2
بمناسبة عيد النصر وهو الاحتفال برجوع المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة منتصرا فى غرة جوان 1955 . ننشر فصلا آخر من الدراسة التى قام بها الدكتور عبد الغفار محمود حسين الاستاذ بكية طنطا ..
الى فرنسا : (* )
وقضى بورقيبة مدة فى مصر ثم أحس انه من الضرورى وكما كسب لتونس اصواتا حرة فى أمريكا يجب أن يكسب لها أصواتا حرة أخرى ولكن هذه المرة فى فرنسا نفسها ، فما فائدة أن يكسب لقضية بلاده مؤيدين فى العالم بينما الفرنسيون يصرون على موقفهم والصحافة الفرنسية تستمر فى هجومها عليه وعلى سياسته وعلى الحزب الدستورى . واذن فقد آن الوقت لكى يقوم بعرض قضيته مرة اخرى فى فرنسا ، وان المحاولة تلو المحاولة لابد ستأتى بالثمرة ولابد سيأتى اليوم الذي تجد فيه قضية تونس مؤيدين من الاحرار فى فرنسا وستجد صحفا تقف بجانبها وسيجد اناسا يفهمونه ويفهمون سياسته ويقتنعون بها . ولتكن رحلته الى فرنسا
خرج بورقيبة فى الرابع عشر من ابريل سنة 1950 الى اوربا بعد ان قام بجولة له فى الجنوب التونسى شحذ فيها الاذهان وهيأ النفوس لمعركة سلمية مع فرنسا أو معركة مسلحة إذا ما دعا الداعى الى ذلك ، خرج بورقيبة وقد أحس بالحاجة الى جمع شتات الطلبة التونسيين فى فرنسا وتهيئتهم للقيام بدور
الارشاد والقيادة ، والى انذار الرأى العام الفرنسي ، ومفاتحة المسؤولين الفرنسيين فى امر القيام بحوار جدى مع تونس حتى لا يصل الامر الى مرحلة الخطر ، وحتى لا يصل الى طريق مسدود . وبعد وصوله مباشرة الى باريس ادلى بتصريح الى صحيفة ( لوموند ) شكا فيه من أن الفرنسيين يصرون على عدم الاعتراف بإرادة التونسيين المتزايدة فى التمرد والثورة وذلك فى الوقت الذي استرجع فيه ثلثا العرب استقلالهم ، وابدى رغبته فى الوصول مع فرنسا الى اتفاق مقبول ومعقول ، ولكنه لم يجد اذنا مصغية فخشى ان يؤدى ذلك الى اضطرابات مؤسفة فواصل طريقه دون تراخ وعقد ندوة صحفية فى نفس اليوم صرح فيها بأنه يود ان يكون استقلال تونس باتفاق مع فرنسا ويكون لفائدتها ولفائدة تونس وقبل فوات الاوان ( 1 ) . وفي اليوم التالي مد يده الى الفرنسيين وحدد مطالبه ومطالب بلاده فى سبع نقاط افضى بها الى وكالة الانباء الفرنسية . A.F.P واضعا الفرنسيين بذلك أمام مطالب محددة حتى لا يترك لهم فرصة الهرب .
1) اقامة سلطة تنفيذية تونسية تكون امينة على السيادة التونسية . 2 ) تشكيل حكومة تونسية مسؤولة يرأسها رئيس للوزراء يعينه الباى ويصبح رئيسا للدولة .
3 ) الغاء الكتابة العامة . 4 ) الغاء منصب المراقبين المدنيين وترك السلطة للتونسيين 5 ) الغاء الجندرمة الفرنسية لانها موضوعة تحت اشراف وزير الدفاع الفرنسى وهذا يجعلها تمثل احتلالا عسكريا
6) تأسيس بلديات منتخبة تمثل فيها المصالح الفرنسية فى الاماكن التى يوجد بها اقليات فرنسية .
7) انشاء مجلس قومى منتخب بالاقتراع العام يعد لدستور ديموقراطى ينظم العلاقات بين فرنسا وتونس على اساس احترام مصالح فرنسا الشرعية بشرط احترام السيادة التونسية ( 2) .
