أن تكون شارد الذهن ، ذاهلا مشدوها ، كما تشرد من أمامك منازل القرية الواطية ، البالية ذات لون التراب اليابس الكالح ، الحار ، الملتهب ، كما يذهل شيوخ القرية عندما لا يفوز أبناؤهم فى المدرسة أو كما تذهل نسوة القرية عندما لا يجدن بماذا يشعلن نار العشاء ، وكما تقف تلك النخلات ذات الحذوع المحروقة الجوفاء في فضاء مشدوه .
أن تكون شارد الذهن ، ذاهلا ، مشدوها ، فالحمار ليس مثلك . الطريق يعرفها بل يكتشفها ويصنعها . المهم انك ستصل . ستصل ، نعم ، انك واصل لا محالة ، فالمنازل بعدت عنك ، أنت مستدير نحو البيوت الحقيرة والحمار دائب السير ، يسير الحمار مخلفا وراءه القرية ، وأنت تمتطى الحمار الا أنك تنظر الى القرية ، الى أولئك الاطفال الحفاة ، طبعا ليسوا كلهم حفاة وانما يغلب عليهم العرى ، قلنا : كنت تنظر الى أولئك الاطفال الحفاة الراجعين من المدرسة متأبطين أكياسا قماشية بها كتبهم وكراريسهم وأقلامهم ، وفى كراريسهم كتابات مرسومة على الاوراق البيضاء المسطرة . أحرف كبيرة معوجة منحرفة عن أسطر الصفحات المبقعة ببقع الحبر البنفسجى ، مهما يكن فهم الذين خطوها ، نعم ، الاطفال الحفاة هم الذين خطوها ، أما أنت فخسارة ، لا تعرف الا ان تنظر فيها ، اما أن تكتب مثلها أو أن تقرأها فهذا مستحيل لانك قاصر . وقد تتساءل لماذا أنت قاصر .
لماذا لا أعرف كيف أعوج الاحرف وكيف أنحرف عن الاسطر المرسومة على صفحات الكراسات البيضاء المبقعة هنا وهناك ببقع الحبر البنفسجى ؟ لماذا ؟
سامحك الله يا أبى ، أنت الذى لم تذهب بى الى المدرسة من أول يوم يجب فيه أن أذهب اليها ، بل أبقيتني بين خطوط قطعة أرضنا المحفورة أقتلع القش والاوساخ وأهشم قطع التراب الكبيرة فاكا منها الحشائش الناجمة بين ذراتها التى تفسد الزرع لو بقيت وتحول دونه والثمرة فتحرمنا من مرابيح السنة القليلة ، التى بفضلها يصل أبى لتعييشنا مستورين وهو على ذلك مشكور .
ولما فكر أبى فى ترسيمى بالمدرسة كان ذلك يوما مشهود بالنسبة لى
على الاقل ، وهو اليوم الذى لمسه الى حد الآن وما أظن أنى سأنساه . قال المدير لابى : ابنك تجاوز السن القانونى ، وعلى هذا الاساس لا يمكن بأى حال أن يرسم بالمدرسة . معنى هذا أنى مرفوض أو على الاصح طلبى غير مقبول . أظهرت أسفا سخيفا ساذجا وأبطنت حزنا عنيفا . رجعت مع أبى الذى مافتئ يردد بأنه مسرور الى قمة البهجة والسرور وأن الله راض عنه فلطالما طلبه فى أن لا أقبل بالمدرسة التى يديرها فرنسى عدو للدين . وعدت للمحراث أغرسه فى الارض وأدفعه أمامى فأخط على الارض خطوطا مستقيمة . عدت للشمس أكتوى بها فى حقلنا الاجرد البائس ، عدت الى هذا الحقل الذى يجعلنى ألهث خلف محراث قديم ، أللهث ، والشمس تضربني أشعتها الدقيقة والعرق يتصبب منى لكنى أتحدى كل ذلك وأبقى لاهثا أدفع محراثا أو يجرنى محراث ، لا أبغي شيئا سوى جرعة ماء أجدها فى قعر قلة صغيرة مرمية فى طرف الحق الحقل حيث العجوز والدتى تنكب على اقتلاع بعض الاعشاب .
