الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

" بودودة مات "،

Share

غمس الطالب قلمه القصبى فى المدواة ثم صرخ - انعم يا سيدى واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبواكم فى الارض تتخذون . . . فنظر اليه المؤدب متمتما واجاب صائحا - تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا . فردد الطالب الآية واسرع فى كتابتها حتى لا تهرب منه بينما نظر المؤدب الى طفل صغير قريب منه وهجى : - ز ...ص .... ر .... نصر ....م .... ن ..... من... نصر من

فحاكاه الطفل ولم يستمر المؤدب فى التهجئة لانه لاحظ ان كثيرا من الطلاب يتكاسلون ذلك الصباح فرفع عصاه وهوى بها على طفلين شغلهما حديث لذيذ. فثارت ضجة وتعالت الاصوات وانكب كل طالب على لوحه مبرهنا على حرصه جادا فى حفظه . فقام المؤدب ورمى بلحفته على كتفه ومضى يخبط الطلاب دون تمييز ويرفس برجليه الاطفال والالواح فكثرت الغوغاء والبكاء وارتفعت الالواح اتراسا تحمى الاجسام من صواعق العصا السفرجلية التى اقتطفها المؤدب خصيصا من مختار سفرجل بستان النونى الموجود قرب عين البلدة الكبرى . فكانت تصفر فوق الرؤوس وكان المؤدب بصول ويجول كالفارس الهمام يسب ويلعن الامهات والاباء والنسب والحسب . فكلما ارتفعت يد سى عبد النبىء ارتفعت جبته كاشفة عن عرقوبه الضعيف الهزيل وركبته المحشنة .

لان محمود جالسا قرب سارية تحميه من الضربات . اراد ان يجنب نفسه واصحابه مزيدا من الضرب اللاكع ففكر فى حيلة ليلفت بها انتباه المؤدب فيهدا لكنه لم يفز بها . نظر حوله باحثا فلم يظهر له شىء فى جامع سيدى عبد القادر سوى السوارى وتابوت قديم واعلام ملقاة فى احدى الزوايا قرب الجدران الشمالية التى اصابتها الرطوبة فكانت جرباء تهدد بالانهيار فى كل حين . اراد محمود ان ينادى بانهيار الحائط لكنه تراجع متحاشيا عاقبة كذبته . احتار فى امره لكنه هدأ بغتة لقد فاز بحيلته : سيصبح بكل ما اوتى من قوة - أنعم ، يا سيدى ! طابت وهابت وكيف نأكلها ؟ متمنيا ان يجيبه المؤدب كعادته

- فخذنى وصدر نفسك وجنح الضيف . ثم يضحك بعدها ويضحك معه الطلاب . انها جملة من قصة المؤدب المفضلة يحكيها فى اليوم ثلاث مرات وهى تروى قدوم ضيف على مؤدب كان قد كلف احد تلامذته الاذكياء الفطناء بطبخ دجاجة . فلما طهيت لم يعرف الطفل ما يفعل بها . فأخذ لوحته وجلس قرب الدجاجة ونادى كأنه يكتب لوحه

- أنعم يا سيدى ! طابت وهابت وكيف نأكلها ؟ فأجابه المؤدب ان اعطنى الفخذ وكل الصدر واعط الجناح للضيف . فبينما كان محمود يتأهب ويتشجع للاصداع بجملته آملا فيها النجاة توقف المؤدب من تلقاء نفسه والعرق يتصبب من جبينه كأنه كان يصارع بغلا فحلا . فنظر الى الطريق قليلا ثم عاد لاهثا الى مكانه تحت السارية الوسطى ليجلس على نطع تكدست عليه حقة " نفة " ومصحف قرآن تبعثرت اوراقه الصفرا واذناب عصى واستوت بالقرب منه فلقة ذات حبل غليظ متين .

