الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

بين الصحافة والاذاعة, خاتم المرسلين

Share

( ١ )

من نافلة القول ان نقول ان الاستاذ عباس محمود العقاد من كتاب العرب الواسعى الاطلاع فى العصر الحاضر ..

ومن واجبات القول ايضا ان نقول انه بقدر سعة اطلاعه يقع احيانا فى مزالق يصطدم بها قراؤه او يصدم بها قراءه والمعجبين بأدبه .

اقول هذا بمناسبة اطلاعى على مقال اخير له فى العدد الممتاز الذى اصدرته مجلة " الهلال " المصرية اخيرا عن " العرب والمسلمين فى القرن العشرين "

والمقال رائع الاسلوب جميل الاستعراض .. اما موضوعه فهو فى حقيقة واقعه مهلهل وتافه وشره اكثر من خيره ، وغثه اوفر من سمينه .. وعدمه بالجملة خير من وجوده بالتفصيل وموضوعه فى واقع الامر لا يرفع رأس كاتبه ولا ذهن قارئه ..

فمن غير اللائق ، ومما يجافى روح الاسلام الصحيح مثل هذا الاستعراض المسرحي البهلوانى الذى هوى فيه كاتب المقال ، حبا فى الاطراف ، والاغراب ، عن شخصية افضل المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. وليته كان افتراضا يساير روح الاسلام فى اهدافه وسبله ولكنه - ويالاسف - كان مسايرا للروح

الغربية الاستشراقية التي تقوم بمثل هذه الالعيب بقصد الطعن فى دين الاسلام والرسول المصطفى الذى جاء به من عند الله ، وبقصد تنفير ناشئة المسلمين وتشكيك شبابهم فى دينهم الحنيف ، بهذه الاساليب الشيطانية الماكرة التى من شأنها ان تحمل فى الدسم السم ، وتبث فى الارض الفساد ..

يقول الاستاذ عباس محمود العقاد تحت عنوان شائق من فصول مقاله هو : " الرسالة بعد خاتم النبيين " ما نصه :

( والخطب أهون من ذلك جدا فى مسألة الرسالة والنبوة ، بعد خاتم المرسلين ، فان المخالفين للاجماع فى هذه المسألة واحد من كل خمسمائة مسلم ، وسينتهى خلافهم عما قريب ولكن اذا انتهى بكلمة من الرسول الذى يؤمن به المسلمون جميعا فتلك هى النهاية الفاصلة ، وقد تمنع فى المستقبل اضرارا لايقاس عليها ضررها فى الوقت الحاضر ، وخير من واحد ينشق على خمسمائة ان يتفق الخمسمائة فلا ينشق منهم واحد ) .. انتهى

وهكذا يجهر العقاد بان خلافا مجسما ينشب بين المسلمين فيه اكثرية تقول بان محمدا عليه الصلاة والسلام هو خاتم المرسلين ، وفيه اقلية تقول

عكس ذلك .. ونسبة هذه الاقلية الى الاكثرية واحد من كل خمسمائة .. وسيبقى هذا الخلاف بين الاكثرية والاقلية من المسلمين حتى اذا فرضنا عودة الرسول حسم الخلاف ..

والأمر فى نظر العقاد رأى الاغلبية او اجماعها وهذا امر فيه امور وداهية تحمل دواهى ، فاولا ان اختتام الرسالات الالهية بمحمد عليه الصلاة والسلام هو احد نصوص القرآن الصريحة ، " وخاتم النبيين " يرفدها الحديث الصحيح ( لا نبى بعدى ) .. وثانيا ليس هناك اذن محل للاجماع ، فان الاجماع انما يؤخذ به فى الاسلام حينما لا يكون نص قرآنى صريح ثابت .. وهنا نص قرآنى صريح وبه يعتقد جميع المسلمين فى مشارق الارض ومغاربها ، وكل من دخل حظيرة الاسلام فهو يعتقد هذا عقيدة يقينية صادقة لا لبس فيها ولا شبهة ولا التواء ، ولا محل فيها للرأى أو الخلاف .. ومتى اعتقد شخص غير ذلك فقد خرج عن نطاق دائرة الاسلام لانه كفر بما نزل على محمد ، وسعى الى نشر الالحاد فى البلاد ، فرسالة محمد هى ختام الرسالات الالهية بلا ريب ولا نزاع لدى كافة المسلمين ، ودينه هو دين البشرية الاخير الذى سيظل مرفرف الرايات على الدنيا حتى تبدل الارض غير الارض ، ذلك لانه الدين الفطرى الصالح لكل زمان ومكان ولكل انسان . فهو دين عام خالد ، وحينما يعرف العالم حقيقة هذا الدين وتنتفى عنهم رعونة التحيزات المذهبية الزائفة وينتقى عنهم شبح الجهل والالحاد والجمود والتفريط والافراط حين ذلك يقبلون