انظر كيف تغيب عنك القرية وكيف تغور ابتسامة أمك في ذلك الفضاء الفسيح ، لاحظ أنك لم تعد ترى أى شئ سوى شبح أمك واقفة وفيما يبدو مازال بيدها الاناء الذى رش به خلفك ، أقصد خلف الحمار وأمامك أنت ، وعلى فكرة ، فامتطاؤك الحمار فى اتجاه معاكس شئ مضحك ، أن يكون الحمار متجها بك الى الامام وتكون أنت مستديرا الى ما يخلفه هو وراءه فهذا يبعث على الضحك ، ما علينا . أنت لست متحققا من أن الاناء مازال بيد أمك ولكنه حدس ، ربما هو حق ، بل هو أقرب الى الحقيقة ، والأرجح أن يكون الاناء مازال بيدها لانها تفارق المكان الذي خلفتها فيه ، قالت لك وهى ترش ذيل الحمار ومؤخرته وبعضا من يديك ووجهك وبالتالى التراب الذي يفصل بينك وبينها أو بينها وبين مؤخرة الحمار ، قالت لك : الماء والامان .
ثم قالت : امش يا وليدى ، المفتاح فى ايدك والزمان ما يكيدك . وانفصلت عنها وانقطع كلامها عن أذنيك واتسع الفضاء الذى بينكما الى أن صرت الآن لا ترى منها الا شبح شخص واقف ، لم يبق لك منه الا جرس كلمات ترن فى أذنيك ، والا بسمة غائرة فى بقعة نائية من مفكرتك ، والا نظرات من عينين اغرورقتا بالدمع ، ذاك كل ما بقى لك من أمك ، طبعا مع زيادة ذلك الشبح الصامد هناك الذى يضعف شيئا فشيئا . ومع غيابك عن ناظرى ذلك الشبح ، ستعود أمك الى الحقل تلتحق بأبيك ليقتسما معا رياح القفر الهوجاء ولفح الهجير وشوك الليالي الحالكات السواد ، يتحديان كل ذلك ويقفان للريح تذرو ملابسهما وتهزها بعنف وللشمس تحرقهما ولاشواك الليل تدميهما فلهما فى آخر الليل تضميد ومؤاساة .
لقد كان رجوعى فاشلا من المدرسة عاملا من عوامل عودتى الى الحقل
والشمس الحارة وهوج الرياح ، لكن الذى حز فى نفسى هو أن أعزل عن حلبة طالما كنت أتمنى أن أكون من ضمنها ، ماذا يعنى أن يتوجه يوميا أبناء القرية الى المدرسة ويرجعون بكراساتهم الملآى بخطوطهم المعوجة التى لا تحافظ على متابعة أسطر الصفحات ، يعنى هذا بدون شك أنى ابن حقل حقيقى ، أى انى لا أصلح لاى شىء وغير مرغوب فى . لكن بيمينى ودينى لن يمر قليل من الزمن حتى أريكم من أنا وماذا يمكن أن أفعل .
لم يكد الحمار يمضى بك بعيدا عن القرية حتى وجدت نفسك تستقبل قطرات المطر الكثيفة النازلة لينة على يديك وشفتيك وعلى ملابسك ، واربدت السماء ووضح أنها تريد أن تفعل بالارض شيئا ، كأن تذيب تلك الغيوم فتنزل مطرا ، وكان ما ظننت . سقط الماء هينا لطيفا فى الاول ثم انهمر مدرارا قويا منفلتا من فوق على أسفل ثم ضعف رويدا رويدا سائرا نحو الكفاف وانتهى الامر ، كأن ماء لم ينزل من السماء على الارض ، ولم يكن نزول المطر قد مكث طويلا ، كعادته فى هذه البقاع ، لذلك لم تستحث خطى حمارك ولا التجأت الى أى مكان للاحتماء . كفت المطر بعد أن رش المكان وطلع منه الغبار ، ومن هنا بدأت تلاحظ آثار الحمار مطبوعة على الثرى ، وظل الحمار يسير بك ، دين أو حال وبين مواضع يابسة كان الماء لم يصلها ، وبين روائح اختلط فيها الحنظل بالاكليل وبعض النباتات الاخرى المتوحشية ، كما بدأت روائح التراب نطلع عليك ووهج حار ناجم من أسفل يغمر المكان . وسرعان ما سخن الجو فعرفت ولا مروحة من سعف النخيل تبعد عنك بعضا من هذه الحرارة وتروح عنك . وحاصرك الليل فمضيت دائما تسير أو مضى بك الحمار . وتحركت بعض النسمات فداعبت قفاك فدخلك شئ من النشاط والاحساس بالخفة ، وكأنما بدأت تطرح عنك ثقل اليوم وكثافته وتستعد لعد النجوم .
عد النجوم هذا كان ولا يزال شغلى الشاغل ، فكلما جن الليل وأقبل كل من يرود المدرسة على النظر فى خطوطهم الكبيرة أقبل أنا - وقد استلقيت على ظهرى بعد عمل طويل كامل اليوم - على النظر فى السماء وعلى ابتداء عمليات الجمع التى لا تنتهى ، أحسب الكواكب كوكبا كوكبا ثم أضم الحساب وأرى الحصيلة ماذا كانت ، فاذا بى ألح نجمة جديدة وأخرى تبرز لاول مرة وأخرى غابت فيكون من جديد الجمع والطرح وهكذا الى أن يأخذنى النوم وأنا أغمض عينى على نور الكواكب المشتعلة والمنطفئة ، المطلة والآفلة .
