الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

تجنيد القوات والقوى

Share

    " كنتم خير أمة أخرجت للناس " - هذا ما يقوله الله عز وجل ، في محكم كتابه المجيد ، للأمة العربية والإسلامية الكريمة ، ولقد صدق الله وهو أصدق القائلين . . فقد أثبت الواقع والتاريخ ، ماضيا وحاضرا ، أن الأمة العربية والإسلامية هي الأمة " الوسط " وأنها " خير أمة أخرجت للناس " منذ فجر التاريخ حتى الآن ، وإلى يوم يبعثون . .

           و " الخيرية " هنا عامة وشاملة . . عامة وشاملة لنواحى الدين والدنيا . فدين الإسلام الذي تدين به هذه الأمة هو " خير أديان البرية دينا " . لأنه هو الدين الحق الوحيد الصالح المصلح لكل زمان ومكان وجيل . . هدفه خير الإنسانية جمعاء ، لا يختص قبيلا ولا شعبا بخيره ولا بمميزاته دون القبيل والشعب الآخرين . . أنه دين يعالج سمو الروح وإصلاح فسادها ورتق فتوقها ، كما يعالج في نفس الوقت إصلاح المجتمع ماديا

واقتصاديا وطبيا وثقافيا وإداريا وسياسيا . . وقد استطاع أن يزيح عن عاتق البشرية نسير الإستغلال والإستعمار والإستعباد ، وأحاطها بسياج من التعاطف والتراحم . . (إنما المؤمنون إخوة ) . . ومن هنا كانت القوة المعنوية الكامنة في نفوس العرب والمسلمين خارقة وغلابة ، ولا يمكن أن تباد ، أو تقهر الى آخر الشوط . . وقد كفلت لهم جذور هذه القوة الخالدة الخارقة البقاء كوحدة إنسانية ضخمة الإمكانيات ، مهما توالت عليهم الكوارث والنكبات الطاغية . .

ومن نافلة القول أن نقول : إنه ما قاست أمة على ظهر الأرض في مدى عشرة القرون الماضية الأخيرة ، مثل ما قاست أمة العرب والإسلام ، لقد هبت عليها أعاصير العدوان ، وثارت عليها براكين الإستعمار والعدوان ، من الداخل والخارج ، بين كل آن وآن . . وازمعت كل تلك

الزعازع الهائلة ، أن تطيح بهذه الدوحة المباركة التى تثمر نورا وضاء للعالم ، وخُيًل إلى عوامل الشر والفساد أنها ناجحة لا محالة فى مهمتها . . ثم . . ثم أنها آخر الأمر تبوء بالفشل الذريع ، والخسران المبين . . إذ لا تلبث القوة المعنوية الكامنة الخارقة في أعماق العروبة والإسلام أن تنتفض انتفاضتها على عوامل الشر المتجمعة عليها فإذا بها تقتلعها من مواقعها إلى ماوراء البحار .

ولسنا هنا بصدد سرد حوادث

التاريخ التى تؤيد هذا القول ، ولكننا مع ذلك لا نرى بأسا من أن نستعرض استعراضا خاطفا أهم الحوادث التى أدت بنا إلى هذا القول . . والتي جعلتنا ننظر من خلالها إلى القوة المعنوية الكامنة في جوانح العروبة والإسلام كمون النار في الزناد ، بل كمون النور والنار في أسلاك الكهرباء . . إن التيار الكهربائى يظل ساكنا خامدا في أسلاكه حتى إذا أحتك السالب والموجب في هذه الاسلاك تدفقت الكهرباء فنشرت نورا وهاجا ونارا عارمة ، وفعلت الأعاجيب والمدهشات . .

      في عهد صاحب الرسالة ، عليه السلام . . تجمعت قوات الشر من مشركين ويهود ، من أجل القضاء المبرم على هذه القوة الجديدة الوضاءة فى عقر دارها قبل أن يعم ضياؤها أرض الجزيرة . . فكانت غزوة الأحزاب . . وقد شل الله حركة

الأعداء المتجمعين ، وبقي ركن الإسلام ثابتا ، ليمتد من بعد إلى الآفاق . .

 وفي عهد معاوية رضي الله عنه أزمعت الامبراطورية الرومانية أن تأخذ بالثار ممن أجلوها عن سورية وأن تقضى على العروبة والاسلام ، وتعيد ما كان إلى ما كان من استبعاد واستغلال للبشرية ، فلقنتها جيوش الاسلام المدافعه ، وأساطيله المهاجمة درسا بانغا لا تنساه . .

