الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

توفيق الحكيم، وقضية القرن الحادي والعشرين

Share

قضية القرن الحادى والعشرين آخر انتاج للأديب الفنان توفيق الحكيم . وهى مسرحية ذات فصلين ، صدرت فى جريدة " الاهرام " فى 20 نوفمبر 1970، حجمها لا يقل عن مسرحياته الاخرى امثال (رحلة الغد) و(الايدى الناعمة) و (العش الهادىء) ...

* - موضوعها ملخصه كما يلى :

زار توفيق الحكيم صحفى أمريكى كان يطوف بلاد العالم ، يحتري عن سبب كراهية الشعوب لامريكا . وقد تناول هذا الموضوع مع توفيق الحكيم كما تناوله مع غيره من قبله ، وقال الحكيم رأيه فى هذا الموضوع ، وأعجب الصحفى الشاب بكلام الشيخ توفيق الحكيم وعرض عليه أن يصطحبه الى امريكا ويدبر له زيارة للبيت الابيض ليناقش بنفسه الرئيس الامريكى فى هذه المسألة الهامة .

وبعد امتناع ، والحاح ، واقناع ، واقتناع . وجد توفيق الحكيم نفسه مدفوعا دفعا الى هذه الرحلة غير المتوقعة ...

وعلى اثر وصوله ، وقبل أن يضع برنامج الزيارة ويبدأ يومه الاول ، وجد صحف صباح ذلك اليوم تملؤها عناوين مختلفة فى قضية أدهشت كل من سمع بها أو قرأ عنها فعزم الحكيم على أن يحضر هذه المحاكمة : وهي أن اربعة اصدقاء(شابتين وشابين) كانوا يدرسون فى جامعة هارفارد . بعد أن تخرجوا بامتياز استطاعوا أن يتحصلوا على وظائف طيبة . ففرقتهم الوظيفة .

ثم طلبوا فى حرب الفيتنام . وهناك جمعتهم المصادفة . وكانوا يلتقون من حين الى حين ويتجاذبون الحديث ، وأعجبوا لتوافق آرائهم واتحاد مشاعرهم ازاء ما يعيشون فيه من فظاعة وبشاعة . .

وعندما عادوا الى وطنهم قرروا أن يفعلوا شيئا يجعل العالم يسمع صوتهم ولم يجدوا خيرا من المحكمة منبرا لذلك . فاختاروا تمثال الحرية ليجعلوا منه مدخلا لقضية عامة . وأعدوا كل شئ بدقة ليبدو الامر كأنه جريمة تخريب وبهذه الحيله دخلوا المحكمه وصرحوا بآرائهم ، ونشر كلامهم على الناس بمختلف وسائل النشر والاعلام ، وهذا ما أرادوه ودبروا له . . واعتبرت هيئة المحكمة أن القضية تتمثل فى جريمة " تخريب " بينما حوار الاستجواب مع المتهمين انقلب على هيئة المحكمة ليفتح آفاقا حول قضية أكثر أهمية وهي التى أرادها الاصدقاء الاربعة . وأعلنوا صوتهم الذى أصبح مسموعا : " نريد أن يعرف الجميع بصورة حاسمة أنه توجد الآن قضية جدية هى قضية القرن الحادي والعشرين ".

* أما حوادث المسرحية فهى ليست أكثر من حوار عسير فى قاعة المحكمة دار معظمه بين المدعي العام والمتهم الاول والمتهمة الثانية اللذين تكلما في الجلسات ، أكثر مما تكلم محاميهما . . ودافعا عن نفسيهما بشدة واصرار وفى ضمن هذا الدفاع تبرز أفكار المتهمين وفلسفتهم التى هى فلسفة وأفكار توفيق الحكيم نفسه ، والتى انساق مسحورا من أجلها وراء الصحفى المغامر الى بلاد المتناقضات ، حيث شهد هناك(طوائف من الجموع تحمل لافتات عليها شعارات غريبة . فمنها ما يطالب بالمساواة بين البيض والسود . ومنها ما يطالب بسحق السود . ومنها ما يطالب بمنع الحروب . ومنها ما يطالب باباحة الشذوذ الجنسى . ومنها ما يلعن أو يحبذ سيادة الرجل على المرأة ومنها ما يبارك سيادة المرأة على الرجل). الى آخر ما يمكن تصوره من صيحات وتشنجات وتقلصات تنم عن مجتمع فى حالة مرض نفسي كالمجتمع الامريكى .