كانت النجوم تائهة أمام عينيك فى سماء لم يعد ظاهرا منها سوى فراغ هائل أسود يعم كل ما تراه عيناك الحائرتان المفتوحتان فى ذهول . من يقوده حمار الى مكان شبه مجهول لا يعرف عنه سوى انه سيلقي فيه الدعة
والراحة والاستقرار فى النعيم شريطة أن لا يهمز الحمار وأن لا يدفعه حيث بشاء ، لان الحمار ذكى ويعرف الطريق ولطيف المعشر وهذا حق ، فحتى الوالد والام قد أوصياك بأن تركب وتنعم بالركوب الى أن يوصلك الحمار . ولولا كل ذلك لما دب بك كل هذا الدبيب ولما قطع بك كل هذه المسافات التى لم تعرفها من قبل والتى لم تقطعها أبدا ولم تكن تفكر فى سلوكها . على كل أنت تعرف أن الحمار ذكي ويعرف الطرق أكثر منك ثم لا تنس أنه لا يعتمد كثيرا على المسالك المعروفة بل كثيرا ما يصنع طرقا خاصة به . المهم أنك ستصل لا محالة ، لا تفكر فى هذا كثيرا ، ستبزغ الشمس بعد قليل وسيقبل النهار من جديد فلتأهب لتقبله لا كما قد تقبلته من قبل بالقيام المبكر والذهاب نحو الحقل للحرث والزرع والحصاد ، دائما نفس العمل ونفس القيام المبكر دون الظفر بحصاد وافر ، سوف لا تتقبله كالأيام الخالية لأنك ستكون فى راحة مطلقة ، فى هيئة من يركب حمارا ربما يشق مدينة ناهقا يقلب الشوارع بنهيقه الناشز ، وربما ايضا تظل الدابة سائرة امامها والراكب المسافر مستديرا الى خلف الحمار معفى من القيادة وفي ذلك اى راحة . لهذا سيكون تقبلك لهذا اليوم غير تقبلك لامثاله عندما كنت مقيدا بالرفش والمسحاة والمنجل أدوات الحقل القارة . والتجربة أقوى دليل على ذلك ، ها أنتذا تعلو حمارا فى اتجاه معاكس لسيره ، وها أنتذا تسمع لغطا يعلو شيئا فشيئا ، انتظر قليلا حتى يتقدم الحمار أكثر ، بدأت تلحظ جانبا من مبنى كبير معفر بالدخان ، وتقدم الحمار اكثر فرأيت نصف المبنى تقريبا ، وتقدم الحمار فرأيت جانبا آخر من النصف الثانى ، وتقدم الحمار لترى نهاية المبنى الكبير الذي يتوسطه باب عريض وبه مجاز فسيح وفوق السطوح مداخن وفى الاركان آلات بها مواد للبناء فى طور الصنع ، ومن كل هذا تندفع اصوات غليظة كريهة للسمع ، المبنى اذن مصنع مواد معمارية ، وتقدم الحمار وما زال يسير ، أقبلت عليك سيارة شحن كبيرة ولما قربت منك مالت الى يمينك أى الى يسار الحمار وتخطتك ، ثم بلغ سمعك صوت من بعيد لم تمكث طويلا تسمعه حتى رأيته وقد برز من ورائك وتخطاك سيارة خفيفة ، وفي الآن نفسه انطلق هدير مزعج يمزق السماء نظرت الى فوق نحو طائرة بيضاء يلمع صفيحها تحت أشعة الشمس ، وما زلت كذلك الى أن دخلت مدينة أو دخل الحمار بك الى مدينة . كانت الحافلات الكبيرة والسيارات المريحة والبنايات العالية أول ما شاهدته فى هذه المدينة أو أول ما جعلك الحمار تشاهده . رأيت هناك وجوها تعمها البهجة وربما ايضا شئ من السعادة . كل تلك الشوارع العريضة والطويلة كانت تزخر بالناس وكانت البدلات الانيقة والاحذية البراقة والوجوه المزينة بألف طلاء وألف لون والسراويل الطويلة الفضفاضة والشعور المرسلة واللحى الكثيفة والمينى -
جوبات ، وسيارات المارسيداس وأكشاك الصحافة والثقافة ودور السينما وأعوان الشرطة فى رأس كل عطفة من عطفات الشوارع .
لكن ...