ارسل بورقيبة رسالتين الى صديق له هو العابد بوحافه كان يشرف على لجنة المغرب في الولايات المتحدة نشرتهما جريدة ( الفيجارو ) فى 5 ابريل سنة 1952 ولكنها اسقطت من الرسالة الاولى المرسله فى 23 مايو سنة1950 ستة اسطر . وفي الرسالة الثانية فى 5 يوليو سنة 1950 كان بورقيبه يرفض فيها كل تحالف مع الحزب الدستورى القديم لانه ( شرذمه يغلب عليها الحسد والحقد ) وعاجزة عن العمل المفيد الناجع
وكان يهدف من ذلك الى توضيح برنامح النقاط السبع والدفاع عن سياسته التي تقوم على أساس بذل جميع الجهود للحصول على اتفاق مع فرنسا بالطرق الدبلوماسية ويأمل الا يلتجئ التونسيون الى المقاومة المسلحه اذا لم يصل مع فرنسا إلى اتفاق بالطرق الودية (3)
وفي 28 ابريل عقد بورقيبة ندوة صحفية فى نزل لوتيسيا Hotel Lotetic حضرها م. جى موليه سكرتير عام الحزب الاشتراكى الفرنسى ، وم . غورى وزير الشؤون الاسلامية وم . شارل اندرى جوليان وم. سافارى العضوان بمجلس الوحدة الفرنسية ، وفي هذه الندوة القى بورقيبة بيانا ضافيا عن العلاقات التونسية الفرنسية وعن موقف الحزب الدستورى منها وقال : ان الحماية مفروضة بقوة السلاح ومع ذلك فقد اعترفت فرنسا بأنها نظام وقتى يزول بزوال اسبابها ، ولكنها مع ذلك سارت فى طريق فرنسة الادارة فى تونس وعمدت الى سياسة ملتوية للقضاء على الشخصية التونسية ، وطالب الشعب الفرنسى بأن يرد للتونسيين وطنهم اذن لا داعي لاضطرابات دامية قد لا تؤول نتيجتها لمصلحة فرنسا (4)
وكانت احدى الدول العربية قد اذاعت ان تونس تنوى عرض قضيتها على هيئة الامم ، فكذب بورقبية فى أول مايو ذلك وقال : إنه لا يزال على موقفه ويفضل أولا اجراء حوار مباشر مستمر مع فرنسا للوصول الى استقلال تونسى وللحفاظ على علائق الود والتعاون معها وهو ما جاء الى فرنسا الا من أجل هذا وحتى لا يصل الموقف الى حالة القطيعة ، كما انه ادلى بحديث آخر الى (جورنال دى جنيف ) صرح فيه بأنه لو استمرت فرنسا على تعنتها فانه ليس امام التونسيين الا الكفاح المسلح فى سبيل حريتهم ( 5)
وفي الثامن عشر من مايو دعته الكتلة البرلمانية الاشتراكية التى كانت تضم نواب هذا الحزب فى مجلس النواب الى اجتماع فى احدى قاعات البرلمان ووجد بورقيبة الفرصة السانحة ليبسط قضية تونس وبرنامج الحزب الدستورى ومطالب الشعب التونسى باسهاب (6 ) وتكررت هذه الفرصة امام المجموعة البرلمانية ( الكتلة الجمهورية الشعبية M.R.P) وهنا ذكر أن المطالب السبعة التى تقدم بها تمثل اساسا صالحا لقيام حوار بين تونس وفرنسا على اساس ان تنال تونس استقلالها بالتعاون مع فرنسا وعلى اساس الحفاظ على مصالح فرنسا فى تونس بشرط ان يتم ذلك فى نطاق السيادة التونسية (7) واقتنع رجال الاشتراكية فى فرنسا بهذه المطالب فاقترح الحزب الاشتراكى فى مؤتمره الذى عقد فى باريس فى آخر مايو فتح حوار مع تونس وممثليها من أجل :
1) تحديد موعد لالغاء الحماية وانهائها والوصول بتونس الى الاستقلال . 2 ) ادخال اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية فى تونس توفر النظام الديموقراطى فيها .
