إن بعض الحجات والمواسم يمتاز عن غيرها بمميزات يخلدها التاريخ لأجلها ، ويبقى صداها على مر الدهور والأعصار ، وأمثلة هذه المواسم يكثر تعدادها في تاريخ الحج ، ولكني في هذه الفرصة أريد أن ألفت أنظار القراء الى القرن الثالث عشر من الهجرة ، وأحب أن أقدم اليهم مثالا من غرر المواسم ، والحجات التاريخية من هذا القرن ، فإلى القراء الكرام :
موسم سنة ١٢٣٧ ه
في أوائل القرن الثالث عشر من الهجرة لم يعهد الناس هذه التيسيرات فى أسفار الحج التى نشاهدها اليوم ونستمتع بها ، ما كانت السبل آمنة ، ولا الطرق مذللة ، ولا كانت المراكب الدخانية تمخر بهم مياه البحار ، ولا الطيارات تخترق جو السماء ، كان الرجل من سكان وسط الهند يخرج من بيته حاجا فيطوى مسافة طويلة أو قصيرة مشيا على قدميه حتى يتيسر له فى منزل من منازل الطريق عربة يركبها ، فتمر به العربة ترفعه طورا وتخفضه طورا تصهره الشمس ويذيبه الحر ، ويوالى السير أياما حتى ينزل على
ضفة نـهر أو ميناء من موانىء البحر ، فيركب المركب الهوائى " السفينة الشراعية " ويتابع السير شهرا أو شهرين ، تحيط به المخاوف من كل أوب ، وتكتنفه الأهوال من كل صوب ، تزعجه الرياح العاصفة وتقلقله ، وتقيمه الامواج الهائلة وتقعده ، الى أن يلطف الله به ويوصله الى جدة .
هذه المشاق الباهظة هي التي سببت في ذلك العهد قعود أهل الهند عن الحج أو كادوا ، حتى قيض الله لاستحثــاث عزائمهم وايقاظ هممهم ذلك السيد الأوحد الذى كان أروع مثال لمجددى هذه الملة ، عبقرى ذلك القرن السيد أحمد بن عرفان , فشمر عن ساق الجد وأزمع الخروج للحج ، وأشاع في الناس أنه عازم على الحج ، وبث كتبه فى
أمصار الهند وقراه ، أن من أدركته فريضة الحج فليلتحق بي ، وبعث صاحبيه مولانا عبد الحي ومولانا اسماعيل ليث الدعاية للحج ولحشد الناس ، فلم تكد الانباء تنمي اليهم حتى استعد كثير منهم للخروج , وشدوا أوساطهم وأخذوا أزوادهم حتى أن بعض من كان لا يستطيع
الحج باع أملاكه حرصا على مرافقته .
وفي مدة يسيرة لحقه أكثر من أربعمائة نفس ، فخرج بهم فى غرة شوال يوم عيد الفطر سنة ١٢٣٦ ه وساروا راكبين ومشاة الى دلــئــو واكتروا فيها خمس سفائن على خمس مائة روبية ، وركبوها الى كلكتة , ومروا في وجهتهم هذه بآله آباد ، ومرزافور ، وبنارس وغازى فور ، وزمانية وبكسر ودانا فور وعظيم آباد ومرشد آباد وهوكلى وشيو رام فور نزلوا في بعضها ، وأقاموا في البعض اسبوعين وفي البعض شهرا أو أكثر .