تنهد محمود مستبشرا ثم نظر الى الباب تجاه المدرج فظهر له رأس كبير معمم تبعته جثة متثاقلة متمايلة تموج فى جبة حمراء فضفاضة . فاقترب القادم شيئا فشيئا من المؤدب والاطفال . انه الشيخ ابن زيدون احد قدماء محاربى القرية . استغرب محمود من قدومه اذ انه لا يتردد عادة على الكتاب ولا على الاماكن الاخرى لان جراحه كادت تجعل منه انسانا مقعدا . فكان يجلس بمقهى شقرون قرب منزله . فيظل جالسا فى الظل يقلب رأسه الكبير ويمر باستمرار يده على وجهه الاسمر المتجعد الذى يعكس المغامرات والالام التى جابهها . فكان يبرم " شنبات " شاربين ابيضين طويلين يانعين يستطيع الطائر ان يقع عليهما دون عناء . فكان الناس يلتفون حوله يستمعون الى لذيذ حديثه عن اسفاره فى البحر والبر وعن اهوال الحرب وبلاد العجم . فكان محمود وغيره يتلذذون حديثه لذة خاصة عندما يحكى عن العرب الآخرين الذين يسكنون الشرق البعيد . فيقول انهم يتكلمون لغتنا ويلبسون تقريبا لباسنا ويعرفون الله والرسول مثلنا ويحبوننا كما نحبهم . فينظر الحاضرون الى بعضهم مستغربين مستعجبين فرحين فرحة من يجد نفسه فى نفس غيره رغم بعيد المسافة . فيتوقف ابن زيدون حينا كأنه يراجع ذاكرته ثم يضيف

- ايقولوا ودينى اميه عوض اعطينى شريبة ماء . عمرهم ما ينطقوا بالقاف . ايقولوا اعطينى الم عوض اعطينى قلم . فيضحك الحاضرون وينظرون الى الشيخ ابن احمد رفيق ابن زيدون الملازم له ليل نهار فيقول : - انت زرت الدنيا كلها الا الحج يا ابن زيدون . على كل حال لا تخاف ولا تحزن . الناس ايقولوا امشى يا زمان وارجع يا زمان وتصبح بلاد الحج القيروان .

ويتلهف جميع المستمعين عند ما يروى ابن زيدون كيف فقد وساما من اوسمته العسكرية . لقد كانت دمشق ثائرة على حكم الانتداب تكاثرت فيها المظاهرات والقتل - فكلف يوما بحفظ الامن امام جامع الامويين وسلمت له فرقة تتركب من خمسين جنديا تونسيا . فما كاد يصل امام الجامع حتى أطلت عليه مظاهرة شعبية فيها الاف الناس . فتقدم وتأخر حتى بلغ بردى ثم رفع قبعته ونظر الى بندقيته حتى فاجأه ضابط فرنسى وأمره باطلاق النار . تأهب لذلك ورفع يده لكن الجماهير نادت

- لا ! لا ! يا مغاربه اخوان ! يا مغاربه عرب اخوان ! فارتعشت يده وتأخر رغم انفه ثم دار حول نفسه واسدل يده امرا جنوده بالانسحاب امام الجماهير التى ادركته وفرقته فرفعتهم على الاكتاف ورددت مترنمة - اخوان يا عرب اخوان ولو طال الزمان . اخوان ! اخوان ! اخوان ! فلما عاد الى الثكنة رمى فى السجن مع رجاله وعزل من منصبه وحرم من وسام جديد كان على قاب قوسين او ادنى من الحصول عليه . فكان الشيخ ابن زيدون لا يتحسر على ذلك فيردد قائلا : - صنت صلة الرحم . الله يغفر لينا .

وكانت حركات يديه تزيد حديثه لذة فتمتد لاخذ عضلته وتصوبها نحو الجماهير فترتعش عاكسة اضطراب نفسه لكنها تهدا وتستوى العصافتنقلب الى الارض كما انقلب مدفع بندقيته بدمشق فيقربها دون تردد من جنبه الايسر ويضعها بنظام على الارض . فيغمر الشيخ هدوء باطنى فتهدا ملامحه ويقل لهيئة . فرح محمود ولكز رفاقه الجالسين بقربه ظانا ان الشيخ سيهدئ المؤدب ويحكى للتلاميذ حكاية تنسبهم ضربات العصا . تقدم الشيخ وجلس على عتبة الباب فحيى بيده المؤدب والاطفال

- الله يفتح ! الله يكثر من أمة محمد ! أحوالك بخير يا مدب ؟ لا باس عليك - الحمد لله نشكره ونحمده على نعمته . الله يرحمنا يا سيدى . - آمين . قلى يا حبيبى اخذها الذرى ودور بيهم فى الاراضى يطلبوا شويه مطر . ربى يسمع كلام الصغار . ترانا والله اهلكنا .