3) عقد معاهدة بين البلدين على قدم المساواة فى شؤون الدفاع والخارجية والاقتصاد والثقافة ( 8)
حدث هذا فى الوقت الذى كانت وزارة الخارجية الفرنسية تصر على التمسك بتونس وعلى ضرورة المشاركة فى حكمها ، وأعلن متحدث بلسانها ان بورقيبة لا يمثل تونس (8) فما كان من الباى الا ان جدد له الثقة وأرسل له رسالة بهذا المعنى ، فثارت ثائرة الجالية الفرنسية فى تونس من أجل موقف المجموعة الاشتراكية وخشيت أن ينجح بورقيبة فى اقناع المسؤولين بوجهة نظره ، وذهبت وفودها الى باريس واحدة بعد الاخرى لتناهض هذا النشاط وأرسل انطوان كولونا النائب الفرنسى فى البرلمان ممثلا للجالية رسالة الى صحيفة الموند فى 5 مايو سنة 1950 كما ارسل العديد من ممثلى هذه الجالية مذكرة مطولة الى روبير شومان Robert Schumen حذروا فيها من
اخطار تصوروا وقوعها لو استجابت فرنسا لمطالب بورقيبه ، وختموا المذكرة بأن الوضع الطبيعي الذي يحفظ لهم ولفرنسا حقوقهم هو ضرورة ان يشاركوا فى حكم تونس ، وأن تظل بلدا مرتبطا بفرنسا ( 10)
ورغم كل هذا فقد استمر بورقية فى عمله وقام منذ اول يونيو بجولة فى ربوع فرنسا جمع فيها الطلبة التونسيين وشرح لهم الامور فى تونس ، واستمر يناقش فيها رجالات فرنسا الاحرار فى أمورها وفى قضاياها
وأثار هذا الموقف كلا من م . ناجلان الوالى العام للجزائر والجنران جوان المقيم العام في مراكش فقاما لنجدة المعمرين واعلنا انهما لا يتحملان مسؤولية الامن في البلدين اذا ما ادخلت فرنسا اصلاحات جوهرية فى تونس ، ومع ذلك فقد احرز بورقيبية نصرا حين قامت السلطات الفرنسية بتأثير الحزب الاشتراكى الفرنسى بتغيير الاقامة العامة وتعيين م . برييه M.Perillet بدلا من مونص Mons ولكن بورقيبة لم يكن بالرجل الذى يقنع بشكليات فتغيير الاقامة العامة ليس هو المراد ، فقام بشرح حقيقة الموقف ويعلن أن تغيير الشخصية للمقيم العام لا يكفي انما المراد هو ارجاع السيادة الحقيقية الى التونسيين وقيام دولة تونسية لها شخصيتها الخاصة يتمتع فيها التونسيون بمقاليد الحكم فى بلدهم حسب اعتراف صريح جاءت به نصوص المعاهدات ، وبعدها تستطيع تونس ان تعقد معاهدة تحالف وصداقة مع فرنسا تضبط العلاقات بينهما ( 11 ) فما كان من روبير شومان الا ان صرح أن مهمة م برييه انما هى تفهم الموقف فى تونس والسير بها الى الازدهار والى طريق الاستقلال ، وقام برييه من ناحيته فصرح بمثل هذا ، فوقف بورقيبة مرحبا ومجندا وطالب بعمل ايجابى يحقق هذا الوعد واقترح :
1_ ان يقوم برييه بالاتفاق مع الباى وممثلى تونس على محتوى ومدة المراحل اللازمة لتحقيق هذا الاستقلال
2 - وان يقوم بتطهير الادارة العليا من العناصر الرجعية ، وان يستعين باعضاء صادقين يؤمنون بسداد هذه السياسة
كما اشار الى البنود السبعة التى تقوم بها كأساس صالح لاجابة مطالب تونس (12)
