المذهب مجموعة من الآراء المنسجمة التى يختص بها فرد من الافراد ، او جماعة من الجماعات ، وتتصل هذه الآراء بأوجه الحياة المختلفة . فمنها ما يتصل بالسياسة ، ومنها ما يتصل بالدين ، او الاقتصاد ، او الأدب ، الى غير ذلك .
وعادة ما تعتمد هذه المذاهب على تصورات رئيسية يؤمن بها صاحب المذهب ايمانا عميقا ، وهى بذلك تكون المفتاح لفهم ما يبدر منه من اقوال واعمال فى حياته العامة والخاصة . وهذه التصورات هى بمثابة الركائز التى يعتمد عليها التفكير ، والتعبير ، والسلوك فى نطاق هذا المذهب او ذاك . وزيادة فى التوضيح نقول : ان مانعه " بالتصور " هنا هو فكرة من نوع خاص تتصل بجميع الوجه النشاط الذاتى للانسان . اذ انها تتصل بفكره وعاطفته ، وخياله فى آن معا . فالحرية مثلا ، هى فكرة عندما نقول : " الحرية ، هى التخلص من كل القيود التى تصدنا عن حرية الحركة " ، لكن الحرية تتصل بالعاطعفة اتصالا وثيقا ، عندما نرى انه لا بد لنا من ان نعيش احرارا ، وان الموت افضل من حياة العبودية واشرف . وهى أيضا فكرة ، تتصل بخيالنا اوثق اتصال ، اذ انها لا تفارقنا فى بحثنا عن الوصول الى هذه المدينة الفاضلة التى ينتفى فيها الظلم ، هذه الحياة الفضلى التى لا ينغصها الضيم .
وتتصل هذه التصورات بجميع انواع النشاط الانسانى ، فهى قائمة فى الادب قيامها فى السياسة ، والدين ، والعلم ايضا . فلكم مات الناس فى سبيلها أفواجا ، ولكم امنوا بأنها من عناصر مقومات شخصيتهم ، اذ انها فى الواقع لا تعدو أن تكون تصويرا لما يحن اليه الانسان فى شعوره ولا شعوره من شوق الى الكمال ، وتوق الى السعادة والمعرفة وقد تعتمد هذه التصورات فى امتدادها ، وتعميق جذورها ، على بعض المعانى المجردة التى نوصلها بتعاطفنا معها الى حد التقديس فلقد كان لفكرة " التقدم " مثلا من الاثر على نفوس الساسة والكتاب وآثارهم ما وصل الى حد التحكم المطلق ، فسرت هذه الفكرة الى كل ما خلفوه من آثار كتابية أو غيرها ، حتى لقد جعلت حياتهم عبارة عن جهاد متواصل فى سبيل اقرارها ، والدفاع عنها ، وتبليغها للناس
كافة ؛ وهنالك ايضا تصورات تتصل بعالم المحسوسات كالدم والعرق مثلا . ولقد كان لها هى ايضا من الاثر على نفوس الأفراد والجماعات وتصرفاتهم الاثر البالغ . فالوطنية لا تكون قريبة للنفس ان هى لم ترتبط بمثل هذه التصورات العرقية والدموية ، وإن كانت كثير من الاعمال المخزية والحروب المدمرة ، وانواع الشرور قد قامت على مثل هذه التصورات الحسية . ولنا شاهد على ذلك فيما قامت به النازية والفاشية منذ أمد ليس بالبعيد ، أو ليس لنا فى هذه التصورات ما يشير الى أنها كانت وما زالت تتحكم فى مصائر الامم وتقود خطاها نحو ما ترسمه من اهداف اخلاقية وروحية ؟ فلو نظرنا مثلا الى السكة الفرنسية ايام الاحتلال النازى لوجدناها تحمل هذه الكلمات الثلاث : العمل والعائلة والوطن ، وهى تصورات اليمين الفرنسى ، التى عوضت التصورات التقدمية التى اعلنت عنها الثورة الفرنسية عندما كانت السكة تحمل الكلمات الثلاث الاخرى : الحرية والعدالة والاخوة . الا يمكن لنا القول بان هذه التصورات هى المرآة الصادقة لما عليه المجتمع فى هذه الفترة او تلك من حالة اخلاقية عامة ، وضعف او قوة سياسية . وكأنى بهذين العنصرين ، عنصرى القوة والضعف ، وعلى الوجه الاعم الشئ ونقيضه ، بين صراع مستمر وتناوب لا ينقطع ، فان تغلب الاتجاه الاول فلحين ، وان تغلب الاتجاه الثانى فلحين ايضا .