وكانت الفكرة المسيطرة على فلسفة هؤلاء المتهمين الاربعة هي : الدعوة إلى مناقشة المسلمات . وبما أن المدعي العام الذي جعله توفيق الحكيم يتكلم باسم الرأى العام - على ما أفهم - ، يرى أن مناقشة المسلمات والعادات عمل غير مشروع ! فى نفس الوقت نجد هؤلاء الشباب يمعنون فى ترسيخ فكرتهم هذه بقوة تحدى الشباب وبقوة روح المؤمن . . حيث تجيب احدى المتهمتين ، وتعتقد أن مناقشة المسلمات عمل مشروع ، اذ تقول : " . . وهو ضرورة اجتماعية . ونحن الآن فى صدد التمهيد لمجتمع القرن الحادي

والعشرين ، فلابد من مناقشة المسلمات التى لا يناقشها أحد . ونفحصها بحرية وعناية لنرى هل أسبابها موجودة أو زالت أو ضعفت ولكنها هى بقيت بالعادة ورسخت بالتحجر والتقديس العقيم ، الذي يشبه الوثنية ... كانت الوثنية تقدس الاحجار ، ونحن نقدس الافكار " . وتدعيما لهذه الفكر تضيف الفتاة التى تعلقت بها تهمة جديدة وهى تحدى القوانين والقيم زيادة على التهمة الاولى المتمثلة فى نية نسف تمثال الحرية الشهير وحرق مكتبة الكونجرس ، تقول المتهمة بمنطق الفلاسفة : " إذا لم تكن هناك مناقشات حرة للمسلمات والعادات فكيف تنتقل البشرية من مجتمع الى مجتمع ؟ ان الديانات السماوية لم تقم الا على أساس الدعوة الى مناقشة المسلمات والعادات الراسخة فى العهود الوثنية ".

وفى اعتقادى لو تناول هذا الموضوع كاتب آخر غير توفيق الحكيم لوقع فى مواقف ضعف عديدة ، يفرضها عليه الموضوع نفسه - موضوع الحرية ، المربوط بالسياسة العالمية وبأمريكا - وهو لوضوع مله كل مثقف بل أصبح ينغصه فى بعض الاحيان بمجرد سماع شئ عنه . . فما بالك أن يقرأه في كتاب . . والحقيقة انه اعترانى مثل هذا الضيق والضعف فى بعض الاماكن من المسرحية ، ولكن عبقرية توفيق الحكيم تتسلط كعادتها على أى موضوع مهما كان جافا ، فيبعث فيه شارات من ذكائه لتجعل من هذا الضعف مخرجا طريفا يرجع للمسرحية حيويتها ، ومثل هذا وقع عندما . " أحضر المدعى العام شاهدا لم يكن فى الحسبان وطلب من المحكمة سماع أقواله . كان هذا الشاهد قسيسا . . تكلم وقرر أن المتهمين الرجلين جاءا اليه ذات يوم منذ ثلاثة شهور ليعقد بينهما الزواج . كما انه فى نفس اليوم حضرت اليه المتهمتان المرأتان وطلبتا نفس الامر ، وهو عقد الزواج بينهما ، وقد رفض هذا النوع من القران الذي يجمع بين اثنين من نفس الجنس .

وهذه الحادثة - أو هذه الشهادة - كانت للمسرحية حقنة فيتامنية ايجابية جعلت المسرحية تصعد الى مستوى مسرحيات " توفيق الحكيم الذهنية الراقية . . وذلك لعدة أسباب منها ، أولا : كانت هذه الشهادة مفاجأة أدهشت القراء بعدما أدهشت الحاضرين فى قاعة المحكمة ، باعتبارها نادرة غاية في الطرافة .