وجاء " الصليبيون " بقضهم وقضيضهم ، من شتى أقطار أوروبا ، يرومون ما كان رامه الروم من قبل ، متبجحين باستعدادهم وعتادهم الحربى وكثرة حشودهم ، واتحادهم الموفوت ضد العروبة والإسلام . . جاؤوا في موجات عارمة ، تروم استعمارا وقضاء على هذه القوة التى أطاحت بعوامل الشر من بلاد الشرق وأزاحت عنه كابوس الاستغلال والمادية الطائشة الرعناء ، وكان الحقد الدفين يأكل قلوب الغزاة ، وكان حب

الانتقام من العرب والمسلمين الذين كانوا غزوا الغرب واحتلوا مدنا وأقاليم من فرنسا ، وهددوا انكلترا وغيرها . . كان الحقد الدفين وحب الانتقام يأكل قلوب هؤلاء الصليبيين الغزاة العارمين . . على العرب والمسلمين ، وإذا قلنا الصليبيين فإنما نعنى "أوروبا بالأمس " جمعاء . . اي أن الغرب بكامله قد غزا الشرق

الإسلامى غزوا إجماعيا شاملا . . وكان الشرق الإسلامي إذ ذاك غارقا فى أوحال من التنابذ وتفرق الكلمة وتعدد الرؤساء ، ولم يفق بعد من ضربات التتر الهائلة . . فانتهز الغرب الحانق المتأجج بنيران الحقد والتعطش الى أخذ الثأر ، هذه الفرصة الذهبية وشنها حملات إجماعية على الشرق المهيض الجناح . . واحتك التياران ببعض ، ومن ثم تحركت ذرات القوة الاسلامية والعربية من

مكامنها ، واستفاق الأسد الجريح . فقد دخل الذؤوببان الجباع والضباع العارمة ، عرينه ، ومن ثم وثب وثبته العجيبة المذهلة على يد " صلاح الدين الأيوبي " وقد تمكنت القوة الكامنة بعد نهضتها من كبوتها أن تلقى بجيوش الغرب الى ما وراء البحار فسجلت أسفار التاريخ العالمية هزيمة غربية منكرة ، وسجلت عقارب الزمن إذ ذاك نصرا عربيا  كاسحا  بحروف من نور ! . .

وجاء " تيمورلنك " وجحافله إلى أرض العروبة والاسلام . . جاءها غازيا جبارا وسفاحا فتاكا لا يرحم : همه القضاء على روح القوة المعنوية فى هذه المنطقة من العالم . . ولكن ما لبثت قواته المادية الطاغية أن ذابت ذوبان الملح فى الماء تحت ضربات هذه القوة الخارقة ، وقد أدرك آخر الأمر أنه كان يعيش في وهم كبير !.

ثم أعاد الغرب في العصر الحديث كرته " الصليبية " الثانية ، على الشرق العربي والاسلامي ، تؤازره

عوامل الفتك والإبادة الحديثة التى اخترعها أو أفاد من اختراع العرب لها فشنها أجمع حملات استعمارية جارفة ، وحملات صليبية عارمة ، على البلاد الإسلامية جمعاء منذ مطلع القرن الثانى عشر الهجرى ، وصار يبتلع قطعة قطعة ، ومنطقة منطقة ، وبلدا بلدا ، ثم دولة دولة . . وما كاد القرن الهجرى الرابع عشر يستهل ويمضى ربعه الأول حتى عم الخطب وانتشر ديجور الإستعمار على أغلب أقطار العروبة والإسلام . .

أين عملاق القوة العربية والإسلامية الحارقة من هذه الخطوب الجسام ؟ . . ومن هذه الحراب المغروسة في النفوس والصدور والظهور ؟ ! . . فأما الغرب فقد طار طائره من الفرح والغبطة ، بهذا الصنيع . . لقد أسكرته خمرة النصر وأذهله ما تمكن منه من التغلغل فى بلدان العروبة والإسلام قلبا وقالبا . . وخيل إليه أنه قد تمكن من القضاء على هذه القوة ومن اقتلاعها

من جذورها ، ولكنه إمعانا فى الأمر ظل يسعى سرا وجهرا لتفتيت ذرات القوة المعنوية للعروبة والإسلام ، حتى لا تنبعث طاقتها فى يوم من الأيام ، فتفعل به مثل ما فعلت بأسلافه من قبله . . وأمعن الغرب الحقود اللدود في أعماله وأهواله حتى خيل إليه أنه قد بلغ من تفتيت قوى الشرق الإسلامي ما يستحيل معه انبعاثها عن جديد . .