وان كان ذلك كذلك ، فما هى قيمة هذه التصورات اذن ؟ ان ما يتبادر الى الذهن لاول وهلة يقودنا الى التناقض ، اذ ان هذه التصورات تبدو كانها ضرب من الخيال ، تتصل بعالم الاحلام وتبتعد عن عالم الواقع ؛ الا انه لا غنى للانسان عنها ، فهى مقوم من مقومات شخصيته ، يستعين بها فى توقه الى الحياة ، والتجدد ، والمطلق . ومن المؤرخين من يقول لك : ان التاريخ ليس الا سلسلة متواصلة من الخيالات والخرافات ، والمتمعن فى ذلك يجيبه : نعم ، لكن التاريخ لا يتقدم خطوة الا بالاعتماد على هذه الثورات التى تحدثها مثل هده التصورات فى ظاهر الانسان وباطنه . ولا يمكن للانتفاضات المتوالية فى تاريخ البشر ان تصير ثورات بالفعل الا اذا كان هناك تصورات معينة تؤثر فى الجمهور فيقبلها ويسير على هديها .
والواجب يدعو الى فضح بعض التصورات الضارة فى بعض الحالات ، فاننا مثلا لا نستطيع التغلب على الحرب فى قلوب المؤمنين بها الا اذا بينا ما تعتمد عليه تصوراتها من كذب وزيف ، وبينا كل ما تجلبه لاصحابها من خزى وعار . ثم ان هذه التصورات عادة ما تكون متعلقة بمستقبل الانسان فالسعادة
مثلا نتصورها وهى دائما أمامنا ، نجرى وراءها للتحصل عليها فى هذه الدنيا او فى الاخرى ، وذلك رغم ان فكرة الكمال مثلا هى فكرة يضعها البعض فيما مضى من الازمان ، فالقدماء فى نظر هؤلاء أوسع منا تفكيرا ، واقدر منا على مجابهة الحياة الى غير ذلك من هذه الاتجاهات ، وما يجلب انتباهنا اولا واخيرا فى هذه التطورات هو قدرتها السحرية على التأثير فى حياة الانسان الفكرية والشعورية معا ، فقد تكون الافكار والصور ملقاة على حافة الطريق لا يحفل بها احد ، لكننا عندما نأخذها بعين الاعتبار وندخلها فى اطار مذهب نؤمن به ، عند ذلك توضح هذه المعانى والصور وجهتنا وتنير طرقنا وميولنا الى حد بعيد ، فتصير لنا اذاك عيونا بها نبصر وقلوبا بها نفقه .
وعندما نتحدث عن المذاهب تعن لنا على الاقل ثلاثة اسئلة هامة :
1 )هل حققت المذاهب ما تدعو اليه من سعادة او كمال ؟ 2 ) ان كانت المذاهب لا تعتمد الا على العقيدة والعاطفة فى اغلب الاحيان ، فلماذا لا نبدل المذاهب بما تمليه علينا العلوم من نتائج واضحة ، دقيقة ، مجربة ، من الممكن لنا ان نستفيد بها مباشرة ، وان نأمل فى تقدمها اللانهائى ؟
3 ) ثم ان هنالك من يتساءل عن الفرق بين النظرية والمذاهب فى هذه الحالات ؟
ولتوضيح ذلك نقول :
أ - السعادة مثلا هى مطلب من المطالب الرئيسية فى حياة الانسان ، لكنها تبقى دائما املا منشودا يجرى وراءه المرء ، وكلما حاول الاقتراب منه ابتعد هو عنه ، وفى ذلك ما فيه من بعث على الطموح والعمل المتواصل ، والايمان بان الغاية تستحق ان نعمل من اجلها وان نجتهد ونجاهد فى سبيلها . فما العيش لولا فسحة الامل ؟ ولو لم تكن هناك مثل هذه الغايات لجمدت الحركة ، وانقطعت الحياة ، اذ ان الحياة عند ذلك تصير غير ذات معنى اهون من ان نتعادى فيها أو أن نتسامى ، ولو حقق الامل تحقيقا كاملا لانقطعت جذوة الحياة التى تحركنا الى متابعة السير فى سبيل الوصول الى ما هو ابقى واحسن واضمن . وما الجنة التى بشر بها الانبياء العباد فى واقع الامر الا رمزا لهذا التوق الانسانى الذى لا يحد ابدا .. فالسعادة ذاتية ونسبية عند كل فرد على مدى الازمان ، اذ انها هى روح كل ما يقوم به الانسان من اعمال ولو انتفت هذه الروح لبقيت اعمال الانسان جيفة هامدة قذرة . كل ذلك لنقول بصراحة
ان القيمة الاخلاقية والروحية للاقوال والافعال امر لا يمكن التخلص منه البتة عند الانسان .