وقبل ان يعود بورقيبة من جولته هذه ألقى كلمة ضافية في 31 يولية 1950 ودعا فيها نواب الجمعية القومية ومجلس الشيوخ ومستشارى المجلس الجمهورى ، والصحفيين ورجال السياسة وشرح فيها مرة أخرى قضية تونس وأشار الى انها وان كانت قد كسبت حضاريا وماديا وفكريا واجتماعيا فى ظل الحكم الفرنسى فانها خسرت كرامتها وحريتها من جراء التسلط العسكري والادارى الفرنسى ، واستغلال امكانيات البلاد لمصلحة المستعمرين الفرنسين . وقال ان صفوف الشعب التونسى ممثلة فى الحزب الدستورى الذى يلقى تاييد الباى وتعضيده ، والوزارة التونسية والحجرة الفلاحية ، ونقابة العمال ، والاتحادات المختلفة تطالب برفع هذه السيطرة عن البلاد ، واقامة حكومة تونسية وطنية مسؤولة تتولى ضبط كيفية التعاون بين تونس وفرنسا
ثم اظهر اسفه من أن كثيرا من الفرنسيين لا يزالون لا يؤمنون بعدالة هذه المطالب ، ويتمسكون بحقهم فى الدفاع عن تونس وحماية مصالحهم بالقوة ، وذلك دون النظر الى مصلحة التونسيين وحقهم في الحرية فى بلادهم ، بل انهم اصبحوا يعتقدون ان سياسة القهر والاستعلاء هي السياسة الناجحة لصيانة بلادهم مع أن العكس هو الصحيح . اذ التعاون القائم على تبادل المصالح فى ظل الحرية والعدالة هو الافضل وذلك بالطبع يرجع الى خضوع الحكومة الفرنسية الى تسلط المعمرين الذين طغت عليهم الخيلاء وقصرت عقولهم عن ادراك حقيقة تطور الشعب التونسى وادعوا ان تخفيف وطأة فرنسا عن تونس معناه تهديد لامنهم وضياع لمصالحهم وهزيمة لفرنسا . واختتم كلامه بأن الشعب التونسى يعتمد على تفهم رجالات فرنسا الاحرار لحقيقة الموقف فى تونس ( 13)
ثم سرعان ما ادرك بورقيبة حقيقة الحال وان برييه يتجه الى ادخال اصلاحات شكلية ، ورقابة الكاتب العام والمقيم العام على التصرفات الادارية والتشريعية ما زالت سارية وانها عملية مفروغ منها ، فما كان منه الا ان ارسل الى اصدقائه
في فرنسا يشرح لهم خطورة ذلك ويوضح لهم ان هذا الخداع والتراجع سوف يؤدى الى تفاقم الحال ( 14)
ثم تشكلت وزارة تونسية برئاسة محمد شنيق اطلق عليها ( الوزارة التفاوضية ) لانها اعدت لاجراء مفاوضة مع فرنسا ، وضمت هذه الوزارة عضوين من الحزب الدستورى ، وذهبت الى باريس . وبدأت المفاوضات التى أخذت تتعثر بعد قليل امام مراوغة السلطات الفرنسية وسعايات المغرضين ومؤامرات المعمرين وتمسكهم بمصالحهم مع استخدامهم للعنف والمؤامرات وكان بورقيبة قد ذهب الى باريس للتداوى فكتب فى 28 نوفمبر يشرح حقيقة الموقف ويبدى أسفه لتراجع الفرنسيين عن وعودهم ، ويهاجم وعودهم فى الاصلاح ويوضح لهم ان ما يبغونه حقيقة انما هو العبث والمراوغة ، ويوضح لهم ان ما يريده الشعب التونسى انما هو الاستقلال الذى لن يرضى عنه بديلا وان تعثر المفاوضات انما يوضح حقيقة النوايا الفرنسية وتمسكها بمشاركه المعمرين في ادارة تونس واشرافهم عليها ، متعللين فى ذلك بتعديلات لا قيمة لها ، وانهم - حتى يعرقوا المفاوضات - يقومون بتحدى الاهالى مثلما فعلوا فى النفيضة التى أمر المراقب المدنى نفسه فيها باطلاق النار على الاهالى ، وقال : انه من الخير لفرنسا وللمعمرين الالتفات الى