الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

بناء الشخصية

Share

تمر الشخصية بعدة مراحل حتى نضوجها ولا شك ان اهتمام فرويد التشريح وتقسيم مراحل نضوج الشخصية أثر تأثيرا واضحا فى مفهوم الطب لنفسى لمكونات شخصية الفرد ، وقد قسم فرويد الشخصية الى :

1 ) الهو Le Ca أو الهذا وهو ذلك الجزء الذى يعنى الاندفاعات البيولوجية البدائية أى الغرائز ، وهو الجزء الموروث من الشخصية ، ويتبع الهو مذهب اللذة والاشباع الحالى ، فلا يستطيع ارجاء اللذة أو تحويرها بل يجب عليه ارضاؤها فورا ، وأهم الدوافع الموجودة فى الهو هو الهواء ، الطعام ، الشراب ، الجنس ... الخ .

2) الانا Le moi وهو ذلك الجزء الذى يتبع مذهب الواقع ، ويحاول تكييف الفرد والشخصية حسب الظروف الخارجية والبيئة العامة ، ويحتوى الانا على الجزء الهام من الشخصية الذى يقيم الحكم والتقدير ، والمعادلة ، وحل المشاكل ، والدفاع الذاتى ، ويعتبر الفرد ذو الانا القوى قادرا على المرونة فى معالجة المشاكل والتكييف للتوافق الاجتماعى ، مما يجعله أقل عرضة لاعراض العصاب والذهان اما اذا كان الانا فى حالة ضعيفة ، وتحت سيادة الهو ، فهنا يتدهور الفرد اثر اية صدمة ولا يستطيع احتمال الكبت ، ويتعرض لاعراض عقلية واضطرابات فى الشخصية .

3 ) الانا الأعل  Le sur moi وهو ذلك الجزء فى الشخصية الذى يعبر عن الضمير ويؤيد القيم الخلقية والاجتماعية ، وتكتسب صفات الانا الأعلى من تقمص قيم الوالدين او من يقوم محلهما ، وينقد هذا الجزء من الشخصية الانا ، ويسبب ألما للفرد مع وخز الضمير والشعور بالذنب خاصة إذا اصبح الانا فريسة وأسيرا للهو ، واذا قوى الانا الأعلى يصاب الفرد بالصلابة ، والعناد والقلق والاحباط مما يسبب له تعاسة كبيرة .

ونستطيع ان نستنتج مما سبق ، ان حصيلة الشخصية المتوافقة فى التوازن والتآزر بين الهو ، والانا والانا الأعلى وارضاء طلباتهم بدون تحيز.

اما الشخصية العصابية فهى نتيجة عدم التوازن واضطراب التآزر بين مكونات الشخصية . واذا اردنا تفسير هذا التقسيم التحليلى بطريقة فسيولوجية فالهو يعبر عن مراكز المخ البدائية فيما تحت اللحاء مع الافعال المنعكسة الورائية فى قشرة المخ والانا الأعلى هى الافعال المنعكسة الشرطية المكتسية من البيئة والتقاليد والدين فى قشرة المخ ، والانا هى حصيلة الافعال المنعكسة الشرطية من توازن الافعال المنعكسة السابق ذكرها ، والتى كونها الفرد من نتيجة تفاعل الوراثة والبيئة ، واظهرت شخصية وتقسم مراحل نضوج الشخصية الى :

1) مرحلة الرضاعة 2 ) مرحلة الطفولة 3 ) المرحلة الاجتماعية 4 ) مرحلة المراهقة 5 ) مرحلة النضوج

1 ) مرحلة الرضاعة

وتشمل الفترة من الولادة حتى سن الثالثة ، وهى فترة اعتماد كلي على الأم والبيئة ، وتتأثر الشخصية فى هذه الفترة بالعلاقة الدافئة المنتظمة بين الأم وطفلها ، والاستقرار والامن الاسرى ، بل ويعتقد بعض العلماء ان الاضطراب الانفعالى فى هذه الفترة من جراء غياب الأم أو عدم عطفها يؤدى الى ندبة دائمة في شخصية الفرد ويتبع الطفل فى هذه المرحلة مذهب الارضاء و الاشباع الذاتى ، ويعتمد اولا على يدى أمه ، ومن هنا تصبح كل لذته نابعة من الفم ، وهذا مما دعا فرويد الى ان يعبر عن المرحلة التى تبدا من الولادة الى سنة ونصف بالمرحلة الفمية . وان الشخص الذى يعتمد فى لذاته العاطفية أو الجنسية أو الغذائية على الفم بعد هذه السن ، ويصبح لا يطيق الاستقلال الذاتى ، يسمى بالشخصية الفمية ، خاصة فى هؤلاء الذين تطلقهم أمهاتهم فى الرضاعة الى سن متأخرة يصبحون غير قادرين على العبور للمرحلة المقبلة.

ويلى المرحلة الفمية ما يسمى بالمرحلة الشرجية وهي بين 1،5 و 3 سنوات وهنا يعتمد الطفل فى لذته على عدم التحكم في التبول والتبرز ، ويبدأ الصراع بين الوالدين والطفل لتنظيم العمليات ، فاذا حاول الوالدان تنظميها مبكرا

قبل نضوج الجهاز العصبى ، أصيب الفرد بما يسمى بالشخصية الشرجية أو الوسواسة أو القهرية ، وتتميز بالصلابة والعناد ، وحب النظام والنظافة بطريقة عصابية ، مع عدم المرونة فى التكيف لظروف البيئة.