ب - ولقد تقدمت العلوم اليوم لم يكن الناس يتخيلونه حتى فى المنام - فاق العلم فى عصرنا كل انواع الخيالات الثرية المجنحة التى كان القدماء يعتمدونها فى احلامهم وخرافاتهم ، فكنا نتعجب فى قراءاتنا لهذا الجيوش التى كانت تحارب مع سيدنا على فى السماء ضد المشركين ، فى اسطورة ( رأس الغول ) كما كنا نعجب من سيف عنترة وهو يبيد بالضربة الواحدة الف فارس ذات اليمين والفا أخرى على الشمال فى قصة ( عنترة ) كما ان القدامى كانوا يرون عحبا واى عجب ان يطير إيكار (Ycare) باجنحة صنعها لنفسه ، ويكون جزاؤه السقوط فى البحر ، وكأن هذا المطلب فى نظرهم ليس فى مقدور الانس ، وانما هو من اعمال المردة من الجن - كل هذه الخيالات صارت اليوم بالنسبة لنا من العاب الاطفال ، ونحن نمر بها مبتسمين ساخرين من ضعف موهبة الخيال عند آبائنا - وليست روايات جول فارن (Jules verne) هى ذاتها إلا صورة مشوهة لما اصبحت عليه الاختراعات العلمية اليوم من تنظيم ، وجمال ، وسهولة استعمال فى كثير من الاحيان - ان هده الآفاق التى فتحها العلماء ، وهذه الابواب التى طرقوها جعلت الناس فى اغلبهم لا يؤمنون الا بالعلم ونتائجه ، ويرون ان المذاهب والفلسفات ليست الا ضربا من ضروب الخيال والخرافات التى تجاوزها الزمن ، وان العبرة كل العبرة فيما يحكم به العلم ، وما يتوصل اليه العلماء - فلقد جعل العلم من فكرة التطور والتقدم واقعا محسوسا ، بل صرنا نرى ان كلمة التقدم لم تعد كافية ، فجعلنا مكانها كلمة " الثورة الشاملة " وعبارة " تزايد سرعة التاريخ " . فلا يستطيع منكر ، مهما تعنت أن يجحد ان الانسان قد تغلب اليوم على كل اسرار المادة تقريبا ، ففجر طاقات هائلة ، ووصل الى سرعة فى الاتصال بغيره ، والاستعلام عن عالمه ، وغيره من العوالم العليا والدنيا ، على حد السواء تفوق كل تصور .
وكثير هم اولئك الذين يرون ان العلم يسير فى تقدمه سيرا حتميا ، وانه كلما ازداد علم الانسان ازدادت معه قوته ، ثم انهم لا يقفون عند هذا الحد ، بل يذهبون الى ان هذا التقدم يجعل الانسان اقرب الى السعادة والكمال ، والحكمة ، مما كان عليه الناس فى القديم ، وذلك بالاعتماد على وسائل مادية محسوسة ، بعيدة كل البعد عن المعميات المذهبية والغيبيات الدينية ، اذ ان الانسان قادر بتسلحة بالعلم على الوصول الى تحقيق كل المعجزات التى لم
يحققها الآلهة والرسل من قبل ، ولم يحققها حتى خيال القدماء فى خرافاتهم واساطيرهم ، بل يدهب بعضهم الى ان الانسان بواسطة العلم سيصير رب نفسه ولا حاجة له لرب سواه .