مصالحهم الحقيقية والتعاون مع تونس الحرة المستقلة ، وانهم بمحاولتهم فرض مصالحهم بالقوة سيبوؤون حتما بالفشل حيث ان الشعب التونسى لن يرضى عن الاستقلال بديلا . وقد جربت فرنسا فيتنام وفشلت ، وستبوء بالفشل ايضا فى تونس لو كررت سياسة القوة الغاشمة متجاهلة روح الوطنية عند التونسيين . والحزب الدستورى - المؤيد من قبل الباى والشعب التونسى - حينما شارك فى وزارة التفاوض كان ذلك على أساس تصريح وزير الخارجية والمقيم العام ، واذا ما ثبت له فى النهاية سوء نية المسؤولين فانه لن يتردد - آسفا - فى الانسحاب من الوزارة وحمل لواء المقاومة حتى تنال تونس مطالبها (15) ٢ - حيث -
ثم عاد بورقيبة الى تونس ليخرج منها مرة أخرى فى 2 فبراير سنة 1951 ولكن الى الشرق هذه المرة . فقد تعثرت المفاوضات كما رأينا ، ووصلت الى طريق
مسدود ، وأراد بورقيبة ان يكشف حقيقة النوايا الفرنسية ويدعم موقفه وموقف القضية التونسية خاصة وأن تونس كانت مقبلة على بسط قضيتها امام هيئة الامم ، وسترينا الظروف والمواقف ان هذه الجولة التى قام بها بورقيبة الى الشرق والى باكستان كانت جولة مفيدة لان هذه الدول - كما سنرى - ستناصر هذه القضية وستقف معها موقفا طيبا .
فى الشرق :
فى الطريق الى الشرق مر بورقيبة بالقاهرة حيث قضى فيها بضعة ايام سافر بعدها الى باكستان ونزل بكراتشى حيث قابل رئيس الحكومة على خان وخرج منها الى لاهور فعقد فيها ندوة صحفية فى أول مارس سنة 1951 واوضح فيها انه اما ان يتحرك العالم اذا ما بدأت المعركة بين تونس وفرنسا وفى هذه الحالة ستحقق تونس النصر كما حدث فى اندونيسيا ، واما أن لا يتحرك فتبقى تونس منعزلة وحيدة فى الميدان وحينذاك سيكون مصير قضيتها الفشل كما حدث فى مدغشقر ( 16 ) وواصل جولته الى دلهى فوصلها في 22 منه صحبة الطيب سليم وقابل جواهر لال نهرو ومنها الى كوالا لمبور ثم جاكرتا فى العاشر من أبريل حيث قابل احمد سوكارنو وخطب في جاكرتا في أعضاء حزب (مسجومى) الاسلامى النزعة . وبعدها عاد الى كوالالمبور مرة اخرة ثم الى بمباى فكراتشى وحضر فيها المؤتمر الاسلامى الثانى الذي عقد في الثامن من مايو وألقى فيه كلمة باسم شعب تونس وباسمه وملكها الباى محمد الامين دعا فيها المجتمعين والعالم الاسلامى الى بحث حالة الامم والشعوب الاسلامية التى ترسف في اغلال الحماية ، والى دراسة الوسائل التى يمكن ان تساعد هذه الشعوب على نيل استقلالها وحريتها ، وقال ان تونس على استعداد لخوض معركتها الى النهاية ، وهي معركة شرسة يجب على الشعوب الاسلامية اذا ما قامت هذه الحرب وهذا الصراع الا تترك شقيقتها تونس بمفردها وان تقف في وجه فرنسا وترفع صوتها مطالبة بالكف عن السياسة الاستعمارية فى المغرب العربى وجذب كل الشعوب العربية والمحبة للسلام للوقوف معها ، ومطالبة هيئة الامم المتحدة بتطبيق نصوص ميثاقها فى هذه المنطقة (17)
