الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

تاريخيات, مقابلة، مع سماحة الشيخ محمد بن علي الحركان،

Share

تلقينا هذه المقابلة الصحفية مع معالي وزير العدل سماحة الشيخ محمد بن علي الحركان - تلقيناها لنشرها في المنهل . . ولانها مقابلة دسمة نشرناها في هذا العدد وقد استهلت المقابلة بالكلمة التالية :

في ٢١-٧-١٣٩٠ ه صدر المرسوم الملكي الكريم بتعيين صاحب المعالي الشيخ محمد الحركان وزيرا للعدل . وقد تسابقت الصحف المحلية إلى معاليه بالترحيب والتهنئة .

ويسر رسالة معهد الرياض العلمي ان تنتهز هذه الفرصة فتهنؤه بالثقة الكريمة وتبارك له بالكفاءة العالية . وتشكره لتواضعه وتكرهه بالاجابة على اسئلتنا .

فقد توجه مندوب المجلة الى معاليه وقدم اليه اسئلتنا فلقي من لدنه كل حفاوة وتكريم . وأجابه بما يشرح النفس ويثلج الصدر فشكرا له من الاعماق على مشاعره الطيبة ، وتشجيعه لابنائه الطلاب ، وهذه اجابات معاليه على اسئلتنا :

س ١ - نتقدم اليكم باسم مجلة رسالة معهد الرياض العلمي راجين اعطاءنا نبذة موجزة عن نشأتكم ودراستكم والاعمال التى زاولتموها ؛

ج - ولدت في المدينة المنورة عام ١٣٣٣ ه ونشات

في المدينة المنورة السيد احمد الفيض ابادى رحمه الله ، وحفظت فيها القرآن عن ظهر قلب وتلقيت بها مبادئ الفقه والتوحيد واللغة العربية ، ثم اكملت دراستى في العلوم المذكورة ، وفي علوم الحديث والتفسير وأصول الحديث والفقه في المسجد النبوى الشريف ، على يد شيخنا العلامة الشيخ محمد الطيب الانصارى رحمه الله عالم المدينة واستاذ جميع النخبة الموجودين حاليا من العلماء والأدباء مثل : فضيلة الشيخ عبدالمجيد حسن عضو الهيئة القضائية العليا ، وفضيلة الاستاذ عبد القدوس الانصاري ، وسعادة السيد عبيد مدني ، وفضيلة الاستاذ ضياء الدين رجب ، والسيدين على وعثمان حافظ ، وكان رحمه الله كما هو معروف لدى اهل المدينة المنورة فذا في علمه وصلاحه وزهده وانقطاعه للعلم وتعلمه . كما كان مبرزا في جميع العلوم والفنون ولا سيما علوم اللغة العربية وآدابها ، وعلوم الحديث والتفسير ، حيث لم يكن

يوجد يومها معاهد ولا كليات ولا جامعات . وانما

ينتهل منه طلاب العلم والمعرفة . ثم بعد اكمال دراستى عينت مدرسا بالمسجد النبوى الشريف في عام ١٣٥٢ ه وبعدها في عام ١٣٥٦ ه عينت قاضيا في بلدة العلا لمدة سنة كاملة ، ثم تركت العمل الوظيفى وشغلت باعمال حرة حتى نهاية عام ١٣٧١ ه وفي بداية عام ١٣٧٢ ه عينت قاضيا لمدينة جدة ثم رقيت الى رئاسة محكمتها وبقيت فيها الى ان عينت وزيرا للعدل في ٢١-٧-٩٠ ه والله ولى التوفيق .