- ناية انفكر فى المسألة . قالولى عليها ناس كثيرين . قريب نخرجوا انشالله . فسكت اين زيدون فاختلط سكوته بسكون التلاميذ الذين انتهزوا الفرصة للاستراحة والتشويش والتطفل آملين اطلاق سراحهم بعد الاستماع الى قصة من قصص الشيخ . لكن ابن زيدون قام وقال للمؤدب - سامحنى الفلوس ما وصلت باش انخلص شهرية الاولاد . ما فيها بأس . . ما فيها بأس يا سيدى .

رآه محمود يبتعد متثاقلا كما اقبل ولاحظ ان وجهه اسود كثيرا وضعف وان يديه كانتا ترتعشان عند ما طلب المعذرة من المؤدب . فبدا له ذلك الشيخ ضعيفا هزيلا قد اجبرته السن وانقطاع مرتبه العسكرى القليل على التوسل الى الاطفال ليطلبوا المطر فيحيا الناس ويحيا معهم . فهو لم يبخل بشجاعته ولا بحياته فتحدى الزمن واهواله عند ما كان شابا ولكنه بدأ اليوم شاكا فى نفسه كان الشك يولد من الهرم والعجز .

عاد الاطفال الى قراءة الواحهم عابسين لان الشيخ خيب امالهم فلم يحك حكايته . وزاد المؤدب فى الطين بلة فاطال عمدا ساعة الدرس . لكنهم قفزوا بعد حين رامين بالواحهم . مضطربين مختلطين ببعضهم بعض ، متناطحين - روحوا ولكن يوم الخميس كونوا قدام الكتاب على الفجر . ماشين نطلب فى المطر انشالله .

تأخر محمود ولم يلتحق برفاقه . استغرب من قرار المؤدب لانه اختار يوم الخميس لطلب المطر . فهو يوم راحتهم يخصصه لقضاء مآربه وربح بعض الدريهمات من هنا وهناك . وازداد استغرابه لان المؤدب اطلق سراحهم دون ان يعلن عن ذلك بطريقته الخاصة . فلقد اعتاد " سيدى " ان يقوم اولا فينفض جبته من الغبار ثم يصرخ رافعا يده

- اذا اتاك اسم فعرف بأل   بعد اشارة بعطف او بدل .

فيرددها التلاميذ معه ويقفزون تاركين الجامع . لقد حفظ " سيدى " ذلك العلم من طلبة جامع الزيتونة وقد حاول ان يذهب اليه ويتفقه فيه ولكن دون جدوى .

( 2 ) جلس محمود على الارض فقدمت له امه خبزة شعير فشرع يلتهمها ويجرع معها ماء من حقة طماطم ايطالية تستعملها العائلة مشربا . فكان يأكل عابس الوجه وينظر الى شكل منزلهم الذى كثرت ثقب حيوطه وانحنى بابه فأصبح عرضة للداخلين والخارجين . فكان دائما يبذل جهدا لفتحه وغلقه . جلست امه وسط المنزل فتناولت رحى حجرية وشرعت ترحى قليلا من الشعير كانت تحفنه من غربال وتنهر عنه دجاجة اصرت على مهاجمتها واثارة الغبار . رمى محمود الدجاجة بحصاة وقال متهكما

- دائما خبزك شايح ناشف . آش تعملى بالله ببيض ها الدجاجة الله يعطيها زرقون ؟ فلم تجبه واستمرت ترحى . فأغتاظ من سكوتها فأعاد الكرة - دائما ساكته ودائما خبزك شايح ؟ فالتفتت اليه

- الجيعان يأكل حمار بشعره . آكل واسكت يا محمود يا ولدى . - لا ما ناكل ولا نسكت ولا نايه ولدك . - آه لو كنت شابة كيفك ، والله يا محمود ناكل خبز شايح ونشرب ماء بارد ونقفز فى الهواء الرأس فارغ والقلب فرحان .