وقد أتاح هذا المؤتمر لزعماء الشعوب الاسلامية أن تتلاقى وتتعارف وتشعر بالقوة التى تمثلها فى العالم ، وتدرس الصعوبات والعقبات التى تقوم فى طريقها ، فأخذت ترسم عملا مشتركا غايته التعجيل بتحرير الشعوب الاسلامية من ربقة الاستعمار ، كما ادركت ان التضامن الحقيقى يجعل منها قوة تدفع العالم الاستعمارى الى أن يعمل له حسابه ، وشعر المجتمعون بأن العالم الاسلامى وقوته هو وسيلة صارمة فى طريق تقدم المسلمين
وتبين لبورقيبة فى هذه الجولة ان الناس فى باكستان واندونيسيا على علم قليل بمشاكل شمال افريقيا ، ولم يكونوا يدركون حقيقة ما يقوم فى طريق كفاج هذه المنطقة من مصاعب ولذلك فقد قال بورقيبة بأنه لا بد لزعماء الشمال الافريقى من بسط قضيتهم ومشاكلها ، لانها فى حاجة الى القوة الادبية والمساعدة الدبلوماسية لاكراه فرنسا على ترك سبيل القوة والاستماع الى صوت العقل ولذا فهو لم يترك باكستان الا بعد ان اسس فيها لجنة ( احباب المغرب) وهي لجنة ضمت بين صفوفها عددا من الشخصيات الكبيرة التى تعرفت الى المغرب وآمنت بقضيته ، وتمنى بورقيبة لو أنه بعث بأحد الشخصيات التى تعرف اللغة الانجليزية فتقيم فى هذه المنطقة وتكون واسطة بين الحركة القومية والتونسية وهذه الشعوب الصديقة (18)
فى أوربا :
وبعد هذه الجولة سافر بورقيبة مباشرة الى أوربا ، فهو رجل لا يمل يعرف كيف يتحرك وحط فى ميلانو ليشارك في مؤتمر ( الاتحاد العالمى للنقابات الحرة .U.G.T ) وكان الى جانب الزعيم النقابى الكبير فرحات حشاد وفى حديثه عن الموقف السياسى فى تونس كان صريحا اذ اجاب عن السبب الذي جعل تونس تفصل الاتحاد العام للعمال التونسيين U.G.T.T عن الاتحاد العام العالمى للنقابات بأن ذلك يرجع الى ان هذا الاتحاد يهتم بمصالح الاتحاد السوفيتى والشيوعية فقط ، ولان التونسيين يعملون من اجل حرية الشعوب والافراد فى تونس وفي غيرها ( 19)
ذهب الى لندن فوصلها فى 17 يولية حيث عقد فيها عدة اجتماعات مع العديد من الشخصيات البريطانية السياسية والصحفية وقادة المنظمات ، وزار نوادى عدة ، وأقام له عدد من أعضاء مجلس اللوردات مأدبة عشاء ، وفى مجلس العموم اجتمع باعضاء الكتلة البرلمانية لحزب العمال وتحدث اليهم ، كما افضى ايضا بعديد من التصريحات للصحف ووكالات الانباء واذاعة لندن ، وفى احاديثه هذه كانت قضية تونس هى محور الاهتمام ، ففي مجلس العموم حيث التقى بجماعة من نواب حزب العمال ومن بينهم لسلى هال Lislie Hale وهو رجل كان قد زار تونس في صحبة م . فنربروكواى M.Fenner Brockway .رئيس المؤتمر الشعبى ، وذلك لحضور المؤتمر الذى عقده الاتحاد العام للعمال التونسيين فرأى بنفسه الاحوال فى تونس ، ألقى بورقيبة بيانا تفصيليا عن الحالة السياسية فى تونس ، وركز بصفة خاصة على الصورة الدولية للتجربة الحاليه فيها ، وأكد ان العقبة الرئيسية امام قضية تونس وامام التقارب التونسى الفرنسى انما هو موقف الاستعمار الفرنسى الذي يركز اهتمامه على المصالح الخارجية لفرنسا ، وأجاب عن الاسئلة العديدة التى وجهت اليه وخاصة من مسيو ريد Reid سكرتير عام حزب العمال .
