ان غرة جوان كان يوم انتصار الشعب التونسى الاعلى قوى الظلم والطغيان الاجنبية فحسب بل كذلك على العهد القديم فى جميع مظاهره اقتصادية كانت او اجتماعية او سياسية
ولا شك ان استقلال تونس السياسي يعتبر فعلا نقطة انطلاق وانفتاحا للاقتصاد الوطني ، نقطة انطلاق لان اقتصادنا كان مبنيا على اسس عقيمة وغير وطنية فكانت الفلاحة مختلة الاتزان اذ جانب عظيم منها سائر
على اساليب عنيفة لا يمكن استعمالها من مضاعفة الانتاج اذ ان كل من خابت مساعيه في الحياة يركن الى الزراعة ويرقب الغيث عله يجنى محصولا يقتات منه مدة من الزمن وجانب آخر مسكته ايدى المعمرين فادخلت عليه الطرق العصرية الفعالة وربحت منه اموالا طائلة لم تعد على الشعب التونسى الا بالضئيل النادر وكانت الصناعة الناشئة متعثرة اذ ان غالب التونسيين لم يشجعوا على ممارستها ولم يهتموا بها ولم يريدوا المخاطرة فيها وانصرف البعض منهم الى التجارة التى تدر الربح العاجل والتي لاتكمن بها عادة الاخطار الجسام التى قد تظهر فى الميدان الصناعى ، ولم تترعرع بتونس الا صناعات المناجم التى تستغل ثروات ما تحت الارض تلك الثروات الصالحة لسير الصناعات التحويلية باوروبا وخصوصا بفرنسا وتستغل هذه الثروات شركات اجنبية يسير نشاطها على هامش اقتصاد البلاد
لو اردنا ان ننعت بجملة قصيرة الاقتصاد التونسى ايام الحماية لقلنا انه اقتصاد مختل التوازن بين الاشغال الصناعية والاشغال الفلاحية التقليدية وانه اقتصاد بدائى أى ان الانتاج القومى يعتمد اولا وبالذات على ما يسمى بالاشغال البدائية اى الزراعة من جهة والصناعات التقليدية والمنجمية من جهة اخرى
ثم ان الاستقلال السياسى نقطة انفتاح لان الاقتصاد التونسى كان مخنوقا مضروبا عليه حصار شديد جعله فى معزل عن تيارات التقدم فكان التراب التونسى منطقة قمرقية ونقدية واقتصادية موحدة مع التراب الفرنسى فلما تحصلت تونس على سيادتها السياسية كان من المتحتم تكسير هذه الحواجز واحدا بعد الاخر ونسف هذا السياج المصطنع فمدت الحكومة التونسية يد التعاون الى العالم الخارجى ووثقت علاقتها الاقتصادية مع كثير من البلدان سواء فى ميدان التجارة او التعاون الفنى والمالى
ويمكن ان نلخص مظاهر السياسة الاقتصادية التى تنتجها تونس منذ استقلالها فى اتجاهات ثلاثة وهى أولا تحرير اقتصاد البلاد من رواسب الاستعمار وتطهير المؤسسات منها
ثانيا : النهوض بالانتاج الفلاحى ثالثا : خلق جهاز صناعى يمكن بواسطنه توفير الانتاج القومى واستكمال اسباب المناعة والاستقلال فى الميدان الاقتصادى
تونسة المؤسسات الاقتصادية
ان غاية الحركة التحريرية التونسية لم تكن ترمى فقط الى استرجاع الكرامة والعزة الوطنية للشعب التونسى بل كذلك لانتشال اقتصاد البلاد من الايدى الاجنبية حتى يؤدى وظيفته الطبيعية وهى خدمة مصالح الشعب وتوفير اسباب السعادة وحياة الرفاهية
