهل وعسير على الانسان أن يسبق الله الى القمر . واذا نجح وأقبل عليه هذا الاخير ليطأ القمر فليطرده حالا لأن القمر ملك الانسان .
مضت ألف سنة . نحن الآن فى القمر . الارض القفراء هجرها الانسان لجدبها . القمر عامر بالسكان الذين لا يعرفون الموت . وذات يوم وقعت الحادثة . اهتدى الله أخيرا الى القمر وعثر على الانسان وجرى الحديث التالى :
- أيها الانسان أنت هنا ! . . ألف سنة ونيف ما . . . - ما زلت فى هرائك تعد الحياة بالسنة والقرن ! . . . أنا هنا لا أعرف الهرم ولا الشيخوخة ولا المرض ولا الموت . . .
.- من أذنك بسكنى القمر ؟ - أنا . - ومن أنت ؟ - قوة وفعل . - لكن من خلقك ؟ - خلقت نفسى : هامت القدرة بالفعل فتداخلا . -..!!.. - لا تعجب . - سلام عليك يا أحسن ما خلقت يوم خلقتك لتكملنى ويوم قتلتك لتحيينى .
- سلام عليك يوم خلقتنى لتقتلنى ويوم قررت لاخلق نفسى . لاقتل نفسى ، لاقتل الموت . لاقتلك يا أنت .
- أتجرؤ ؟ - كيف لاوأنا اليوم فكرة لا مرئية ستظل تبحث عنها حتى تقتل نفسك من أجل الحصول عليها لانها ليست منك فى شئ .
- ما أجملك أيها الانسان . أحبك لانك مارد جبار . هنيئا لك . . . فأنت الآن رب نفسك . ولا حاجة لى فى البقاء بجانبك . . . ها أنا أعود الى الارض لاصنع خليقة اخرى تكملنى .
- قبل أن تغادرنا دون مطرود ، اعلم اننى لست الانسان بل الفكرة