لكن هؤلاء يتناسون ان العلم هو مجموعة من المعارف التى لا تكون لها قيمة الا اذا أحسن الانسان استعمالها ، وهذا الاستعمال يتصل دائما بالعقيدة والامل المنشود ، فمن الممكن للعلم ان يخرب الدنيا تخريبا ، ومن الممكن له ايضا ان يجعل منها جنة الخلد . لكن العلم لا يدلنا على الاتجاه الاخلاقى القويم وعلى السبيل الروحى السليم الذى ان سرنا فيه تجنبنا انواع المزالق ، والدمار ، والافساد التى تمكن العلم من الدلالة عليها فالعقيدة اذن امر يتصل بالضمير الحى ، اما العلم فانه يتصل بالعقل وحده ، وما يمكن ان يصل اليه هذا العقل من معارف مجردة فى ارتياد مجاهل الكون والحياة - فالمستويات مختلفة اذن فى هذا الباب : هنالك مستوى المعرفة ، وهنالك مستوى الضمير وقديما قالوا : " علم غزير لا يعتمد على ضمير ، لا يعدو أن يكون خرابا للنفوس " .
ولئن كان هنالك تكاتف بين هذين المستويين فانهما يختلفان فى الطبيعة ، فالعلم يكتشف ولا يستطيع إلا ان يتابع اكتشافاته ، ولا دخل لصفاء القلب ، وزكاء النفس ، فى تقدم بحوثه كائنة ما كانت ، فلم يتراجع عن بحثه فى عالم الذرة مثلا رغم ما يتيقنه منها من اخطار على الانسانية كافة ان هى استعملت لغاية المحق والتدمير - فالعلم لا بد ان يفتح البصائر وان يوضح السبيل امام ذوى الضمائر الحية ، لكنه فى الواقع ليس إلا مادة يستعملها الانسان استعمالا يتسم بالحسن او القبح الذى يتسم به ضميره فى هذا الباب .
ج - ولا يكون للمذهب قيمة الا اذا كان جوابا عن سؤال أو اسئلة يطرحها المجتمع الذي يعيش فيه صاحب المذهب ، هذه الاسئلة التى تشير الى دواعى الشوق او القلق التى تعتمل داخل نفوس افراده ، واصنافه ، وطبقاته ، ويشعر بها صاحب المذهب شعورا واضحا يعينه على تحليلها وتوضيحها وايجاد الطرق الكفيلة بحلها ، او الخروج منها ، او صيانة الناس من اخطارها - وإن اتصف صاحب المذهب بشئ فانما بشعوره بالمسؤولية شعورا عميقا يخالف تمام المخالفة ما يتصف به غيره من تخاذل ولا مبالاة امام مشاكل الساعة والعصر ، ومآسى مجتمعاتهم الخاصة اذ ان صاحب المذهب يريد ان يكون لحياته معنى ، وان يكون له دور فى تقويم ما اعوج واصلاح ما فسد ، يتألم أشد الألم
لما يراه غيره قضاء وقدرا ، ويزهو ويعتز بوجوه القوة والخير فى حياة قومه فى حين يعتبرها غيره تنطعا وفوضى ؛ فما الحياة عنده لولا العقيدة والجهاد ؟
فليس المذهب امرا يتعلق بالنظريات المجردة فقط ، انما قيمة المذهب فى تطبيقه العملى ، ولا يمكن للمذهب ان يتخلى عن التجربة كما تستطيع النظرية ان تصنعه بيسر ، وهذا البعد عن الواقع ، وهذا الانغلاق على النفس هو ما جلب عداوة الكثيرين للنظريات الفلسفية التى لا يريد منها اصحابها الا التفسير المجرد لبعض المبادىء ، والتلاعب بمقدماتها ونتائجها لترتيبها وتبويبها بشتى السبل ؛ والنظريات من هذا النوع ممقوته من طرف الساسة بالأخص عندما لا تعدو أن تكون نظاما مغلقا على نفسه ، بعيدا عن الواقع اليومى ، والتاريخ المتجدد ، وذلك لان السياسة مرتبطة بطبعها ارتباطا حيويا بالمصير التاريخى من ناحية وبالعمل التطبيقى من ناحية اخرى . فهى ان لم تعتمد على التحقيق التجريبى واكتفت بالمنطق وحده ، صارت من الناحية العملية لاغية بل ضارة .