ثانيا : كانت هذه الحادثة التى لم ينكرها أحد من المتهمين ، بل قالت عنها المتهمة معترفة بكل بساطة : " وما هى الجريمة فى هذا ؟ اننا لم نفعل شيئا فى السر ولم نزور شهادة ، ولم نستعمل ضغطا ولا ارهابا . لقد ذهبنا فى

وضح النهار ، وبكل لطف وأدب نسأل القسيس أن يعقد هذا القران ، فامتنع وأفهمنا أن هذا لا يجوز فانصرفنا وانتهى الامر عند هذا الحد " . كانت تلك الحادثة - أو الشهادة كما سبق ان ذكرت - نافذة متسعة لطرق موضوع لا يقل قيمة عن أهم المواضيع الشائكة التى يعانيها المجتمع الامريكى بالذات (*)

عندما علق المدعي العام على ما سمعه من شهادة القسيس ، وهو يعتقد أنه تحصل على صيد سمين ، اذ قال : " ان المتهمين اللذين تبلغ بهم الجرأة أن قدموا على تصرف شاذ كهذا فيه تخريب لاخلاق المجتمع ، لا يستكثر عليهم تخريب تمثال الحرية أو حرق مكتبة الكونجرس ! " وهنا يقع استغلال هذه النافذة الجديدة لدعم الفكرة الاساسية " ضرورة مراجعة ومناقشة المسلمات والعادات " ، فيقع الحوار التالي عندما طلب محامي المتهمة سماع أقوالها كشاهدة . . . فسألها :

- قلت لنا بالأمس انك تحافظين على القيم فكيف تفسرين هذا التصرف الذي سمعناه الآن ؟

- ما قلته بالضبط هو انى احافظ على القيم الصالحة للبقاء . - وما هو المقياس لما يصلح للبقاء وما لا يصلح ؟

- ما لا يصلح للبقاء هو ما يبقى بعد زوال أسبابه . - وهل زالت اسباب الزواج بين الذكر والانثى ؟

- لا بالطبع ، ولكن زالت أسباب التحرير للزواج بين الذكر والذكر وبين الانثى والانثى .

- كيف حدث هذا ؟ أرجوك توضيح هذه النقطة . - يجب أن نسأل أولا لماذا شرع الزواج بين الذكر والانثى ؟ كان الاساس فى ذلك طبعا هو النسل والتناسل .

وتستمر المتهمة فى شرح وجهة نظرها الى أن تقول :

- ٠٠ كانت التشريعات تقوم على حماية النسل والحض عليه فكان من الطبيعى أن يفهم الزواج على انه المؤدى الى النسل . وهذا لا يكون الا بالجمع بين الذكر والانثى ..

أما اليوم فالامر قد اختلف . وبعد مجتمع تشجيع النسل أصبحنا فى مجتمع تحديد النسل فما هو اذن وجه التحريم لقران لا يؤدى الى نسل ؟ اذا كانت أسباب التحريم قد زالت فلماذا يبقى التحريم ؟

وبالتدرج من سؤال الى جواب بين المحامي وموكلته يصل بهما الحوار الى النقطة الاساسية التى عمد اليها الكاتب المفكر والتي جاءت على لسان المتهمة حينما قالت اثر سؤال المحامي :

- هل كنتم تقصدون تحدى القوانين ؟

- لا . كنا نقصد فقط لفت النظر الى زوال أسباب هذه القوانين ، وان عصرنا يجب أن يعيد فيها النظر .

- ولماذا اخترتم قانون الزواج بالذات ؟

- لانه أشدها لفتا للنظر . هناك قانون آخر أقل شأنا . هو تحريم الاجهاض . وذلك فى وقت يشجع فيه تناول أدوية منع الحمل . أيوجد تناقض أكثر من هذا ؟ ولكنه جبن المجتمع عن الغاء تحريم قديم ..