فلم يجبها وحشا باقى الخبز فى فمه حتى كاد يغص . ان منطقها غريب فهى كغيرها تعتقد ان الجد والالم محصوران فى المسنين . فلا تعلم ان الشباب طاقة وتحمس وليس مسألة سن او قوة او تهاون .

خرج من منزله الذى يتوسط حى سيدى ابى لعابة فيشرف على السوق وتظهر منه هضاب عين ام الثعلب وجبلا ابى الاحناش وكشرودة وقرية القلعة الجرداء والناظور . اندمج فى الشارع المقابل لمنزله . مبتعدا عن اكداس الاوساخ وعن النجاسة والمياه العكرة . دفع الباب الثالث على يساره ثم ترفق فاخرج قرطاسا من جيبه واخذ منه قطعة حلوى رمى بها فى فمة ونادى - فطومة ! يا فطومة ، فطومية !

فلم يجبه احد فتوجه الى السوق مارا بازقة البلدة ومنازلها المتشابهة التى بنى جلها بناء " كعور وارم للاعور " . تعود محمود المرور كل صباح بمنزل عمته خديجة بعد الخروج من الكتاب لزيارة ابنتها فطومة فيختلس منها قبلة رغم امتناعها المتصنع او يفاجئان بعضهما بعضا بهدية او ما يماثلها . فهى تصغره بسنتين سميت عليه ليتتزوجها يوما ما . فوجدا من حسن حظهما ان الفكرة طيبة مصيبة ولم يجتهدا لتبريرها . ظل محمود يمشى مفكرا فى حبيبته وفى موعد اللقاء بها ثانية ليسلمها الحلوى . فما كاد بلغ طاحونة العثمانى حتى سمع صوتا يناديه فالتفت فرأى فطومة ملفوفة فى حجابها تدعوه للعودة الى منزلها . التحق بها ودخلا المنزل .

- شوف ، شوف يا محمود تعجبك هذى المليه الجديدة . تعجبك والا لا ؟ اطال النظر فى مليتها الزرقاء الداكنة البسيطة التى شدت بحزام لونت خيوطه وحصر على جنب فطومة الايسر بحلقة فضية كانت ترتفع كلما تحركت فطومة . فبدأ جسمها من خلال الملية يائعا جذابا تزداد تفاصيله وضوحا عند ما ترفع فطومة يدها متبخترة لترسل شعرها الاسود الكثف الطويل على ظهرها . - ما قولك ؟ اشك ساكت تقلب فى كانك تقلب فى دجاجة والا نعجة تحب تشريها ؟ عجبتك والا لا ؟

- والله حاجة هايلة هايله ثم اقترب منها وادمج يديه فى شعرها الاسود النظيف المغسول " بالطفل " الذى تأتى به امها من هضبة ام الثعلب ويستعمله محمود لتبييض لوحته بعد

ما يمحو كتابتها السوداء . " كنت " رأسها بين يديه ونظرت اليه بعينيها السوداوين الواسعتين .

- مليتك حلوه جميلة يا فطومة لكن عينيك اجمل منها . عينيك غريبة تسأل دائما لو كانت عندى عينيك كنت شفت العالم بكله . - ابدا عمرك ما تقدر تشوف العالم كله ولا تقدر تشوفه بعينين غيرك . - ليه ؟ انت سلفينى عينيك وتوا تشوفى ! سلفينى عينيك يا فطومة ؟ ها هو كراهم .