. . زاول تفتيت هذه القوى ببث التفرقة بين الصفوف ، لتدوم له السيادة على الجميع . .     وزاوله بتجزئة الدولة الواحدة ،

والشعب الواحد ، إلى عدة دويلات وشعوب عديدة متنافرة . .

وزاوله بحقن العرب بقشور ثقافته الزائفة ، وإبعادهم عن حقائقها وجواهرها التى توجه انتباههم إلى بعض أسباب التفوق والتقدم . .

وزاوله بتوهين أمر الثقافة الإسلامية والعربية ، وتهوين أمر الشخصية العربية والإسلامية ، فهي ثقافة ضحلة لا تفيد ، وهي شخصية بليدة لا تبتكر ولا ترتفع إلى الذرى .

وزاوله ببث سموم الالحاد والشك فى نفوس الناشئة والشباب ، حتى لا تتقوم أرواحهم فتقوى . .

وزاوله بإضعاف اقتصاديات العرب والمسلمين ، وبإحباط كل المساعى التى تجعل من هذه الاقتصاديات سندا للقوة المعنوية الرهيبة اللدود . وذلك ليظل " الاقتصاد الغربى " الحديث ، هو " السيد الدائم " والمتبوع الرهيب بالنسبة للاقتصاد العربى والإسلامى الهزيل . .

ولكن القوة المعنوية برغم كل هذه المقاومة العنيفة العنيدة الصارمة قد تقاربت ذراتها آخر الأمر بفعل الاحتكاك نفسه ، وبدأت بها حركة ويقظة واعية ، ظلت زمنا واهية ، ثم . . ثم بدأ الإحتكاك يفعل بها فعله الساحر الباهر . . وسرعان ما اشتعلت به النفوس حماسة وفتوة ونشاطا ، وقد رام الغرب أن يئدها في مهدها ، وهاله هذا الانبعاث العجيب ، فوضع العقبات للقوافل السائرة إلى الأمام في كل طريق ، ونصب الإشراك في كل مكان ، وحشد القوى المعنوية ، والقوات المادية ، لوقف هذا التيار .

وشعوب الغرب وحكوماته   شعوب وحكومات مادية متنافرة ، لا تكاد تجمعها جامعة في حرب أو في سلم سوى أمرين هما : " حب الإستعمار وبغض العروبة والإسلام " . . ولشعوب الغرب وحكوماته ، تاريخ أسود حافل وضخم عظيم ، فى حبك المؤامرات الظالمة ، وحوك الدسائس الهادمة ، وإلباس النفاق والرياء ،

ثياب الاخلاص والوفاء . . والغاية فى عرفهم تبرر الواسطة . . وقد رأى الغرب إذن أن أنكى ما يواجه به هذه القوة الناشئة المتطلعة الى القمة هو أن " يضع " فى " بهو"  وطنها - أقذر المخلوقات وأبعدهم عن الانسانية ، وأحفلهم بالغدر والخيانة والأثم وكل ألوان الفساد . . وهكذا " وضع " الغرب " طفلته غير الشرعية " - " دويلة اليهود المزعومة " - في

فلسطين ، قلب العروبة الخفاق . . وقد وضع الغرب اذن لهذا المخلوق المخدج أرجلا وأيديا ، وأعانه بأمواله الثرة وبسلاحه الوفير ، وبتوجيهاته وبرجالاته ، محاولا تثبيت أقدامه في بقعة عربية تموج بالحراب العربية ، وتحيط بها العروبة إحاطة السوار بالمعصم . . بيد أن الوعى العربى قد زاد من قوة القوة الكامنة . . وعما قريب إن شاء الله سيرمي بهذه الوليدة غير الشرعية الى ما وراء البحار برغم من خلقوها أو من ولدوها وساعدوا وأسندوها ! . .

وقد كان من آثار انبعاث القوة الكامنة الخالدة برغم كل المثبطات الغربية القائمة ، أن اشتعلت على الاستعمار حرائق في كل مكان . .