قطع بي الحبل وأنا فى منتصف البئر . استرعى وجود الحمار فى هذه الاحياء انتباه أعوان الشرطة الحازمين اليقظين خاصة أمام مثل هذه المناظر الناشزة ، فجاءوا الحمار يضربونه هو وراكبه ، واقتادوه نحو طريق آخر يؤدى الى ٠٠ لست أدرى الى حد الآن .
استمر الحمار يمشى ، ويشق طريقه فى انهج ضيقة ، وبلغتني أصوات عالية ، لم اتبينها فى الاول ، ثم قربت منها - قرب الحمار منها - فاذا هى أصوات منغمة حلوة تدخل القلب - قلبى أنا - وسرعان ما رددتها فى سرى . كانت هذه الاصوات تشيد بجودة البضاعة وجودة الخضر التى تباع فى السوق وطبعا كان مطلقوها الباعة انفسهم . تقدم الحمار ، ولاحظت أنواعا أخرى من الناس متغضنى الوجوه مبتسمين مترنمين بما يبيعونه ويعرضونه ، وكانت هناك أصوات بعيدة متداخلة فيها النسائى والرجال الى جانب ضجيج النقالات والعربات ، أما الازياء فكانت على حالها ، كل الناس مرتدون ، ولا يهمنا نوع ما يضعون على جلودهم ، الستر هو الكل .
وهنا توقف الحمار ثم خطا ببطء ونهق نهيقا عنيفا متواصلا يخرجه من أعماق صدره وبطنه ، فكان يهتز بى الى فوق ليمتلىء نفسا يطلقه صراخا مزعجا كريها يمجه السمع ويرفضه الذوق ، وحاولت أن أسكته لكن لا حيلة لى . وسكت فيما بعد ، عندما قلب الدنيا نهيقا منكرا ، الا ان أحدا لم يتكلم ولم يضربه ولم ينهره ، وجوههم خرساء لا تدل على شئ ولم يرتسم عليها أى انفعال ثم مضى الجهار بضعة أمتار ومد ذيله أمامى وراث روثا نتنا ألقى به على أرض المكان ثم مر كعادته .
الرحلة طويلة ولم يستقربك هذا الحمار بعد . ان يكن قد داخلك شئ من القنوط فركوب الحمار ليس عارا ، قد تركه وانت متعمم متجيب وقد تمتطيه وانت مكشوف الرأس متفرنج اللباس . لا شك أنك تعبت من هذه الرحلة وانك تود أن تحثى التراب بيديك وتملأ به حفنتيك ، سيحصل ذلك ما من شك ، لن تبقى طويلا على ظهر الحمار . ودوام الحال من المحال .
أين صخب المدينة ؟ أين الناس ؟ الى أين يسير بك هذا الحمار ؟ . أين أنت يا أم . هل ما زلت واقفة حيث أبقيتك أم أنت بالحقل تعملين ...
الشبح الهائل الرهيب الذى وقف صامدا يرقبنى وأرقبه الى أن غبت عن المنظر . البسمة الغائرة فى صحراء الشوك والعذاب ، والنظرة التائهة الحائرة فى أعقاب حدقتيها المغرورقتين . سآتيك يا أم . ( الماء والامان ) . رشى الماء على وعلى خطاى . وقد فعلت ( الماء والامان ) .
- آه ٠٠ يا أمى . هذا هو التراب سأغترفه وأملأ به يدى وأعجنه كما فعلت صغيرا . وسقطت على التراب الاسود الحزين قطرات دم ثقيلة وسميكة . ألقيت بي أيها الحمار !... سامحك الله يا أبى .
رشى الماء يا أم من جديد على أخي وقولى " الماء والأمان " . أما أنا فمنى اليك السلام .
سأموت وفي داخلى سؤال ثائر : لماذا امتطيت الحمار في اتجاه معاكس ولماذا رضيت بذلك ؟
لم أرفض يوما شيئا مع أنى كنت دائما مرفوضا .
انى أموت .
تجمع حول حثتك كل من هب ودب بذلك المكان ، كنت ملقى على بطنك وانفك غائص فى الرمل المبلل بدم ينزل من قفاك ، من أسفل الجمجمة . نظروا وراءك كان هناك جبل بسفحه غار له فتحة صغيرة ، وبداخل الغار حمار يأكل تبنا .
لم يستنتج أحد أن الحمار كان قاصدا التبن ، ودخل فتحة الغار ، ولما كنت أنت راكبا ظهره فان جمجمتك اصطدمت بأعلى الفتحة وكان صخرة عظيمة فتهشبمت ، وسقطت من الحمار مسجى على وجهك ، وكان أن واصل الحمار سيره نحو التبن يأكله ، ولا يزال ، وكان كذلك أن مت أنت .
والمسألة تافهة فى غاية التفاهة .