ففي ميدان البنوك انشىء البنك المركزى يوم 4 نوفمبر 1958 وخرجت العملة التونسية الى الوجود ورغم هروب عدد عديد من رؤوس الاموال غداة الاستقلال لان اصحابها كان يغلبهم مرض وهلع فوفرت الاعتمادات المالية بالبنك المركزى وبلغت فى شهر فيفرى المنصرم ما يزيد عن اربعة واربعين مليون دينار ،
وقد بعث جهاز بنكى عصرى قادر على نفث الاعتمادات المالية فى الهيكل الاقتصادى التونسى بصفة منظمة وفعالة فاحدثت الشركة التونسة للبنك فى 26 مارس 1958 والبنك القومى الزراعى اول جوان 1959 والشركة القومية للتمويل وهى منظمة تدرس مشاريع النهوض الاقتصادى وتشارك ماليا فى خلقها وتنفيذها
وفى ميدان النقل وقع تاميم شركة الخطوط الحديدية وشركة النقل بالعاصمة وشاركت الحكومة التونسية فى نصف رأس مال شركة تونس الجوية وبعثت الشركة القومية للملاحة فى مارس 1959 لاستغلال جانب من الخطوط البحرية التى تربط الجمهورية التونسية بفرنسا وغيرها من البلدان وفى ميدان المناجم قررت الحكومة التونسية مشاركتها فى نصف راس مال شركة صفاقس قفصة اذ ان الفسفاط مادة ذات اهمية كبرى لايمكن تركها فى ايدى شركة اجنبية تعمل بها ماتشاء
واسترجعت الحكومة قسما من اراضى المعمرين خصوصا فى جهة الوسط وهى تسعى الان لاسترجاع القسم الباقى وادخاله فى صلب الثروة الوطنية هذا ويجدر ان نلاحظ ان عملية تطهير الاقتصاد التونسى من مخلفات الاستعمار تمت فى غالب الاحيان بدون اصطدام عنيف وبطريقة التفاوض والمراحل وتغليب العقل على العاطفة ولعل هذه الطريقة كانت من انجع السبل لبلوغ اهدافنا الوطنية فى ميدان الاقتصاد بدون احداث قلاقل وربما تعود على سير المؤسسات بعواقب قد تكون وخيمة
النهوض الفلاحى
لم تقف الحركة التحريرية عند هذا الحد بل تعدته لتبنى اقتصادا قويما يرمى الى توفير الانتاج وما من شك ان الاقتصاد التونسى يرتكز اولا وبالذات الى هذه الساعة على الفلاحة
وكان الانتاج الفلاحى قبل الاستقلال لايرمي بصفة ثانوية الى سد حاجيات الاهالى الغذائية بل كان موجها نحو التصدير . فالقمح الصلب والخمور توسق للخارج مقابل قسم من المواد الغذائية الاخرى التى نوردها من منطقة الفرنك وقد رات الحكومة انه من الضرورى استغلال الثروات الفلاحية لسد حاجيات البلاد قبل كل شئ وسق الباقى الى الاسواق العالمية وقد اعدت كتابة الدولة للفلاحة برنامجا فلاحيا يمتد على سنوات عشر تصبح اثرها الفلاحة نامية عصرية تتناسب ورغبات الشعب التونسي وتتخذ السلطات عدة طرق للوصول الى هذا الهدف وتحقيق برنامج العشر سنوات هذا .
فالطريقة الاولى هى الاصلاح الزراعي وقد صدر قانون بتاريخ 10 جويلية 1957 يحل الاوقاف الخاصة وقانون آخر بتاريخ 29 سبتمبر 1957 ينظم توزيع الاراضى الاشتراكية بين مستحقيها ويرمى هذان القانونان الى تشجيع الاهالى
البدو والرحل على الاستيطان بالاراضى التى يجب استغلالها وتمكينهم من اقامة تعاضديات فيما بينهم كما احدثت دواوين لتنظيم اساليب الرى ومكافحة الانجراف وتنمية الانتاج الفلاحى ومنها ديوان وادى مجردة وديوان النفيضة وديوان سيدى بوزيد .