وكان وقود هذه الحرائق المضطرمة هو نفس غول الاستعمار . . فاستقل السودان ، وكان الغرب يخال أنه لن ينال خيطاً من استقلال . . واستقلت مراكش بعد أن خاطبت الاستعمار باللغة التى يفهمها . . واستقلت تونس مثل ذلك أيضا . . وهبت أقطار عربية أخرى تحاول كسر الطوق الاستعماري عن بلادها . وفي طليعة هذه الأقطار قطر الجزائر المناضل . . وهي بالغة ما تنشد عما قريب بحول الله وتوفيقه . .

وبعد فكما قلنا آنفا ليس همنا هنا أن نسرد وقائع التاريخ المعبرة . وانما همنا مما سقناه منها بإيجاز وبايماء هو أن يدرك العرب حقيقة ما تموج به معنوياتهم من قوة خارقة لا تقهر ، ليعملوا بقوة وأايد وبحزم في سبيل ايقاظ هذه القوة وتنشيطها لتعمل معهم وليعملوا معها في سبيل دفع غوائل اعدائهم المتربصين بهم الدوائر . . وأعداؤهم اليوم كثرة

كاثرة ، وهم ذوو قوة باطنة وظاهرة شامخة ، يساندها حقد قديم . وغدر مبيت ، ونفاق متقن ، ومؤامرات محبوكة منظمة . . ومن أمثال العرب القديمة الحكيمة : " إذا كان عدوك نمله ، فلا تنم له " . . فما بالك اذا كان هذا العدو ليثاً مفترسا ، تؤازره نمور وغيلان شريرة ، ومجموعات

أخرى من سباع ضارية وأفاع سامة تتقن من الحيل وتعمل من الانقلابات والمقالب ما يعجز الشيطان عن فعله .

ولهذا كان لزاما علينا نحن العرب ونحن فى مبادئ يقظتنا وشبوب قوتنا المعنوية أن نحسب كل حساب لما نقدم ولما نؤخر ، ولما نعمل ولماندع فلا نقدم على أمر إلا بعد درس عميق ، دقيق ، وفحص شامل لكل الاحتمالات كما نجند كل قوانا وقواتنا لنيل أهدافنا الحقة ، في سبيل تخليص أوطاننا من المستعمرين ، ونوحد قوانا وقواتنا ، فنكون يدا واحدة ،

وقلبا واحدا ، ونعني كل العناية بتطبيق أدق مبادئ " الكتمان " على خططنا ونياتنا وأسرارنا وأهدافنا ، فما شل حركة النهضات كالفضفضة بالاسرار ، وما أعان على بلوغ الاهداف العظمى للأفراد والجماعات والأمم كالكتمان . . وفي الاثر : " استعينوا على قضاء حوائحكم بالكتمان " .. وهناك خطة حكيمة سلكتها الشعوب المناهضة للاستعمار الأجنبي ، إذا ازمعت زحزحته عن صدورها . . الا وهي : ( اضرب واصمت ) . .

وهذه الخطة أيضا من مبادئ ، الكتمان المروم . . فلنجعل هذا المبدأ ( مبدأ الكتمان ) أهم ما نعتنقه اليوم في كفاحنا للإستعمار الكارب البغيض لا سيما وأن العدو له عيونه ورقباؤه

وجواسيسه فى كل مكان ، يلتقطون له الأخبار بكل الوسائل السرية والجهرية . .

وقل لي يا سيدي القارئ العربى : متى تتخيل الوقت والمكان اللذين يتمكن فيهما مناضلو الاستعمار أن ينقلوا مركز ثقل المقاومة من بلادهم الى بلاد المستعمرين ( بكسر الميم ) ؟ إن خير ما تدفع به غوائل عدوك إن استطعت هو أن تشغله فى بلاده

وبنفسه عن بلادك ونفسك . .

والحرب خدعة . . وفي مطاوى التاريخ العربي والاسلامي شواهد قائمة على نجح هذه الخطة المثلى وما أتت به من ثمار عظيمة لا تقوم فى سبيل الذب عن حياض العروبة والاسلام . . في سالف الأيام . . والتاريخ يعيد نفسه ، وليس يفل الحديد شئ مثل الحديد . .

اشترك في نشرتنا البريدية