ومن المهم ان نشير فى الختام الى ما يترصد بعض المذاهب من مزالق فى بعض الاحيان ، فهى عادة ما تراها تعتمد فى انتشارها على الدعوة والدعاة لبث بعض الآراء ، وتعميم بعض الطرق ، بواسطة التبسيط الذى يصل الى حد التشويه . وما مرادها من ذلك الا الاتصال بالكافة ، بعد ان وجدت من الخاصة معارضة او حتى تشجيعا احيانا ، ولذلك فان المادة التى تنشرها بين الناس لا تكون خالصة لوجه الله الا فيما ندر ، اذ هى مرتبطة بمصالح طبقية معينة او بمصالح عقائدية معروفة .
وفى هذا الامر بالذات تكمن نقط الضعف البارزة فى بعض المذاهب بوجه عام ، فهى غالبا ما تستعمل الاشهار التجارى الرخيص فى نشر بعض آرائها لغاية الحرب النفسية ، او لاجل الامتداح الذاتى ، وكل ما تصبو اليه هو التأثير على نفوس الناس بكل الوسائل ، ولقد صار هذا الاتجاه العام تقليدا متبعا فى جميع الاحزاب والدول ، ولئن اختلفت السبل والغايات بينها كل الاختلاف احيانا ، فنحن نجد اليوم وزارات الاخبار والارشاد قائمة الذات فى جميع البلدان ، ونجد لجان الدعاية فى كل الاحزاب ، وهذا ما حدا ببعض اولى الفكر الى عدم الثقة بقيمة مثل هذه الوسائل ، بل هم يتوجسون منها خيفة ، اعتقادا منهم ان اصحاب المذاهب يوجهون دعايتهم للشعب فى حدود مستواه الذهنى الضئيل ، وعلى قدر ما يستطيع تقبله الفرد الذى يكون فى ادنى مستوى بين
هذه العامة . فالمهم عندئذ هو نشر الدعوة لا غير . وهم يرون ايضا ان الدعوة لا تكون لها جدوى فى نظر اصحابها المتحمسين الا اذا اعتمدت على بعض النقاط القليلة فنشرتها بواسطة شعارات رتيبة على مدى الزمن الطويل .
كل ذلك جعلهم يعتقدون ان هذه الوسائل تضر بقدسية الفرد ، وتغتصب كل ما تريده منه اغتصابا بالتكرار ، والحفلات ، والشعارات المشجعة الى غير ذلك من وسائل حشو الأدمغة أو غسلها تماما ، فمحاولة غرس بعض الآراء غرسا بتبسيطها تبسيطا مجحفا أمر لا يمكن لهم قبوله ، وهذا ما يبعث بعض المتمذهبين على التعصب والتحجر ، والوحشية ضدهم ، وليست هذه الآراء التى ينشرها هؤلاء المتمذهبون المتعصبون فى الواقع آراء سهلة واضحة، وانما هى تتصف اول ما تتصف بالغموض ، والبعد عن السهولة المنطقية، والقرب من النزوات العاطفية المتأصلة عند البشر ، فهى عادة ما تكون بعيدة عن العقل ، والنظر الحر ، والتحكم فى الاعصاب . فكل ما يدعو الى التفكير والنقد محرم فى مثل هذه المذاهب ، كالنازية والفاشية مثلا ، والجمهور مدعو الى ان لا يقدم شروطا مهما كانت ضئيلة ، فكأنه تحت تأثير التنويم المغناطيسى الذى هو من عمل بعض المسؤولين المشعوذين فى هذا الحزب او ذاك ، ولذلك كان نشر مثل هذه الدعاوى صعبا كلما نضج تفكير الشعب واشتدت يقظته بل ربما تحولت هذه الدعاوى عند ذلك الى هزء وسخرية باصحابها والداعين إليها .