ولم يزل عدد رفقائه يزيد فى أثناء طريقه وفي كلكتة حتى أربوا على سبعمائة نفس وخمسين نفسا ، فاكترى من كلكته إحدى عشرة سفينة شراعية على اثنتى عشرة الف روبية وقسم المراكب في أصحابه وجعل في كل مركب أميرا منهم على ركابه ، واشترى باثنتى عشرة الف روبية زادا للسفر ما بين قمح وأرز وفرقهما على المراكب ثم ركبوا مراكبهم ، وركب هو مركبا اسمه " دريا بقى " ربانه
السيد عبد الرحمن الحضرمي ومعلمه داوود السورتى ، فلما أخذ الناس مجالسهم في مراكبهم جرت بهم السفن في مصب نهر كنك يومين حتى وصلوا الى معبر كيلاكاجي ، ومن ثم دخلت السفن في خليج بنغالة فرفعت قلاعها وأطلقت فواصلت السير ليلا ونهارا الى أن بلغت جزيرة كلى كوت من جزائر مالا بار وأرست
فنزلوا واستراحوا أسبوعين ، ثم ركبوا متوجهين نحو الحجاز ولما جاوزوا جزائر مالا بار بلغوا جزيرة سيلان ثم ساروا قليلا فتراءت لهم قلعة لنكا من بعيد تبدو وتختفى فى الامواج الهائلة ، وبعد يومين أو ثلاثة انتهوا الى جزيرة آرميني فنزلوا وباتوا على الشاطئ . ثم استأنفوا المسير بكرة فأرسوا في جزيرة عقيدى ومكثوا ساعات ثم غادروها وواصلوا السير يومين أو ثلاثة فبدت لهم جزيرة سقطرة ودخلت سفنهم
في بحر العرب ، وساروا حتى نزلوا بعدن ، واستراحوا هنالك يومين أو ثلاثة ثم ركبوا بعد يومين أو ثلاثة بلغوا الى مخا وأقاموا بها شهرا وقوفا عند رغبة الربان السيد عبد الرحمن الحضرمي ، ليتمكن من الاقامة فى أهله أياما ويتفقد أحوالهم ، ثم رفعت مراسى السفن ووصلوا بعد يومين أو ثلاثة الى مكلا فأقاموا فيها أربعا ثم ارتحلوا ، وفي اليوم التالي
حاذت السفن جبل يلملم فأحرموا واستمر سيرهم حتى وصلوا الي ميناء جدة بعد ثلث أو أربع ، وألقيت مراسى السفن ، وأقاموا في جدة خمسا ثم ارتحلوا منها عشاء فأصبحوا فى ( بحرة ) ومكثوا طول النهار ثم ارتحلوا فوصلوا الى مكة في اليوم الثاني ، ودخلوا المسجد الحرام ضحي اليوم الثامن والعشرين من شعبان المعظم سنة ١٢٣٧ ه .
وما أن استهل هلال رمضان الا وقد شد السيد الامام مــئـزره وأخذ على نفسه أقصى ما يمكن من الجد والاجتهاد في العبادة والدأب في الطاعات والسهر لها ، فكان يقضي أكثر أوقاته فى أنواع الطاعات من الصلوات والتلاوة والطواف ، وكان كل ليلة جمعة والاثنين يخرج الى التنعيم فيعتمر منها ، واعتكف العشر
الأواخر من رمضان في المسجد الحرام وكان أكثر أصحابه يصلون التراويح جماعة ثم يذهبون الى التنعيم فيحرمون بالعمرة ويرجعون فيطوفون ويسعون ثم يصلون الفجر خلف إمام الشافعية ثم ينصرفون الى منازلهم . . كان هذا دأبه ودأب أصحابه طول إقامتهم بمكة وقد امتدت الى خمسة اشهر ونصف .
ولنقف هنا وقفة يسيرة اعجابا وتقديرا لهذا المثال الرائع من مثل العناية بأمر الدين ، ولنقارن بين هؤلاء وبيننا نحن الذين يفدون اليوم الى بيت الله الحرام ولا يهمهم طول إقامتهم بمكة سوى الركون الى الدعة والجلوس في المقاهى ، والاستماع الى الأحاديث الغثة وتضييع تلك الفرصة الثمينة في الملاهى ، ليلنا لهو ونهارنا بطالة . . فيا للأسف :
ثم لما انتصف صفر عزم ذلك السيد الجليل على الرحلة الى المدينة المنورة فاكترى بمساعدة احمد باشا والى مكة اذ ذاك مائة وعشرين جملا وتوجه هو ورفقاؤه الى المدينة من طريق مر الظهران " وادى فاطمة " ثم الجحفة ثم وادى الصفراء ثم ذى الحليفة " آبار على " وواصلوا السير
أياما حتى أناخوا بالمناخة وقد انتصف الليل فلم يمكنهم الدخول فى المدينة إلا حينما طلع الفجر وفتح باب السور فدخلوها وأقاموا فيها الى تاسع ربيع الأول يحافظون على الصلاة في المسجد النبوى جماعة في كل وقت ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم ما أمكن ويزورون المساجد والمشاهد ويزورون الآثار المقدسة وما كادوا أن يقضوا أوطارهم حتى أقبل عليهم الشتاء ولم يكن معهم
ما يقيهم مس البرد فلم ير السيد من المصلحة أن يطيل المكث فتأهب للعودة الى مكة ، وسار مع أصحابه فى تاسع ربيع الاول سنة ١٢٣٨ ه من المدينة المنورة حتى أناخ بذي الحليفة وبات فيها وأحرم منها بالعمرة ومن كان منهم ضعيفا أو مريضا أحرم من الجحفة ولما أتوا مكة وحلوا من العمرة نزلوا في منازلهم .
