الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء مجلة الفكر، المرأة عند الشابي ص . ب ٥٥٦

Share

انا لا اريد التعرض الى ما قاله بعض نقاد الادب فى " المرأة عند الشابى " ولا اميل بطبيعتى الى مناقشة هذه الاراء الكثيرة ، فهى على تعددها وقوة مصادرها لا تكسب من جمال الحق شيئا . . . فتغزل الشابى بالمراة عندهم " منحط الى اقصى درجة من المادة " والشعر الذى قاله فى التشبب بمفاتنها وجمالها " صرح عادى ، ضعيف الخيال والبناء كثير التعقيد " وقد قال الاستاذ

محمد الحليوى موضحا سبب هاته الاحكام الجائرة " ان البحث النزيه يتطلب تقصى الآثار والاخبار ونحن نعلم ان قصائد للشابى لم تنشر بعد وكذلك يومياته ورسائله اذا فقلة الاطلاع على مخلفات هذا الشاعر العبقرى هى العلة الوحيدة

نشوء الخلافات الكبيرة بين نقاد الادب فى الشرق ، ولا تنتظر منى فى هاته اللحظة ان ارفع صوتى مناديا بنشر هذا التراث الواسع لانى لست من القوة بحيث اسمع صوتى آذانا لا تزعجها اصوات كالرعود الداوية . !

اما " المرأة عند الشابى " وهو الموضوع الذى اريد طرقه الآن فقد كان صفوة لدراستى بحوثا طويلة الفها الشاعر وجمعها بين دفتى كتاب سماه " الخيال الشعرى عند العرب " وفيه بدت نقمة الشاعر واضحة على هاته النظرة التى ينظر بها شعراء العربية الى المراه ، هاته النظرة الدنيئة السافلة فهم عنده " لا يستطيعون التحدث عما وراء جسدها من تلك المعانى العميقة السامية التى يزدوج فيها الحب بالاجلال والشغف بالعبادة بل هم يجيدون كل الاجادة اذا ما تحدثوا عن قدها الاهيف الممشوق وعن طرفها اللامع الوسنان ووجهها المتنور المنضور " وما الى ذلك من تلك الاوصاف المادية الملقاة امام كل رائح وغاد .

والتى يحس بها الناس احساسا متوازيا لا يظهر معه مزية لشاعر على غيره الا فى رصانة التعبير وجمال الديباجة وخلابة الاسلوب - ويسائل الشابى نفسه قائلا : هل هذه هى وظيفة الشاعر وغايته من الحياة ؟ اذن فيا خيبة الشعر ويا سخف الحياة ! اجل يا خيبة الشعر وان كان كثير من الناس لهم عقول يفهمون

بها ثم لايزالون يحسبون رسالة الشاعر الفاظا منمقة نضيدة وعبارات مرصعة وكلاما مرصوصا " . . .

ويرجع الشابى سبب هاته النظرة الخاطئة الى تلك الفكرة الجائرة التى كانت تستحوذ على ادمغة العالم العربى من ان المرأة مثل للغدر واللؤم والخساسة وحطة النفس وخبث الضمير ثم يسائل قائلا : وهل يبصر ما وراء جسد المرأة من جمال روحانى مشرق من يردد مع المتنبى قوله :

ومن خبر الغوانى فالغوانى

            ضياء فى بواطنه ظلام

ثم يجعل العبودية سببا آخر عمل على ابقاء هاته النظرة الخاطئة دون ادنى تطور او تحور اما هو فنظر اليها بنظرة اخرى تبدو له فيها كقطعة فنية من فنون السماء يلتمس لديها من الوحى والالهام ما تضن به ينابيع الوجود . . . . نعم هكذا يراها الشابى او هكذا يرفع الى اعلى مراتب القداسة والطهر ويجعل بينها وبين الطبيعة اتصالا متينا حتى انها فى نظره - اقوى مظهر من مظاهرها الناطقة . .

والمرأة عند الشابى - لغز جميل يفتننا بسحره ويختلبنا بجماله فنتبعه مرغمين دون ان نستطيع له حلا - وهى عنده النصف الذى يحمل فى قلبه رحيق الحياة وسلسبيل المحبة والطيف السماوى الذى هبط الارض ليؤجج نيران الشباب ويعلم البشرية طهارة النفس وجمال الحنان . . .

( صلوات فى هيكل الحب )

والشاب يظهر اعجابه الشديد بـ ( تاغور ) الذى تحدث عن المرأة فقال " امسكت بيديها وضممتها الى صدرى ، وحاولت ان املا بحسنها ذراعى وان انتهب بقبلتى ابتساماتها العذبة ، واترشف بعينى وميض اجفانها ولكن اواه ! اين هى ؟ من يستطيع ان يسلب من السماء زرقتها ؟ حاولت ان اقبض على الجمال ولكنه غادرنى غير تارك بين يدى سوى الجسد . . . فانثنيت خاسئ النفس كليلها ، وكيف يقدر الجسم ان يلمس الزهرة التى لا يقدر على لمسها غير الروح . . ! ؟

وتبدو حسرة ابى القاسم عندما يبحث عن مثل هذا الاحساس الرقيق والخيال الخصب فى الشعر العربى فلا يعثر على قليل منه او كثير وينفى انه سمع من بين شعراء العربية من تحدث عن قلب المرأة بمثل هذا الحديث الجميل الذى يقوله جبران فى اجنحته المتكسرة " . . ان قلب المرأة لا يتغير مع الزمن ولا يتحول مع الفصول ، قلب المرأة ينازع

طويلا ولكنه لا يموت قلب المرأة يشابه البرية التى يتخذها الانسان ساحة لحروبه ومذابحه فهو يقتلع اشجارها ويحرق اعشابها ويلطخ صخورها بالدماء ويغرس تربتها بالعظام والجماجم ولكنها تبقى هادئة ساكنة مطمئنة ، ويظل فيها الربيع ربيعا والخريف خريفا الى آخر الدهور " . .

وهكذا يمضى شاعر الخضراء فى تحدثه عن المرأة معبرا عن كل ما يكنه لها من عواطفه السامية ونظراته العميقة الطاهرة فيرئى حظها التعيس . وحقها المهضوم فى الشعر العربى ويعرب عن هاته الحقوق فى صدق ويشرحها فى حزم وجد وهو فى ذلك يبدى اعجابه الشديد بتلك النظرة التى ينظر بها بعض الشعراء الى المرأة امثال " لامارتين " فى الغرب وجبران خليل جبران فى الشرق ومن لف لفهما فى هذ الميدان - اه

اشترك في نشرتنا البريدية