1 ) موضوع هذا النص :
يصف الدوعاجي ليالى رمضان بالحلفوين ومصابيحها المضاءة ، سنة 1944 م ويتأسف صديقه محمد العريبى الأديب الصحفى الذى غادر تونس متوجها الى برازافيل ، ليعمل باذاعتها ، ويتذكر ( الدوعاجي ) بالمناسبة ليالى رمضان سنوات 1937 وما بعدها ، عندما كان هو وصديقه وبقية " السبعة " فى " نادى المجانين " لاهين لاعبين ، عابثين ضاحكين ، وهو لا ينسى ما كان بينه وبين محمد العريبى من صلات ونكت تحدث لهما فى ( صالات ) الطرب مع الفنانات أو مع المتفرجين والمتفرجات خاصة حادثة يذكرها الدوعاجى ، وقد " زطل " العريبى وكانت قربه فنانة اسبانية ، ويتأسف أديبنا الراحل - أخيرا - على فقدان صاحبه ، فيقول : " هذا هو العريبى الذى فقدته هذه السنة ، فكان رمضانى جمادى " باردا كالصقيع ، لا حياة فيه ولا مرح .
2 ) التحليل :
إن هذا النص يلقى أضواء بل مصابيح نيرة على فترة من فترات أدبنا التونسى ، فى فترة ما بين الحربين العالميتين وحتى ما بعد ذلك سنوات ، وهى فترة ساعدت كثيرا على الخلق الفنى ثم على الحياة البوهيمية التى تنافس فيها الأدباء على حب الفنانات فى مجالس كان للخمرة فيها مع ( السبسى ) حظ كبير . وهو جو يذكرنا بالعهد الأندلسى المفقود ، وكذلك بالاجواء التى كانت تسود مجالس الأنس فى صالونات باريس ، فى النصف الاول من القرن العشرين .
على أنه يحسن التذكير أن جو تلك النوادى كان فيه نفس جديد ، وانعتاق من الجمود والتقليد ، على عكس ما كانت الحالة فى المنتديات الأدبية عند مطلع القرن مع جماعة سالم بو حاجب ( 1 ) فى تونس مثلا أو أصحاب صالح سويسى
القبروانى فى " الخورنق " ( 1 ) أو محمد ماضور ومعاوية التميمي ( 2 ) وهى مجالس كان يسودها الطابع الكلاسيكى القديم من قراءات للشعر القديم ودروس تلقى فى البلاغة والتاريخ والادب ، كالتى عهدناها عند المرحوم محمد العربي الكبادى فى " البانكة العريانة " ( 3 ) . أما الدوعاجى وصحبه فقد التفوا حول بعضهم فى مقهى " تحت السور " يكتبون أدبهم وينشرونه اما " بالعالم الأدبى واما بــ ( السرور ) وبعد ذلك فى ( المباحث ) و ( الثريا ) ، متخذين البوهيمية نمطا لحبواتهم والرومنطيقية وأحيانا الواقعية أسلوبا لتآليفهم ، منسجمين مع أغلب التيارات الجديدة التى هب ريحها من الشرق والغرب : من شعراء النهضة وجماعة الديوان وأبولو ، من جهة ، ومن أدب جماعة الرابطة القلمية بأمريكا الشمالية والعصبة البرازيلية بأمريكا الجنوبية من جهة أخرى بالاضافة الى تيار الأدب الغربى ومؤلفاته العديدة ، نذكر منها " أزهار الشر " : لبودلار وقد كان محور حديث طويل بين الدوعاجي وبين محمد المرزوقى ( 4 ) .
هكذا يتبين اذن انفصال جماعة " تحت السور " عن جماعات التيار التقليدى المتمسك بالقيم الحضارية الكلاسيكية والمفاهيم الثقافية التقليدية ، المصاغة فى قوالب عتبقة المفرطة فى الاعتماد على رصيد الماضى ، وكان أهم ممثلى هذا الاتجاه محمد الخضر بن حسين والشاذلى خزنه دار ، وأبو الحسن بن شعبان ومحمد الصالح النيفر والفائز القيروانى ومصطفى آغة
وأما مضمون أدب جماعة " تحت السور " - والدوعاجي وصديقه العريبى من أشهر أعلامه - فكان يصف لا مبالاة الأديب بالجد وقلة اكتراثه
بالسياسة ، فكان أبو القصة التونسية فى هذا النص يتحدث عن سنى المرح والعبث والضحك والطرب ، بل انه رأى ، كما قال الشاعر - أنه " ما فى طلب اللهو على الفتيان من عار " ( 1 ) .
فالمرح عند لقاء الخلان ، والعبث عندما ( يبهذلون ) شخصا ، يضحكون منه فى قاعة غناء وطرب مثلما كان الشأن فى إحدى ( صالونات الحلفوين ) سواء كان ذلك فى ( رمضان ) أو فى غيره من الأزمان . كل هذا مقترن بوصف الافلاس الذى كان يصيبهم رغم فترات البذخ النسبى والبذل السخى فى أحيان قليلة .