وأقاموا هنالك أشهرا يغتنمون الصلاة في المسجد الحرام ويتقربون الى الله سبحانه بالنوافل ويكثرون من الطواف والعمرة الى أن أقبل رمضان وما أن تلألأ هلال رمضان فى الأفق إلا وهم على استعداد تام لاستقباله بما يستحقه واعطائه حقه صلاة وصياما واعتمارا وطوافا كدأبـهم في العام الفائت ، ثم لما انقضى النصف من شوال عزموا على الرجوع إلى أوطانـهم فمكثوا يتأهبون ويتجهزون الى نهاية الشهر - ثم طافوا بالبيت باكين متحسرين وخرجوا من باب الوداع وركبوا الجمال قاصدين نحو جدة فأقاموا فيها سبعا ثم ركبوا السفن وبلغوا مخا بعد سبع . فأقاموا
فيها خمسة عشر يوما ، ثم ركبوا وساروا أربعة عشر يوما حتى نزلوا فى بمبي " بمبائى " وأقاموا شهرا ، ثم ركبوا متوجهين نحو كلكتة فوصلوها بعد شهر ، ومكثوا بها شهرين ، ثم ارتحلوا منها الى بريلى ينزلون فى البلاد الواقعة فى طريقهم ثم يسيرون الى أن بلغوها بعد مضي ستة أشهر ، وقد استغرقت رحلتهم هذه من بدئها الى نـهايتها ثلاث سنوات إلا شهرا .
ونحن إذا تأملنا في حال هؤلاء لم نجدهم حجاجا ومعتمرين فقط بل نجدهم مع ذلك دعاة الى الإصلاح لا ينزلون منزلا الا قاموا بدعوة الرجوع الى الدين والتمسك بالشريعة ونفخوا في المسلمين الروح الاسلامية بتذكيرهم .
ونراهم لما أقاموا بمكة أشهرا جلس مولانا عبد الحى باشارة من شيخه فى حلقة يدرس في مشكوة المصابيح ، وجلس مولانا اسماعيل فى ناحية أخرى من المسجد يلقي على الناس دروس حجة الله البالغة .
ومن أكبر ما يرفع من شأن هذه الرحلة وبجعلها محل إكبار وتقدير من الجميع أنـها مرقاة أولى الى الجهاد الذي قام به ذلك الرجل الفذ في
ميدان بنجتار ، فقد اثبتت التواريخ أنه رحمه الله في هذه الرحلة أخذ من رفقائه البيعة على الجهاد فى الحديبية حيث تمت بيعة الرضوان ، ثم كررها فى مسجد العقبة بمنى حيث كانت بيعة العقبة .
بين الماضى والحاضر
وحينما انتهينا من وصف حجة السيد أحمد الشهيد فلا بأس أن نقف وقفة أخرى قصيرة ونتأمل فى كيفية تنقلات الحجاج في ذلك العهد ، ونستحضر ما كانوا يقاسونه من صنوف الأذى في مسيرهم عسى أن يدعونا ذلك الى شكر المولى سبحانه على ما من به علينا فى هذه الايام من توفير أسباب الراحة والهناء في جميع تنقلات الحجاج برا كان أو بحرا ، وإسباغ الأمن الشامل للجميع من الضعيف والقوى والمعدم والمثرى , وتلهج ألسننا بالدعاء لعاهل الحجاز الراحل جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ثم للذى تولى الأمر بعده وتبوأ عرش الملك بعهد منه جلالة الملك سعود بن عبد العزيز ( وفقه الله وإيانا لما يحبه ويرضاه ) فان الفضل في ذلك كله يرجع اليهما . .
نقلا عن " مجلة البعث الاسلامي " التى تصدر باللغة العربية في لكهنو
الهند