س ٢ - بصفتكم وزيرا للعدل ما هي الامور التي يجب توافرها في القاضي ؟

ج ٢ - لقد نص العلماء على انه يشترط في القاضي ان يكون بالغا عاقلا ذكر حرا مسلما عدلا سميعا بصيرا ناطقا مجتهدا ولو في مذهب امامه للضرورة واجاز بعضهم ان يكون مقلدا قال في كتاب الانصاف : في معرفة الراجح من الخلاف ( واجاز بعضهم ان يكون مقلدا وعليه عمل الناس من مدة طويلة والا تعطلت احكام الناس ) كما نص الفقهاء ايضا على الصفات التى يحسن ان يتصف بها القاضي والاخلاق التى ينبغي توافرها فيه ، فقالوا ينبغي أن يكون قويا من غير عنف ، لينا من غير ضعف ، حليما متأنيا ذا فطنة وتيقظ ، يخاف الله تعالى ويراقبه ، كما ينبغي ان يكون ورعا نزيها ذا رأي ومشورة . ولا ينبغي ان يكون جبارا ولا عسوفا ولا متغطرسا ، ومن المعلوم انه من غير الميسور توافر جميع هذه الشروط والصفات ولا سيما في هذا الزمان الذي قل فيه العلم والعلماء ولذلك فان الضرورة داعية الى اختيار الامثل فالامثل علما ودينا وخلقا وصلاحا لئلا تتعطل مصالح العباد والبلاد ، ونحن الآن نشترط فيمن يتولى منصب القضاء ان يكون حاملا لشهادة البكالوريوس من احدى كليات الشريعة ، او شهادة الماجستير من المعهد العالي للقضاء .

س ٣ - الشباب عماد الامة وأملها فما هي الوسائل التربوية لتهيئة رجال الغد في نظركم ؟

ج ٣ - ان تهيئة الشباب الذين هم رجال الغد تتحقق بتنشئتهم تنشئة اسلامية صالحة وتوجيههم

توجيها سليما راشدا في البيت والمدرسة والمجتمع واعتقد ان المسئولية في الدرج ، الاولى تقع على البيت

لان توجيه الوالدين ينطبع في نفسية الطفل . صالحا كان او غير ذلك . فقد اشار الى ذلك الحديث الشريف حيث يقول : " كل مولود يولد على الفطره فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه " كما يشير الى ذلك قوله تعالى : ) وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون ) . . فان ذلك يدل على ان الابناء دائما يقلدون الآباء ، وينهجون نهجهم خيرا كان او شرا . ولذلك لم تكن حجتهم امام دعوة الرسل وامام دعاة الخير والاصلاح الا ان قالوا : انا وجدنا آباءنا على امة ) والا قولهم كما جاء في الآية الأخرى : ( فما بال القرون الاولى ) . . فيجب على الآباء والحالة هذه ان يكونوا قدوة صالحة لابنائهم قولا وعملا . ثم تقع المسؤولية في الدرجة الثانية على المدرسة فهي التى تتولى تربية النشء وتغذية ارواحهم بالعلوم والمعارف ، وعليها ان تتخذ في سبيل ذلك من الوسائل ما يتلاءم مع طبيعتهم في جميع مراحل نموهم المختلفة ، وان تقوم

بواجبها نحو تربيتهم تربية اسلامية وتنشئتهم تنشئة صالحة وتغذيتهم بالعلوم النافعة منذ المرحلة الاولى  من مراحل التعليم ثم في جميع المراحل الأخرى حتى يبلغوا سن التكامل ، كما يجب ان يكون القائمون على التربية والتعليم رجالا مؤمنين متمسكين بدينهم متحمسين لعقيدتهم قادرين على دحض جميع الشكوك والشبهات التى يروجها أعداء الاسلام ليصدوا بها المسلمين عن دينهم ويشككوا الشباب في عقيدتهم . ومتى قامت المدرسية بأداء هذه الرسالة على الوجه الاكمل فأنه سيكون لها احسن الأثر في نفوس الناشئة من ابناء المسلمين وسلوكهم ، وسيصبحون حينئذ رجال الغد وعدة المستقبل وحماة الدين والوطن ويتكون منهم جيل صالح تعلق عليه كبار الآمال . ثم تاتي بعد ذلك المسؤولية العامة على جميع أفراد المجتمع وفي مقدمتهم العلماء والزعماء والقادة كل حسب  مسؤوليته كما جاء في الحديث الشريف : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ومتى قام كل فرد من أفراد المجتمع بما يجب

عليه حسب استطاعته من الدعوة الى الخير واسداء النصح للقريب والبعيد للمسلمين عملا بقوله تعالى : ( والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ، وقوله عليه الصلاة والسلام " الدين النصيحة - قالها ثلاثا - قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأيمة المسلمين وعامتهم ، فان هذا المجتمع سيكون مجتمعا مثاليا في دينه وآدابه واخلاقه كما قال تعالى : ( كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر و تؤمنون بالله ) أما اذا اهمل شأن هذا الرعيل من شباب المسلمين ولم يوجهوا الوجهة الصالحة فانهم سيكونون حتما معرضين لتقبل البادئ الهدامة والنزعات الشريرة وهضم الشكوك والشبهات التى يروجها دعاة الخراب والفساد ضد الاسلام وتعاليمه ، وبالتالي ستخسرهم الامة وسيصبحون في المستقبل معاول هدم وتخريب والعياذ بالله تعالى .