وانشىء ديوان للالات الزراعية العصرية وسيكون له دور فعال فى النهوض بمستوى الانتاج اذ ان الفلاحة لن تقفز القفزة الضرورية الا اذا اتخذت الاساليب الكفيلة لذلك ومنها استعمال مثل هذه الالات .
ولا يمكن ان ننسى الى جانب هذه الوسائل برنامج التشغيل الكامل ومكافحة البطالة الذى يرمى الى استثمار الطاقة البشرية العاطلة لتنمية الفلاحة وتحسين الطرقات
تصنيع البلاد
ان النهوض بالفلاحة لا يكفى وحده للسير بالبلاد نحو الازدهار واستكمال شروط الاستقلال فالبلدان الفلاحية فى حاجة دائمة الى التى تم تصنيعها والفرق عظيم بين قيمة المنتج الفلاحى وقيمة المواد المصنوعة . ورغم وجود عراقيل شديدة منها غلو الطاقة الكهربائية بتونس وضيق السوق قررت الحكومة فى نطاق ثورتها على التخلف ان تضمن للبلاد جهازا صناعيا يجعلها فى مصاف البلدان المتقدمة ويقيها شر التبعية المجحفة . وترمى الحكومة الى تنمية الصناعات التالية :
اولا : الصناعات التحويلية تحويل المواد الزراعية : يوجد بتونس 23 معملا لتصبير الغلال والخضر و 14 معملا لتصبير السمك وعدد آخر من معامل المواد الغذائية وستتكون معامل اخرى لصناعة عصير الغلال والسكر والصابون .
تحويل المواد الاولية : تكونت مدبغة بمنوبة وصناعة الاحذية تمت الآن نموا يدعو الى الارتياح كما اخذت صناعة الاثاث المنزلى تترعرع ونشأت صناعة النسيج بقصر هلال وستبرز قريبا صناعات اخرى فى الميدان الكمياوى ومعمل لتكرير البترول بالصخيرة ومعمل جديد للفوسفاط
ثانيا : المناجم : تنتج البلاد التونسية الى جانب الفوسفاط عدة معادن وهى الحديد والرصاص والزنك ويتواصل البحث على البترول وليس من الغريب ان توجد هذه المادة بالجنوب التونسي .
وتنوى الحكومة تحويل جانب من هذه المعادن بتونس فيزداد قيمتها وتتضاعف مداخيل الميزان التجارى .
ثالثا : الصناعات الاساسية او الثقيلة : قد يرى البعض ان لامستقبل لهذه الصناعات بتونس ولكن هذا الراى غير صائب عند امعان النظر ولذا تستعد السلطات لانشاء صناعة الفولاذ وتركيب الاالات التجهيزية المختلفة فى انتظار صنع بعض اجزاء تلك الالات فى مرحلة اخرى
رابعا : صناعة السياحة : تعمل تونس على استغلال مظاهر الجمال الجذابة وحسن المناخ بها واستعداد شعبها المضياف لاستجلاب عدد وافر من السياح وجنى اموال هامة من هذه الصناعة .
كانت هذه بسطة مقتضبة عن الخطوط الرئيسية للثورة التى تشنها تونس حكومة وشعبا على التخلف الاقتصادى ولضمان عيش كريم لابنائها .
ونتبين من هذه النظرة الخاطفة ان تونس ما زالت فى بداية الطريق وان هذه الطريق لها من الوعورة والالتواء ما يستوجب الحذر والتكاتف والطموح وحب التقدم وارادة الحياة .
فليس من السهل ان تطوى قرون التخلف طيا سريعا ولا ان ينمو الاقتصاد بدون اعمال الراى وتسطير البرامج القويمة وتنظيم حركة النمو هذه بصفة علمية وواقعية .
فنحن فى بداية الدرب ومن سار على هذا الدرب وصل .