و كان وجود بورقيبة فى لندن فى ذلك الوقت فرصة التقى فيها بالعديد من الدبلوماسيين العرب وعقد معهم عددا من الاجتماعات (20)
وامام الاسئلة العديدة التى وجهت الى بورقيبة افاض فى شرح قضية بلاده وأوضح حقيقة الموقف فيها . فذكر ان تونس حققت وحدتها تحت رعاية الباى وهى تصمم على نيل حريتها واستقلالها فهى تعانى من تحكم 150 ألف فرنسى فى اقتصادها وامورها السياسية والادارية ، وان فى تونس الحزب الدستورى الذي يضم 300 ألف عضو ينتشرون في المدن والقرى والبوادى بعملون فى حزم واصرار على تحرير بلادهم وتخليصها من الاستبداد الفرنسى ، وذكر بورقيبة ان تونس التى تعانى من هذا الاستبداد انما تأمل فى وقوف احرار العالم معها وتأييدهم لقضيتها العادلة ، وهو من اجل هذا قد زار الهند وباكستان والملايو وسيلان واندونيسيا ووجد الشعوب فى هذه المناطق تساند قضية تونس وتقف مع قضايا الحرية والعدل فى كل مكان ، والآن جاء الدور على احرار الشعب البريطانى ليؤدى دوره لخدمة هذه القضايا ، وللوقوف امام الشيوعية الدولية
وهو جد مسرور لما لمس من تعاطف نواب حزب العمال مع تونس وقضيتها فان فى انجلترا شعبا عظيما يؤيد مثل هذه القضايا ( 21)
ولما دعته مجموعة العمال البرلمانية لالقاء كلمة توضيحية عن قضية بلاده وعقد هذا الاجتماع تحت رئاسة النائب المشهور سلوين لويد Sellwyn Loyd فى 24 يولية قام بورقيبة بشرح هذه القضية ، ووضع امام المجتمعين الصعوبات والمشاكل التى تعترض الحزب الدستورى وتعترض تونس لتحقيق حكم ديمقراطى حقيقي فيها ، تصبو اليه كل التنظيمات الوطنية ، وهاجم الموقف السلبى الذى تتخذه فرنسا التى ترفض حقوق الشعب التونسى فى الحرية والاستقلال مما يهدد بقيام مواجهة مسلحة بين الشعب التونسى وفرنسا ولكن الشعب التونسى يلجأ اولا الى احرار العالم للوقوف معه فى معركته حتى تثوب فرنسا الى رشدها ، ورغبة فى تجنب هذه المواجهة ، ولما سئل بورقيبة عن كيفية قيام تونس بالدفاع عن نفسها وضمان ذلك فى حالة حصولها على الاستقلال ، وعن موقفها من ( الاتحاد الفرنسى ) رد بأنها يمكن ان تعقد مع فرنسا معاهدة دفاعية ، اما إذا حدث العكس وحصلت تونس على الاستقلال بالقوة المسلحة دون الاتفاق الودى مع فرنسا فانها فى هذه الحالة ستعقد هذه المحالفة الدفاعية مع دولة اخرى ، وتونس عموما تؤكد قدرتها على الدفاع عن نفسها ، اما فيما يختص ( بالاتحاد الفرنسى ) فقد قال بورقيبة ان تونس ترفضه لانه فى الحقيقة شكل من اشكال الاستعمار ثم استطرد بورقيبة فذكر ان ادعاء البعض بأن اقتصاد تونس يتدهور انما هو ادعاء يتجنبه الصواب لان الحقيقة هى أن هذا الاقتصاد تعرض لنهب المعمرين ، واذا ما استقلت تونس فانها يمكنها ان تقيم أسسا جديدة لاقتصاد جديد يخدم الشعب التونسى ويحقق له مصالحه ورفاهيته ، وذلك بالعناية بالتصنيع والبحث عن المواد الخام واستخدام اليد العاملة الوطنية ، وازاء هذا كله فان تونس تطالب الانجليز بأن يقوموا باقناع فرنسا بالتخلى عن سياستها الحالية وتطبيق سياسة أكثر عدالة ، وبأن يقنعوا الرأى العام بذلك وبأن يقدموا المساعدة لتونس اذا ما حدث الاصطدام مع فرنسا . (22)
ودوى صوت بورقيبة فى أوربا فجاء مراسل صحيفة ( بلجيكا الحرة) م . رايموند لاكوست الى لندن ليقابل بورقيبة وليحصل منه على حديث وليتعرف على الحزب الدستورى ومبادئه وعلى علاقات تونس بفرنسا وفى هذا الحديث ابدى بورقيبة أسفه من أن فرنسا لم تنفذ ما سبق أن اعلنه م . روبير شومان فى 11 يونية سنة 1950 وابدى استياء من حكم المقيم العام برييه (Periellet) وما وعد به من العمل على استقلال تونس ، وانها لا تزال تحظر اجتماعات الحزب الدستورى ، ولا تزال تحتفظ فى يدها بكل السلطات الفعلية ، ولا تترك للتونسيين اى سلطة فى حكم بلدهم ، وقال ان التونسيين يريدون الغاء الحكم الفرنسى المباشر ويطالبون بمجالس بلدية منتخبة ، ومجلس تشريعى منتخب بالاقتراع العام يناط به وضع دستور ديموقراطى ، وايجاد شكل عادل للعلاقات بين تونس وفرنسا .