الا أن أبرز ما كان يطغى على نفوسهم هو تصوير بعض أهوال الحرب ومظاهره ، وكذلك السخرية من المثل العليا التى كانت تبقى حبرا على ورق ، أضف الى ذلك حساسيتهم المرهفة وفرط المحبة التى كانت الخيط الرابط لسلك ذلك " العقد المنضد " من نجوم الفن والطرب والأدب ، وذلك ما جعل ( الدوعى ) يتحسر كثيرا على فقده رفيقه ( العريبى ) مما حمله على أن يرى فى " رمضان " - وقد كان فرصة الفرح والسهرات الليلية الحارة - شهر جمادى ، رمزا لبرود الجو وثقله ، اذ قد انفرط عقد الجماعة ولم يعودوا بحيون ليالى رمضان " صاخبة ضاحكة " فى صالات الطرب أو فى " النوادى الخاصة " حيث كان يوشح صدرها بيرم التونسى والعريبى والدوعاجي ، بقصائدهم الفكهة ونكتهم المضحكة ؛ وكيف لا وهم الذين اجتمعوا على المرح ، يكتبون عن " مذكرات المنفى " ( 2 ) ويبعثون فى أجوائهم " السرور " ( 3 ) ، ويلهجون بالأزجال ، كلها فكاهة وأدب مرح صور لغة العصر أحسن تصوير
وأعرب عن القلق النفسانى الذى كان مبعثه اليأس من الانسانية التى ترسم المثل العليا من جهة وتصنع القنابل الذرية والمواد الفتاكة من جهة ثانية .
لذلك انغمسوا فى الملذات وأباحوا لانفسهم التحدث عن مجالس شربهم ، وعبروا عن الفراغ الذى يقتلهم ويعانون منه الأمرين ، ولعل ( على الدوعاجي ) أحسن من عبر عن هذه المعاناة بقوله فى أحد أزجاله :
لتوه ما فركست ثنيه لا اللى تطلع لا اللى تهبط
ولا تحملتش مسؤوليه لا اللى تشجع لا اللى تثبط
لا مدخول ولا مخروج ( 1 )
أما عن الأسلوب الفنى للدوعاجى ، فيمكننا - من خلال هذا النص - ملاحظة الخصائص التالية :
. - روح الفكاهة وحب النادرة والتقاط الصور المضحكة :
لا نستغرب هذه الخاصية اذا علمنا أن الدوعاجي كان رساما كاريكاتوريا ( انظر صوره الاربعة بريشته فى جولته بين حانات البحر المتوسط ) دعته هوايته الى أن يطبع انتاجه بطابع النكتة والسخرية المازحة حتى يملأ قصصه بألف نكتة ونكتة ، كما قال محمد فريد غازى فى مقاله عن الدوعاجي ( 2 ) .
وهذه الخاصية منتشرة فى فصله ( رمضان ) ، يعمد اليها عمدا ، ويذكرها بالحاح ، فهو يقول : " وقد علق فى ذهنى من نكات سمرنا . . . " وكذلك : " ومن نكات الحرب . . . " ( 3) بل انه ليضحك لها ضحكا ويذكرها كلما سنحت الفرصة :
" وضحكنا من النكتة وما زلت أضحك منها الى الآن " ( 4 ) .
وأديبنا من هذه الناحية يشبه ابراهيم عبد القادر المازنى حين يتحدث عن الفروسية " أو عن " السيارة الملعونة " ، وهو من هذه الناحية فنان يجعله فريد غازى فى مستوى جيروم كارل جيروم الانجليزى أو وليام صاريان الأمريكي .
وهو بالتالى زعيم مدرسة التجديد فى القصة التونسية ناهيك أن بعض الأدباء من جماعة " المعهد الصادقى " سيتأثرون بهذا الاسلوب ، فسيكتب الأديب عياش معرف ( خليفته ) وسيكتب ( القط هو السبب ) و ( العبقرى والولى ( ، وسينحو منحاه - مع شىء من التغيير - أديبنا البشير خريف فى ( إفلاس أو حبك دربانى ) ( 1 ) .
ولو تخلصنا الى التحدث عن طريقة الكتابة عند ( الدوعاجى ) - من خلال هذا النص دائما - لرأينا كاتبنا يعتمد وضع الفواصل والنقط والمعقوفات ، حتى يضبط المعانى ويسهل الفهم على القارئ ، وهي طريقة تأثر - فى تباعها - ولا شك بالكتابة الغربية .
ثم ان صاحبنا كان يحب اقحام الالفاظ الأعجمية فى كتاباته بالاضافة الى العبارات التونسية الدارجة ، وهو بذلك يعطى لنصوصه حيوية أكثر وواقعية ألصق بالمجتمع الذى كان يحياه . فقد حشر فى نص ( رمضان ) كلمات من نوع " الارتيست " و " البنكنوت " و " الصالة " و " البوهيمية " ، وكذلك ألفاظا من نوع " اقتله يصبح حى " و الفلسه " و " الكحه " و " زطله " .
وقد كان الدوعاجي ميالا الى التلاعب بالألفاظ ليقيم بها مقابلات فى محلها ، من ذلك أنه قال فى هذا النص : " أقبل رمضان بصيامه وطعامه وصلاته وصالاته " ( 2 ) فالصيام ( الذى هو الامساك عن الطعام ) يقابل الطعام ( الذى يباح للمسلم تناوله ليلا قبل مطلع الفجر ) ، والصلاة ( رمز العبادة وأداء
صلاة العشاء والتراويح ) تكون فى علاقة تقابلية مع " صالات " الطرب والغناء واللهو ، وكلها جو مناقض لجو الخشوع الدينى الذى شرع من أجله الصوم . ولنذكر - ونحن فى سياق الطباق ما قاله الدوعاجى ، ليبين به الفرق بين ليالى رمضان الحارة ومعه العريبى ، وبين رمضان البارد الجامد كالصقيع وصاحبه فى دار الغربة بالكنغو ، قال : " هذا هو العريبى الذى فقدته هذه السنة ، فكان رمضانى ( وهو من الرمضاء أى اشتداد الحر ) جمادى " ( أى جامدا ) .
على كل ، أتوقف عن الكتابة ، وبنفسى رغبة الى المزيد ، على أمل أن أقرأ مقالات أخرى تتحدث عن أدب ( على الدوعاجي ) أو عن جانب من جوانب أدبه الثرى ، العميق .