س ٤ - مشكلة غلاء المهور مشكلة داهمت الشباب المسلم وربما انشأت أمراضا خلقية فما الحل في رايلكم للقضاء على هذه المشكلة ؟

ج ٤ - لا شك ان غلاء المهور مشكلة اجتماعية تجب معالجتها وايجاد الحلول لها . وقد حث المشرع الاعظم صلى الله عليه وسلم على تخفيض الصداق وتيسيره ، فقال : " اعظم النكاح بركة أيسره مؤونة " رواه الامام أحمد في مسنده . وقال امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لا تغلوا في صداق النساء فانه لو كان مكرمة في الدنيا او تقوي في الآخرة لكان اولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم " . رواه أبو داود والترمذي والنسائى وصححه .

وفي نظري انه ينبغى لعلاج هذه المشكلة القيام بحملة عظيمة عن قبل العلماء والخطباء في المساجد وعن طريق الصحافة والاذاعة والتلفزيون لتوعية افراد المجتمع وارشادهم الى المضار الاجتماعية التى تنشأ عن التغالي في المهور وما يترتب على ذلك من شرور عظيمة ومفاسد خلقية وأمراض اجتماعية وحثهم على تيسير المهور بقدر الإمكان ، عملا بالإحاديث الشريفة الداعية

الى التخفيض والتيسير ولما في ذلك من المصالح الدينية والدنيوية غير ان المشكلة فى نظري ليست في غلاء المهر وحده ، لان المهر هو في الغالب ولا سيما لدى اهل المدن ينفق كله لصالح بيت الزوجية . حيث يشترى به من الاثاث والادوات المنزلية ما لاغني للزوجين عنه خصوصا في هذا الزمان الذي تغيرت فيه مفاهيم الحياة واصطلح الناس على انه لا بد من وجود بعض الوسائل في المنزل التى يرونها شبه ضرورية في حياتهم ، وانما تكمن المشكلة كل المشكلة وراء تلك العادات السيئة التي فشت في المجتمع واصبح الناس يتباهون بها ويتبارون في سبيلها من اقامة الحفلات الفخمة ونصب الزينات الكبيرة وجلب المطريين والمطربات واستئجار الدور الفاخرة لاقامة الحفلات بايجارات مغرية وانفاق الاموال الطائلة فى أشياء لا مبرر لها بحال من الاحوال ، بل هي أمور منكرة وتعتبر اسرافا وتبذيرا لا يجيزه الشرع ولا يقره العقل ولا يعود على الزوجين في حياتهما الزوجية باي نفع أو فائدة . ولذلك فانه يتحتم على جميع العلماء

والخطباء والوعاظ في المساجد والادباء والكتاب والمتحدثين في الاذاعة والتلفزيون ان يجندوا جميع امكاناتهم من أجل محاربة هذه العادات الضارة والقضاء عليها والتي يتحمل الزوج بسببها اضعاف اضعاف ما يدفعه من المهر وربما تحمل الزوج بسببها ديونا باهظة تثقل كاهله لسنين عديدة . وفي اعتقادى انه متى قضى على هذه العادات السيئة وزال اثرها من المجتمع فانه سيزول بزوالها معظم المشاكل ويمكن بعد ذلك لذوي الحل والعقد البحث عن ايجاد حلول لمشكلة غلاء المهور وما اصطلح عليه الناس من لزوم توافر الوسائل المنزلية التى يرون انه لا غنى عنها .

س ٥ - معالي الوزير محل تفضلكم باعطائنا فكرة عما تنوون ادخاله من تعديل على جهاز الوزارة ؟

ج ٥ - لقد قمت بعد تولى وزارة العدل باصدار لائحة داخلية تتضمن تركيز المسؤوليات وتحديد الاختصاصات والصلاحيات بالنسبة الى فضيلة وكيل الوزارة والى رؤساء الاقسام وجري تعميمها على كافة الاقسام وجميع

الدوائر الشرعية التابعة للوزارة . وهناك اجهزة واقسام جديدة فى الوزارة هي الآن تحت الدرس وسيجرى احداثها حسب مقتضيات المصلحة وفي حدود الامكانات . كما ان هناك لجنة مؤلفة من وزارة العدل والهيئة المركزية للتنظيم والإدارة بوزارة المالية ومعهد الادارة العامة تقوم بدراسة الوضع الاداري عامة في جميع اجهزة الوزارة على ضوء احدث النظم والاساليب ، وستتقدم بتوصياتها ومقترحاتها . كما انه يجرى الآن من قبل هيئة مختصة دراسة نظام استقلال القضاء بصفة عامة . وعند الفراغ منه سيرفع الى المقامات السامية رجاء الموافقة عليه .