2 ) مرحلة الطفولة

تبدأ هذه المرحلة بالقدرة على الكلام ، واكتساب عادات من يحيطون به وتمتد من سن الثالثة حتى السادسة ، فاذا كان الوالدان سويين اكتسب الطفل عادات وتقاليد ناضجة متزنة اما اذا كانا مضطربين فهنا سيتقمص الطفل هذا الاضطراب ، وينشأ باضطراب واضح فى شخصيته ، أو اعراض عصابية أو ذهانية . وتتحول اللذة فى هذه المرحلة من الفم ، والشرج الى الاعضاء الجنسية ، وقد سمى فرويد هذه المرحلة الجنسية أو القضيبية فيبدأ الطفل فى حب الاطلاع الجنسى والاسئلة المستمرة عن الفرق بين الرجل والمرأة ، وحجم اعضاء التناسل بل اكتشافها فيمن حوله ، مع لمس هذه الأعضاء ، مما يثير الذعر بين الوالدين ، ويبدؤون فى عقاب الطفل وتهديده وبتتر العضو اذا لمسه مرة ثانية ، ويخلف ذلك عقدة جنسية فى الطفل تستمر حتى النضوج فى هيئة الخوف على قوته الجنسية وتبدأ الفتاة فى الاحساس بالنقص ، بانها لا تملك جميع اعضاء التناسل الظاهرة فى الرجل ، مما يسبب لها من غيرة واضحة من الجنس الآخر ، وتحاول ان تتغلب على ذلك بالكفاح فى سبيل اخذ مكانها المرموق . كذلك يبدأ فى هذه الفترة ، ما يسمى بمرحلة أوديب وهى تعلق الصبي بوالدته وكرهه وغيرته من والده ، اما حب الفتاة لأبيها وغيرتها من أمها فتسمى بعقدة الكترا ، وهي مرحلة عادية في هذه الفترة ويجب على الوالدين الا يظهرا بعنف تعلق كل منهما بالآخر أمام الاطفال وان كان ولا بد من هذا الانفعال فيجب ان يشارك الاطفال في هذا الوجدان.

3 ) المرحلة الاجتماعية

وتمتد من سن السادسة حتى البلوغ أى حوالى الثانية عشرة وهنا يتضح تأثير المدرسين ، والزملاء ، والاقارب ، والاصدقاء ، وابطال التاريخ والسنما ، والتلفزيون ، ويكتسب الفرد فى هذه المرحلة التقاليد الاجتماعية ، ويتقمص أخلاق ذويه ، ويقلد مثلهم العليا ، ولذا يجب ان يرتبط الطفل ف هذه الفترة بأحد اقربائه السويين من نفس الجنس ، حتى يكتسب منه العادات الحميدة ، والا يترك لتنشئة المربيات والشغالين بالمنزل . ويسمى فرويد هذه المرحلة بفترة الكمون Latence نظرا لان النشاط الجنسى غير موجه لمنطقة معينة كسابق المراحل .

4 ) مرحلة المراهقة

تبدأ بالبلوغ فى الثانية عشرة وتمتد للسادسة أو الثامنة عشرة ، ويبدأ المراهق في الاهتمام بنفس الجنس ، ويختار كل اصدقائه منه ويحتقر الجنس الآخر ، فنجد الصبيان يكونون جماعات مع بعضهم البعض ويتعلقون بشدة بعضهم ببعض ، واحيانا ما تحدث بعض المحاولات الاستطلاعية الجنسية ، وتجد الفتاة تميل الى صاحبتها أو مدرستها ، وترسل لها الازهار والشعر ، وتكتب لها الخطابات وتغير عليها ، ولذا سمى فرويد هذه المرحلة بفترة الاستجناس أو الجنسية المثلية .

ويهتم المراهق هنا برأى الناس فيه ويحاول جاهدا الاستقلال ، والاحساس بذاته والبحث عن شخصية سائدة ويبدأ الصراع بين اعتماده وحاجته للوالدين ورغبته فى الاستقلال عنهما ، مما يجعله عنيدا صلبا ، واحيانا عدوانيا ، مجادلا لا يريد الاقتناع برأى الغير ، ويسفه آراء الكبار ويعتبرهم متخلفين اجتماعيا ، ومن خلال هذه الصراعات ، وموقف الوالدين السوى ، ننضح شخصية المراهق ليتحمل المسؤولية كاملة بعد ذلك .

5 ) مرحلة النضوج

يعتمد نضوج الشخصية على سن معينة ، بل يعتمد على توافر العوامل البيئية والوراثية لتعزيز عملية النضوج ، وتعتبر الشخص الناضج هو من يتحمل علاقة وثيقة مستمرة مع الجنس الآخر ، مع مسؤولية العائلة ، وكفالة الحياة السهلة لهم ، والذى يحاول التضحية فى سبيل الآخرين وليس فى سبيل ابداء السيطرة والسيادة .

ويمر الشخص الناضج بالمراحل السابقة بطريقة سوية ، دون ان يكون قد تثبت فى احدى المراحل ، نظرا لاشباعه وارضائه القوى فى خلال احدى هذه الفترات ، أو لكبته وعدم ارضائه اثناءها هنا فقط يستطيع الانطلاق للحياة بشخصية متزنة متواقفة مع المجتمع .

ويتجه العلاج النفسى الى تحليل هذه المراحل ومعرفة السبب الرئيسى فى اضطراب الشخصية الحالية حتى يستطيع المريض بمساعدة المعالج الوصول الى درجة سوية من التوافق الاجتماعى .

اشترك في نشرتنا البريدية