ثم دس فى فمها قطعة حلوى فابتلعتها ضاحكة . - العالم واسع يا محمود وما تقدر تستعمل عينى . تولى كالغراب حب يقلد مشية الحمامة لكنه ضيع مشيئة طول عمره . - لكن اذا قلدت الحمامة الغراب تصيع مشيتها والا لا ؟ - لا . نايه نحبك تبقى غراب اسود على كل حال . اذا كان حببت كل شئ فى الدنيا يضيع منك كل شىء وبعدها تغلط وتصيبك مصيبه الله يعفيك منها . - على كل حال خلينا من ها الكلام . انت فى بيتكم غدوه ؟ - لا نايه ماشيه نغسل مع امى .

- بالسلامة . نايه راجع غدوة . لا لا سامحينى يمكن بعد يومين والا ثلاثة . وضع فى يدها قطع حلوى ثم قبلها وخرج يفكر فيها معجبا بروح مبادرتها وفطنتها التى يغار منها احيانا فيزداد حبه لها . فمنذ ان مات والدها من السل اصبحت تعين امها . انه يكره رغم احكام الضروريات ان يراها تشتغل لانه يغار عليها من الشبان وخاصة من الشيوخ الاعيان الذين يلحون على امها للتزوج بها وذلك مقابل اموال كثيرة . فكانتا ترفضان بشدة فيفرح محمود بذلك ويعتز به لان فطومة اعلمته مرارا عديدة انها ترضى ان تموت فقيرة ولا تفرط فيه لانه فرحتها فى الحياة وبالحياة .

فتح القرطاس ثانية واخذ منه قطعة حلوى ثم دس الباقى فى جيب قميصه الطويل واسرع فى مشيه يخبط برجليه الحافيتين تراب الطريق . لقد طلب من معلم مدرسة البنات ، سى على ، ان يساعده على نقل امتعة زوجته وابنته اللتين تصلان فى ذلك اليوم من تونس . فوجد ذلك العرض فرصة طيبة لربح دريهمات يشترى منها هدية لفطومة ويعين والده الدلال العاطل منذ ايام من اجل كساد السوق وقلة الزبائن الذين يقل عددهم عند ما تقل الامطار بالجهة. كانت الساعة فى يوم الاربعاء ذاك ، تقترب من الواحدة ، فاشتدت فيها الحرارة وتسربت الى الارض والحجارة فلكعت رجل محمود الذى سعى لتجنبها فاستنجد بظل الاشجار وواقيات الدكاكين . وكان النور والضوء يملآن الاجواء والسكون

ويغمران كل شئ مندمجين فيه مكتسحين اياه . ففر معظم سكان البلدة من . الهجير وقصدوا بيوتهم . فخلا السوق الا من افراد قلائل اجتمعوا تحت ظل الاشجار ببطحاء البلدة الكبيرة . فكانوا يتحادثون او يستمعون بين يقظة ونعاس الى مذياع مقهى تونس يردد الحانا واغانى من تونس او باريس ثم يسكت فجأة فيبكم .

بلغ محمود مقهى تونس فرأى زبونا عاطلا يجلس على كرسى ويمد رجليه ثم ينادى - يا قهواجى شربة ماء باردة فاجابه الندل من الداخل والله ما تراها ولو نهق البهيم فى البحر . فابتسم محمود من مهاترتهما القصيرة التى تقع امثالها مئات المرات فى القرية واستغرب من وقع صوتهما فى السكون . فكلما ارتفع صوت او وقع ضجيج تضخم ورددته اصداء البلدة كلها فيرن غريبا شديدا فى اذنى محمود ثم يتفرقع فى السكون .

وصل الى فندق " مرتينى " الوحيد من نوعه بالبلدة فظهرت اليه مدام " مرتينى " سمينة حمراء ترفع بعسر رجلها البتراء . فحيته مبتسمة لانه باعها مرات عديدة نخالة امه لتغذى بها الاوز والخنازير التى جمعتها فى ساحة بمؤخر الفندق . رفع محمود مظلته واستوى على سياج الفندق الاسمنتى ناظرا الى شبان عاطلين قد استلقوا بكل ما لهم من عرض وطول على الاسمنت البارد . انهم يترقبون مثله قدوم الحافلة التى تقبل من تونس ثلاث مرات فى الاسبوع . استلقى على الارض مثلهم لكنه سمع دقات على الشباك القريب منه . التفت فرأى المعلم سى على يبتسم له ملوحا بيده يشكره على قدومه ثم رآه يقف فيفتح الشباك ويقرب وجهه الاسمر ذا الملامح الرقيقة .