س ٦ - نشر في الصحف المحلية أن مجلس القضاء برئاستكم بحث أمورا شتى فهل يمكن اعطاء قراء الرسالة نبذة عن ابحاثه والنتائج التى توصل اليها ؟

ج ٦ - لقد عقد مجلس القضاء الاعلى دورته السابعة فى الفترة ما بين ٢٠-١٠-٩٠ ه الى ٨-١١-٩٠ ه ونظر في جميع الامور المدرجة في جدول اعماله وكانت اكثر من ستمائة موضوع اتخذ حيالها القرارات والتوصيات والاقتراحات اللازمة وكان من جملة ذلك ترفيع نحو ان ٨٧ قاضيا الى درجات مختلفة من درجات سلم القضاء ، واجراء المناقلة بين نحو من ٤٢ قاضيا من بلد الى آخر حسب مقتضيات المصلحة ،

وتعيين قضاة للمحاكم الشاغرة ، مع تعيين الملازمين القضائيين الذين اكملوا مدة التدريب في المحاكم ، وبعض خريجي المعهد العالي للقضاء على الدرجات القضائية التى يستحقونها بموجب كادر القضاء . كما جرى النظر من قبل المجلس في موضوع تعديل الديات الشرعية ورفع نسبتها الى مبلغ ٢٤ ألف ريال في الخطأ و ٢٧ ألف ريال في العمد وشبهه . وقد رفعت جميع القرارات والتوصيات التى اتخذها المجلس الى المقام السامي وصدرت الموافقة عليها كما سبق أن نشر عن ذلك في الصحف المحلية فى حينه .

س - من المعلوم أن معهد القضاء يؤهل خريجه لمناصب قضائية عليا ، فهل من الممكن أعطاؤنا فكرة عن

المناصب التى يشغلونها والميزات التى يتميزون بها على سائر القضاة ؟ .

ج - أن المتخرجين من معهد القضاء العالي يتحصلون إذا نجحوا على شهادة الماجستير ويعينون في مناصب قضائية مرموقة على درجة قاضى ( ب ) من كادر القضاء وهي ما يقابل المرتبة الثالثة بالنسبة الى سلم الموظفين العام وهذه ميزة يتميزون بها على غيرهم من المتخرجين من كليات الشريعة الذين لم يلتحقوا بهذا المعهد فانهم انما يعينون إذا تخرجوا على درجة ملازم قضائى لمدة سنة كاملة ثم يعينون بعد ذلك على درجة قاضى ( ج ) وهو ما يقابل المرتبة الرابعة من السلم العام للموظفين .

س ٨ - لكل انسان أمنية خاصة وعامة فما هى أمانيكم يا معالي الوزير ؟

ج ٨ - ان امنيتي الخاصة هي ان يجعل الله عملي كله صالحا ولوجهه خالصا . أما امنيتي العامة فهي ان ينصر الله دينه ويعلي كلمته ويعز اولياءه المؤمنين ويعيد اليهم مجدهم وسؤددهم ومقدساتهم الاسلامية وما ذلك على الله بعزيز .

س ٩ - هل من كلمة أخيرة توجهونها إلى أبنائكم طلاب العلم ؟ .

ج ٩ - أما كلمتي الاخيرة الى ابنائي واخواني من طلاب العلم فهي اني أوصيهم ونفسي بالاعتصام بكتاب الله المبين و حبله المتين فانه لا ملجأ ولا منجا للشباب من الامراض الفتاكة والتيارات الخبيثة والمذاهب الهداية الا بتحصين انفسهم بالايمان بالله وتغذية قلوبهم بالآداب النافعة النابعة من كتاب الله وسنة رسوله ( ص ) فان الله تعالى يقول : ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : " تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ان لا يضل في الدنيا ولا يشقي في الآخرة ثم قرأ هذه الآية الكريمة ..

وأسأله تعالى دوام التوفيق لنا ولهم الى ما يحبه ويرضاه .

( عن رسالة معهد الرياض العلمي )

اشترك في نشرتنا البريدية