عليه اقبال الظماء على الماء .. ويهرعون اليه من كل صوب وحدب .. هذا من جهة ومن جهة اخرى فقد دلس الاستاذ العقاد فيما قال .. حتى ولو نزلنا الى أسوأ الفروض وابعدها ظلا عن الحقيقة ، فان من ينفون اختتام الرسالات الالهية بمحمد عليه السلام ممن يزعمون زورا وبهتانا انهم مسلمون ، هل اقل بكثير وكثير جدا من ان يصل عددهم النسبى لمجموع محيط الامم الاسلامية الى واحد من كل خمسمائة فهذا الزعم فيه مغالاة واضحة مقصودة لذاتها بقصد تجسيم شقة الخلاف ، واظهاره بالمظهر الذي يستلزم ان يقول فيه الرسول محمد عليه السلام - لو فرضنا عودته - قولا صريحا يحسم الخلاف الناشب ، ذا الضرر الكبير فى الحاضر والمستقبل على ما يزعم الاستاذ العقاد ..

لا ريب ان فى هذا نوعا كبيرا من التغرير والتضليل للقراء ، فان من يقرأ هذا الحديث من الاستاذ عباس محمود العقاد ويمضى لسبيله يعلق شئ منه فى ذهنه لا محالة ، ويخال ان واحدا من كل خمسمائة من المسلمين يرى غير ما تراه الاكثرية فى مسألة اختتام محمد عليه السلام للمرسلين فاذا اعتنق هذا الرأى فانما يعتنق قولا باطلام مستقى من المستشرقين المضللين فى هذه المسألة وهم انما يقصدون طعن الاسلام من الامام ومن الخلف .. وعباس محمود العقاد اما ان يكون عالما بهذا فهو فهو يشايعهم ، واما ان يكون غير عالم بهذا وتلك مصيبة كبرى وحادث جلل ان يقول عن الاسلام والمسلمين مثل هذه الاقاويل الباطلة التى يدحضها ادنى

نظر سليم الى واقع الامر وحقيقة الحال وليت شعرى .. الا يدرى الاستاذ ان من يقول بغير اختتام الرسالات الالهية برسول الله وصفيه محمد عليه السلام ، هو ليس من المسلمين ؟ .. فالمسلم من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله .. وهذا الذى يرى هذا الرأى لا يؤمن بالله ولا بملائكته ولا كتبه ولا رسله فقد نفى كلام الله المنزل بوساطة افضل ملائكته على افضل رسله ، فوصف ذلك الشخص الجاحد بالمسلم ، وصف لا ينبئ عن صفاء نية ولا طهارة ضمير وبالتالى انه ينبئ عن نوع من التشكيك والتزييف مقصود ، طالما عمل له المستشرقون والمستعمرون ، ونحن الآن فى عصر تفتحت فيه براعم الوعى لدى المسلمين واستفادت آفاقهم بنور العلم والمعرفة وفهموا من يدرس لهم الثقافة ومن يدرسها عليهم ، ومن يناصرهم ومن يناوئهم ، فلا يينطلى عليهم مثل هذا الزيف المزدرى ولا

تنطلى عليهم مثل هذه الشبه المفتراة باسم البحث العلمي او باسم التندر والطرافة والغرابة .. او باسم الفلسفة والتنقيب الفكرى عن امهات المسائل وكبرى القضايا ، ولو نشر مستشرق من المستشرقين هذا البحث لما اهتمنا به كثيرا ، لان هذا هو مبدؤهم المعروف ولان كثيرا من القراء يدركون الآن اساليب المستشرقين الملتوية فى محاربة الاسلام ومحاولة اطفاء نوره الوضاء .. اما وناشره شخصية لها سمعتها المدوية ، وهى عربية باحثة معروفة فقد آثرنا التعقيب على الصمت ولعل دراسات الاستاذ العقاد للمستشرقين وارائهم التضليلية اثرت من حيث لا يدرى فى عقله الباطن فكتب بيراعته ما يتبرأ منه ضميره لو تأمل وواءم بين ضميره وما كتب فى هذا الباب .

اشترك في نشرتنا البريدية