فى منتصف القرن الثالث عشر الميلادى تفاقم أمر المغول التتار فى بلاد ما وراء النهر فزحف هولاكو خان على بلاد ايران وكانت دويلات صغيرة ، فاستولى عليها عنوة ولاية بعد ولاية ودان له أهلها بالطاعة والاستسلام فزحف بجيشه الجرار إلى العراق فى خلافة المستعصم بالله (١) وجرت مخابرات بينه وبين الخليفة بوساطة وزيره ( مؤيد الدين العلقمى ) بل (هادم الدين ) فخان الخليفة ، ودخل هولاكو بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله وأباح المدينة ونهب قصور الخلفاء وقتل مئات الالوف من السكان حتى سال نهر دجلة بالدماء .
وفى نشوة ظفره وظلمه بعث رسله لسلطان مصر والشام مظفر الدين قطز ، من سلاطين الاتراك المماليك ليسه ما فى يده من البلاد مصر والشام بدون حرب وقتال ، فرفض هذا السلطان طلبه باباء .
ويعود الفضل اليه فى حماية الشرق الادنى من مصر الى بلاد الشام . . فعبر هولاكو نهر الفرات متوجها لسورية ودخل حلب ظافرا ، وكان السلطان يتأهب للجهاد بالتشاور مع قواده فى مصر وامراء مملكته يقدم رجلا ويؤخر اخرى ، ولم يبق لهولاكو غير أيام حتى يدخل الى دمشق ويعيد مذبحة بغداد .
فى تلك الايام الرهيبة والاوقات العصيبة انبرى عالم كبير وفاضل جليل مشهور بالتقوى والصلاح ، وصاحب تصانيف مشهورة ، وداع الى الرجوع لعقيدة السلف ألا وهو الامام تقي الدين ابن تيمية الحرانى عالم الشام والذى يصدق عليه الحديث الشريف ( العلماء ورثة الانبياء )
قام هذا الشيخ يحض الناس على الجهاد والذود عن حياض الوطن الاسلامى وبذل النفوس رخيصة فى سبيل الله لدفع العدوان ، وأخذ يتنقل بين الاهالى والجند ويطوف فى الدساكر يثبتهم ويرغبهم فى الجهاد مذكرا بقوله تعالى : ( انما ذلكم الشيطان يخوف اولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين ) .
وقائلا : ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والانجيل والقرآن فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) فتحولت أرواحهم المنهزمة الى جبهة صلبة تواقة للقتال والجهاد ولم يكن بعد قد تحرك السلطان قطز من مصر ، فركب اليه الشيخ
واجتمع به وبأمراء مملكته وقواده وكان السلطان كما قدمنا يقدم رجلا ويؤخر أخرى حتى دخل عليه الشيخ وذكره بقوله تعالى : ( قل ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره )
فنفخ فيهم روح الحمية ورجع من وقته ، الى دمشق ليقوى من عزيمة الشعب الاسلامى لخوض الجهاد والقتال ومعركة المصير ، وبعد أيام تحرك ركاب السلطان قطز بجنوده الجرارة وكبار قواده وأمرائه واجتمعوا بجنود الشام ومن ورائهم الاهالى داعين لهم بالنصر والابتهال الى الله . . والتقوا بهولاكو الذي جاء بجحافله وجنوده كالجراد المنتشر بين السماء والأرض . . التقى الجمعان بعين جالوت ( ٢ ٩ ، والشيخ تقى الدين مع المحاربين بسيفه ولسانه يحرض على الجهاد والقتال . . وكانت هذه المعمعة فى شهر رمضان مثل هذا الشهر . وكان الشيخ ابن تيمية يمر بصفوف المجاهدين قائلا لهم : (( افطروا وقاتلوا فان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالفطر فى فتح مكة فى شهر رمضان )) وحمى الوطيس ، ونادى السلطان (قطز) : يا خالد ابن الوليد متفائلا بسيف الله المسلول بالفتح والنصر . . فصاح به الامام ابن تيمية قائلا له : قل ( يا الله اياك نعبد واياك نستعين ). . وقل ما كان الرسول ( ص ) يقوله المعارك : ( اللهم إنت عضدى
ونصيرى ، بك اجول وبك اصول وبك اقاتل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ) . . فاستجاب السلطان لنصحه وبايع الله على الموت فى الجهاد .
يقو_ل العلامة ابن القيم تلميذ ابن تيمية : ( لقد شاهد العسكر من قوة الامام يومئذ امرا عظيما ) . وثبت السلطان فى تلك المعركة الهائلة ، وفى هذا قال الامام ابن كثير : (( وجرت خطوب عظيمة فى ذلك اليوم وقتل فيها كثير من القواد والامراء والجند ، وما اقتربت ساعة العصر حتى انكسر هولاكو وقتل من جنوده ما لا يعلم عدده الا الله ، ونزلت من قدس الله ريح النصر والفتح المبين وكشف الله عن
المسلمين تلك الغمة العظيمة ولله الحمد والمنة )) .
فهل نرى اليوم من علمائنا الاعلام عالما يحذو حذو ذلك الامام ، يجاهد بسيفه ولسانه ، وقائدا مثل مظفر الدين قطز يهب روحه للجهاد ( بعد أن أعلنها مدوية فى آفاق العرب وبلاد الاسلام جلالة الملك فيصل بعد حرق ثالث الحرمين وأولى القبلتين ؟ (٣)
أللهم وفق جلالته لما تحب وترضاه يا رب العالمين .
المدينة المنورة