بمثل هذا الذكاء الحاد تبرز أفكار توفيق الحكيم فى الكثير من المسائل المصيرية ويبدو رأيه فيها واضحا بدون التباسات . . مسائل بالغة الدقة والخطورة . . تمنى القراء أن يعرفوا حكم كاتبهم الفنان فيها . . ولكن حكم المفكرين امثال توفيق الحكيم بطئ وغير ارتجالى . . كم تمنى القراء قبل قراءة هذه المسرحية معرفة رأيه فى الشباب المتخبط فى عصر القلق الذي نعيش فيه . . . الشباب الذي قال عنه المدعي العام .

- واعتبره الرأى العام كما سبق أن لاحظت - " الشباب الضائع المخدر المستهتر المخرب المتصعلك الهائم النائم فى الطرقات ! "

ويأتي رأي الحكيم في هؤلاء واضحا كالنهار على لسان المتهمة طبعا : " هؤلاء كما قلنا هم الطلائع المضحاة ، هم فرق الانتحار . هم الطيور المهاجرة التى تسقط فى البحر ليصل غيرها سالما الى البر ، هم الذين يتقدمون فى كل ثورات التاريخ برفع رايات العصيان ويطلقون الصيحات الاولى المشوشة والشعارات المتطرفة وتختلط عندهم الافكار الجريئة بحركات الشغب الطائشة الغوغائية ، ولكن الثورة بعد ذلك هي الثورة .

هكذا تعلن المتهمة رأيها عن الشباب المتساقط فى سبيل غيره ، وقد شبهها

بهم الادعاء . . وتضيق بجرأة الشباب المعهودة وبقوة تحدى المؤمن عندما أشار المدعي العام الى الشدة والقمع اللذين ينتظران مثل هؤلاء المتعنتين اذ اجابت : " ان أية مقاومة لنا لن تفلح ، بل ستؤدى الى زيادة الثورة عليكم ، ثم الى الانفجار .

- أتظنون ان القمع والعقاب لا ينفع ؟

- جربوا . ضعونا على الصليب كما وضعوا المسيح ، لقد رفعوه على الخشبة فرأته البشرية كلها وستظل تراه وتسمع صوته وهو يقول " يا رب اغفر لهم فهم لا يعرفون ما يفعلون " . . وسنقول نحن ايضا : " أغفر لاهل عصرنا ، فهم لا يعرفون فى اى مجتمع يعيشون "

وعلى الرغم من أن توفيق الحكيم يعتبر من جيل القرن المنصرم بحكم سنه . . الا انه استطاع أن يتجرد من عقد الوعظ والزجر التى تحكمت في أبناء قرنه . ونظر الى مأساة الشباب ومشاكله بمنظار الحكيم المتبصر ، باحثا معهم لمخرج من سلبية أكثر مسلمات هذا القرن استعدادا لدخول القرن الحادي والعشرين بأكثر إيجابية وأكثر منطقية ، وبما يوجد من أشياء عظيمة وجميلة لا بد من صيانتها ونقلها الى الاجيال الجديدة والعصر الجديد . . .

والواقع أن " قضية القرن الحادي والعشرين " رائعة من روائع انتاجنا العربى يجب أن نفتخر بها . . ويكفى هذه المسرحية فخرا أن كاتبها هدم بها حدود الاقليمية التى كانت تدور داخلها موضوعات انتاجنا .

أما براعة توفيق الحكيم فى تصوير التجربة الانسانية ذات الماضي والحاضر والمستقبل ومزجها مزجا اشبه بالمزج الكيميائى ، والتى تنصهر في عقله الخالق لتتحول الى تجربة جديدة ذات معنى متكامل . . ليست هذه محاولته الاولى فى هذا الابداع ، وانما هو شىء تعودناه فى كل عمل من أعمال توفيق الحكيم المفكر الفنان .

اشترك في نشرتنا البريدية