ولما سئل بورقيبة عما إذا كان فى نية تونس رفع شكو امام هيئة الامم اجاب بأن هذا غير وارد الآن ولكنه قد يفكر فيه اذا لزم الامر . وان فى نيته زيارة السعودية (23) استكمالا لجولة اعلامية من اجل قضية تونس
الصحافة السويدية وبورقيبة :
وكتبت الصحافة السويدية أحاديث مع بورقيبة عنه وعن قضية تونس ، فقد ذكرت صحيفة داجانس نبيتار Dogens Nyheter فى 9 أغسطس انه يريد وضع حد للسيادة الفرنسية وتدخل الفرنسيين فى حياة الناس العامة وأشادت برحلاته الى مصر والشرق الاقصى ، تلك الرحلات التى اطلعت الرأى العام على قضية تونس والمغرب ومطالبها العادلة ( 24)
وذكرت صحيفة ستكهولم تيدنجن Stockholm Tidningen فى 9 أغسطس ايضا ان بورقيبة رجل ذكي وذو حركة دائبة وضع السلطات الفرنسية بنشاطه الجم وحكمته موضع الاختبار منذ سنة 1934 فهو قد ترأس الحزب الدستورى الذى عمل لاستقلال تونس ولتحقيق العدالة الاجتماعية فيها ، أما عن نشاطه وجهاده فقد قالت : انه يمثل
ديناميكية مرنة فهو لا يريد القاء الفرنسيين فى البحر كما يدعون وانما يريد فقط أن يتركوا للتونسيين ادارة شؤونهم بانفسهم (25) اما صحيفة سفينسكا داقبلاجيت Svenska Dagbaget فقالت : إن بورقيبة لا يريد الا التعاون مع فرنسا فى اطار من الصداقة ولكن بعد ان تنال تونس استقلالها وتنال حريتها وتمسك بزمام شؤونها ، وهي جديرة بهذا فقد بلغت من التطور حدا يمكنها من ذلك وقام بورقيبة من جهته فأرسل الى ( استكهولم ) فى 8 أغسطس سنة 1951 يقول ان العمل المباشر هو هدفه ، وان من الواجب الاعتراف بأن بلادا عديدة مستعمرة نالت حريتها عن طريق المعارك اما هو فانه يقوم بهذه الرحلة لتوجيه الاذهان والرأى العام نحو عدالة قضية بلاده لان الحزب الدستورى يريد تحقيق حرية تونس بالتفاهم مع فرنسا عن طريق الحوار المباشر ، وهو على هذا يتجه الى المؤتمر الذى سيعقده الاتحاد الحر للعمال فى استكهولم فى الفترة من 9 الى 11 أغسطس آملا منه الوقوف مع الحق التونسى ، وكان يأمل التحدث مع قادة الحزب الاشتراكى - الديمقراطى فى السويد ولكنه لم يتمكن من ذلك (26)
وبعد رحلة بورقيبة فى السويد وبلجيكا عاد الى لندن ثانية وقابل م . ماسيجلى M.Masigli سفير فرنسا فى لندن وعقد معه اجتماعا تحادثا فيه عن القضية ( 27)
( يتبع )