- الكرهبة عدها وصلت والادباش كثيرة . الاحسن تكرى كريطة . - عندى حبل طويل يكفينى . - الله يبارك ، الشى يهمك ، وانت الحمال .

ثم اغلق الشباك وجلس يشرب جعة فلم يلاحظ ان محمود اجابه مقلدا لهجة اهل الجريد الذين اشتهروا فى بلدة تالة بكلامهم " النحوى " وبفطنتهم وشيق نكتتهم عند ما يصول ويجول " التكرورى " فى رؤوسهم . فهم اما اهل ورع او اهل زندقة . فامام البلدة جريدى كذلك حلاقها وخبازها وكعاكها وبائع نظاراتها . اما احد معلميها فهو سى على الذى تجنس وشرب الجعة على رؤوس الاشهاد وتزوج فرنسية ومشى على رأسه فى الارض . فهو لا يختلف عن زنادقة جهته اذ يعتبرون ان المغفرة خلقت لتبرر الاثم وتمحوه . فلا خير اذا فى من لا

يجرب اثما لينال مغفرة . فالانسان من اذنب ليعرف تجارب الحياة . اراد محمود ان يصفر ليتجنب النوم لكنه قام وارهف السمع فبلغه بغتة نعيق اهتزت له القرية كاملة . قفز واتجه الى الطريق الرئيسية فرأى الحافلة تطل من اسفل القرية تعلو كل المنازل بجثتها المتثاقلة التى تراكمت عليها الادباش . فلما وصلت امام منزل قعيد عوت ثانية ثم وقفت فانطلق بخار محركها التعب اللاهث وامتزج بالغبار الكثف . نزلت منها نساء توجهن مسرعات ملفوفات الى اسفل القرية وأطل عليها من الشوارع والازقة اناس كثيرون فيهم كثير من الاطفال الذين تعلقوا باخرها هائجين مائجين . فسرت الحركة فى السوق وعادت اليه الحياة . استمرت الحافلة فى سيرها ووقفت امام فندق " مرتينى " فحاصرها الناس وتعالت الاصوات وتهالك العاطلون على ادباشها فنشبت معركة بين اثنين فتلاكما حتى سال دمهما فادركهما شرطى تم ساقهما امامه .

- يا محمود اقرب من الباب . زوجتى وبنتتى وصلوا . - مبروك يا سى على ، مبروك . واقترب محمود من باب الحافلة يداعب حبله الطويل . رأى المعلم يرتفع على قدمية ويبتسم الى امراتين انيقتين ظلتا جالستين بينما ازدحم الركاب فى نزولهم حول عجوز جسيمة سدت ممر الحافلة باحثة عن دجاجة لها قد اختفت تحت الكراسى.

خف الزحام فتقدمت الام وتأخرت البنت فهرول سى على نحو زوجته فضمها بشغف وقبلها بحرارة امام الحاضرين ثم انتظرا البنت التى ملات قامتها الرشيقة باب السيارة . تعلق بها الناس وبفستانها الازرق الداكن الشفاف الذى لبس جسمها لبسا فابرز دقائق محاسنها فالتهمتها الانظار التهاما . وضعت برشاقة رجلها اليمنى على درج السيارة الاخير وما كادت تمد رجلها اليسرى على حجر الساقية حتى زلت فهوت وكادت تتهشم لولا محمود الذى لقفها بسرعة فالتوت يده اليمنى حول خصرها ونشبت يده اليسرى فى كتفها فمزقت ثوبها فانكشف مزيد من جسمها الابيض . استقامت سريعة ونظرت الى محمود مغتاظة ثم قالت بلهجة فرنسية حادة

- تشكر - وضعت والدتها لحافا احمر على كتفها وقادها ابوها الى الفندق مسليا . شعر محمود بجفاوتها فاغتاظ من معاملتها رغم حسن نيته . فندم على فعلته ثم توجه الى مؤخر السيارة يترقب الامتعة من حمادى بائع التذاكر . شد الادباش بكل ما اوتى من قوة كانه ينتقم منها واستعان برجلين لرميها على ظهره فسقطت عليه متكدسة على ظهره وكتفيه ورأسه فهو قليلا وتحرك متعثرا لكنه استقام وهم يمشى ثقيلا مجهدا نفسه قارنا اسنانه . فلما وصل قرب مخبزة شارلو

الايطالى شعر ان المعلم وزوجته وابنته يتتبعونه . وقف قرب شجرة وارتكز عليها بالادباش ليستريح ويمسح العرق الذى غمره وغشى عينيه . فلم يتوصل لمسحة خشية سقوط الامتعة فيغتاظ المعلم ويجبره على نقل الاثقال مع غيره فيقل اجره ، قلع نفسه من منصبه وعاد يمشى مكدا حتى اقترب من اصحاب الادباش فبدت امامه البنت بديعة فى فستانها تمشى برشاقة ، متباطئة ، متمايلة . تعلق بها فجذيته . فظن ان جاذيبتها ناتجة عن انوثتها وحرارة الشمس لكنه تراجع فى رأيه مقتنعا انها جميلة ولا يكون الجمال الا اذا كان فيه شىء من الفجور او التواضع . لقد فاز بحقيقتها . شعر بذلك الفجور والتواضع يتفاعلان فيها وفى مشيتها وعطرها الفواح الذى اشتمه عند ما زلت .

نسيها لما احس بالاثقال تؤلمه فوعد نفسه باستراحة قرب المستشفى . طأطأ رأسه ونظر الى الارض كى يتجاهل المسافة . مشى امتارا لكنه شعر فجأة بيد تأخذ منه كيسا كان بيده فظنه مزاحما ارسل به المعلم . رفع نظره فرآها تبتسم له ثم خاطبته بالعربية - اعطينى هذى احملها معاك - لا ! لا ! خلى عليك . - لكن هذا كله اثقيل عليك .

فسكت وقبض بشدة على الكيس ثم ركض حانقا على تطفلها . فهو لا يحتاج اليها ولا الى عطفها لانه يريد ان يتلذذ المه وحده . لحقته فاراد ان ينهرها لكنها سبقته تريد ان تكفر عن حدتها السابقة - انا اسمى صوفية وانت اش اسمك واش يخدم بوك ؟ - اسمى محمود وابى دلال .

وود لو اضاف ان والده دلال لكنه لم يمسخ نفسه كوالدها . لكنها بادرته ثانية بكلمات لطيفة واقتربت منه مبتسمة . ابتسم لها رغم انفه . رآها تنظر الى صدره والى عضلات ذراعيه التى برزت فتكورت تكاد تفلق قميصه . وتعلق نظرها برجليه الحافيتين فكانتا تدوسان حصى الطريق دون ان تدمى . انزعج من نظرها فحدق فيها من تحت اثقاله ثم اسرع فى مشيته تاركا اياها . دخل غرفة الاستقبال واشتغل بفك الادباش . فلما انتهى التفت يريد الخروج قرآها فى زاوية . كانت جالسة على كرسى قد رفعت فستانها عن ركبتيها وفتحتة عن صدرها واستعملت مهواة تجلب لها النسيم . فظهر طرفا نهديها اللذين ملآ صدرها وانكشف فخذاها الابيضان المكتنزان حدق فيها محمود والعرق يكسو جسمه ثم تساءل عن قلة حياتها منه فرآها تنظر الى رجليه يعينيها المتكاسلتين اللتين كانتا تسرقان محيطها سرقة كأنهما تحلمان به . قفز منزعجا وخرج هاربا بعد ما تسلم اجرته . نزل الى السوق يفكر فى اسباب نظرتها الى رجليه فوجدها كثيرة . تناساها بعد قليل عند ما تذكر ان فطومة حافية مثله وان الحفاة فى القرية اكثر من المنتعلين وان حفاة الارض اغلبية . وتناساها نهائيا كما ينسى حلما مضطريا ففكر فى المؤدب وفى الاستسقاء .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية