الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

ثقافيات, نقد النظرية الماركيسية, خاصة بالمنهل

Share

-١-

تعرضت النظرية الماركسية كغيرها من النظريات الاجتماعية لأوجه نقد عديدة . غير أننا لن نتناول هنا كل ما وجه للنظرية من نقد نظرا لتجاوزه نطاق بحثنا الضيق ، انما سنقتصر فقط على ايراد أوجه نقد رئيسة تتصل بمواقف فكرية ثلاثة قال فيها كارل ماركس كلمته وبنى عليها مذهبه في مآل الرأسمالية .

والموقف الاول يتصل بعلم الفلسفة حيث صاغ ماركس ماديته الجدلية . والثاني يتعلق بعلم السياسة حيث قال بنظريته فى الدولة . والثالث يرتبط بعلم الاقتصاد حيث وضع نظرياته في القيمة والأجر والربح . والأزمات وغيرها .

وانطلاقا من هذه النظريات واآاراء وتأسيسا عليها شيد كارل ماركس مذهبه الكبير الذى يدور حول حتمية سقوط الرأسمالية وقيام المجتمع الشيوعي . . والى كل من هذه المواقف الثلاثة يتجه بحثنا النقدى لنخلص منه الى تحديد مدى نصيب صحة مذهب ماركس من الصحة على ضوء الواقع والتاريخ .

١ - نقد المادية الجدلية :

من البين أن ماركس كان يطمع فى اكتشاف القوانين الطبيعية التى تحكم التطور الاجتماعى ومن البين أيضا أنه تأثر بدارون في أكثر من موضع حتى يمكن الجزم بأنه نقل الى علم الاجتماع والاقتصاد كثيرا من الآراء المستمدة من علم الحيوان ، وكان اكثر ما تأثر به جوانب ثلاثة رئيسية .

أوليا : القول من كل شئ في تطوره مردود للطبيعة . . وللطبيعة فقط . . وفي هذا القول انكار لوجود الله تعالى وبالتالى نفى لقدراته الخلافة .

و ثانيها : القول بأن الكائنات الحية تتبع في تطورها طريفا حتميا لا مناص منه يترتب عن ضغط البيئة الخارجية على الكائن الحي ومحاولة الكائن بالتالى تكييف حياته مع هذه البيئة . ومن هنا تنقرض أعضاء أو وظائف معينة أثناء عملية التطور لعدم ملاءمتها للبيئة وتنمو بدلا منها أعضاء و وظائف جديدة أكثر منها ارتقاء وتعقيدا . غير أن الكائنات الحية - وهذا هو الهام هنا - لا ارادة لها في هذا التطور ولا حول ، انما هو مفروض عليها من الخارج كقدر أخرق لا يدفع . فلا قبل لهذه الكائنات اذن في التحكم في درجة التطور ومداه ، ولا قدرة لها فى تحويله عن مساره . فالاثر فى كل ذلك متروك للبيئة الخارجية " للطبيعة "

وقد طبق ماركس وأتباعه هذه النظرية تطبيقا كاملا على التطور الاجتماعى ، وزعموا أن ما يمكن استخلاصه من النتائج صحيح ، لأن الاساس الذى يرتكزون عليه صحيح .

وثالثها : النظرة المادية البحتة للانسان ، تلك النظرية التى تقترب به من الحيوان فتنكر عليه النوازع الروحية والمثل العليا وتحصره فى محيط ضيق لا يتعدى مطالب الجسد ومدركات الحس .

حقيقي أن ماركس قد استحدث تغييرا فلسفيا عندما أخذ بمقلوب الديالكيتيك عند هيجل وخرج منه في النهاية بمفهوم المادية الجدلية ، غير أنه لم يؤمن الا بالجانب المادي في الانسان . فالعقل عند ماركس ما هو الا اداة مادية تعكس المؤثرات الخارجية ثم تتأثر بها ، ولكنه ليس في حد ذاته بالحقيقة

الفعالة المؤثرة : " ان الأفكار ببتدعها دماغ الانسان ، وهذا الدماغ ليس الا مادة دقيقة التركيب ، وهو جزء من الجسم يعكس مؤثرات العالم الخارجي " .

ولعل أول ما يتبادر الى الذهن من أخطاء هذا المذهب المادى هو ايمانه بالحتمية الاقتصادية الكاملة أى بالجبرية المادية التى لا اختيار للإنسان أمامها ولا مناص له من تحملها . وهذه الآلية التى تقوم عليها النظرية الماركسية تعتبر نتيجة منطقية للنظرة المادية التى تأخذ بها . فاخضاع العلوم الانسانية لقوانين الطبيعة والاحياء لا بد أن يؤدى بها الى سلسلة من الحتميات والقواعد الثابتة . ومن الجلى أن في هذا الغاء لعقل الانسان ، اذ يصبح مسيرا مدفوعا بالحتم والضرورة نحو مصير معلوم .

" وسائل الانتاج تكيف المجتمع " وأكثر من ذلك " ليس شعور الانسان هو الذي يعين وجوده ولكن وجوده هو الذي بعين شعوره " تلك قوانين كارل ماركس التى أراد بها أن يؤكد تبعية الفكر والمشاعر للحياة المادية فهي تأتي دائما لاحقة للعوامل الاقتصادية ومتأثرة بها ، ولكنها لا تكون أبدا سابقة عليها مؤثرة فيها .

والواقع انه لا محل لانكار أهمية الاقتصاد وتأثيره على الادراك البشرى ، فما من شك أنه يعتبر احدى الدعامات الاساسية في الحياة البشرية ، انما محل الانكار والنفي هو جبريته أى القول بأنه العامل الأوحد المتحكم في حياة البشر . ذلك أن أول ما يرد به على الفكرة القائلة : ان معيشة الناس الاجتماعية هي التى تحدد ادراكهم هو الحقيقة البدهية في أن الفكر أساس النهضة ، وليس الواقع الذي يعيش عليه المجتمع . فالفكر عامل هام رئيسي في تغيير الواقع الاجتماعي ، ولكنه ليس

مرتبطا بهذا الواقع ارتباط السبب بالمسبب، وليس خاضعا له خضوع التابع للمتبوع  . فهذه الحتمية الآلية التى يؤكدها ماركس يروضها العلم وتنفيها التجربة .

"فالنظريات والآراء والانظمة السياسية ان هي الا مجموعة افكار قد تكون منبثقة عن فكرة كلية وقد لا تكون . وقد تكون ناجمة عن واقع موجود او نابعة عن شى ، مجرد يراد جعله واقعا ، فاذا كانت منبتقة عن فكرة كلية فهي مستمدة من افكار وبالتالى فقد نشأت عن فكر . وان كانت غير منبثقة عن فكرة كلية فقد أوجدها الفكر من الواقع وان كانت صادرة عن واقع موجود فهى لم تستخلص منه وحده بل شاركت في ايجادها معه المعلومات الفكرية المسبقة ، وان كان الفكر متعلقا بشئ يراد ايجاده فانها لم ننشأ عن واقع كائن بل عن فكر محض "

ويقطع في هذا أن البحث عن منشأ الحياة الفكرية فى روسيا مثلا وأصل الآراء والنظريات السياسية السائدة فيها لا يمكن أن يكون في واقع حياة المجتمع الروسى المعاصر ، ولا في حياة هذا المجتمع عندما اندلعت الثورة البلشغية ، انما يكون في الافكار الماركسية ذاتها وما تفرع عنها من مبادىء ونطريات .

ان وسائل الانتاج المستخدمة في امريكا الرأسمالية هى ذاتها وسائل الانتاج المستخدمة في روسيا ( الشيوعية ) وعلى الرغم من ذلك فان استخدامها في روسيا لم يفرض عليها أن تكون رأسمالية بل انها لم تبدا في استخدام هذه الوسائل على نطاق واسع الا بعد أن تحولت الى الشيوعية ، ذلك أن هناك ما يسمى بالاقتصاد الاصلي أو الاساسى          Economie Fonolamentale

الذي يعتبر واحدا في كل المجتمعات الصناعية مهما اختلفت التنظيمات الاقتصادية  والاجتماعية والسياسية المعمول بها في كل   منها . فأسلوب الانتاج اذن ليس بالقوة الجبرية الحتمية التى تشل حركة الانسان وتخضعه لسلطانها القاهر . والدليل أن روسيا قد تصرفت في شكل النظام الاقتصادى والاجتماعى تصرفا حرا فرتبت التوزيع و لعمل على النحو الذى رسمته لنفسها ولم يكن هناك اجبار ، او حتمية ازاء هذا الاسلوب الانتاجى يرغمها على انهاج طريق معين لا مناص منه . وبالمثل تصرفت دول اخرى ازاء ذات الوضعية تصرفا آخر ، وكان هذا التصرف وذلك نابعا عن ادراك معين او عقيدة معينة سابقة في وجودها على قيام التنظيم الاقتصادى مؤثرة في هذا التنظيم ومحددة لأساليبه واهدافه . ولا يقدح في هذا القول ان الادراك " أو العقيدة " بدوره نتيجة لعوامل اقتصادية سابقة عليه في كل من روسيا وانكلترا لأن هذا لا ينفي الاختيار الحر وانتصرف الإرادى فى اشكال التنظيم السائدة في كل منها .

فالفكر عامل كبير في قيام الأنظمة والنظريات ولآراء ، وان لم يكن العامل الوحيد ، وفيه يسند الدور الأكبر في تغيير كيان المجتمع بالنهوض به او تعطيل نموه ، واليه بعود امر تكييف العلاقات الاجتماعية وتحديد سند السلوك الإنسانى الى حد بعيد .

وقد اسقرت هذ النظرة فى الفكر الاقتصادى والاجتماعى الحديث بعد قيام الدراسات الهكلية Ervoles Stururueturelles وتقدمها فقد أثبتت دراسة البناءات الهيكلية التى يتكون منها النظام الاجتماعى أن هذه الهياكل تتفاعل في تحركها داخل اطار النظام الواحد فتؤثر وتتأثر وينتج عن هذا التأثير المتبادل تطورها مما يستتبع تطور النظام الذى

يحتويها يرمته وفي طار هذا التطور لا ترتبط الهياكى المعنوية ) الهياكل التقنية - الجغرافية . .  الخ .. ) ارتباط السبب بالمسبب ولا تخضع لها خضوع تتابع للمتبرع .ولكنها متأثرة بها ومؤثرة فيها فى آن واحد . ولا يمكن بائت مصل تأثير أحدهما عن الآخر والزعم - كما يقول المراكية - ياقه العامل المؤت الوحيد .

ومثال اخر فيه الدليل كل الدليل على بطلان الزعم بأن واقع الناس المادي هو الذى يحدد ادراكهم . داقع العرب المادى يوم جاء الاسلام كان في تناقص كأهل دع اكاره ونظرياته . وجاءت أفكار الاسلام ونظرياته لتحدد لهم حياتهم المادية وسلوك معيشتهم .

كذلك واقع البلاد التى فتحها الاسلام كان هو الآخر في تناقض كامل مع أفكار الاسلام ومعتقداته وعلى الرغم من ذلك طبقت هذه الافكار والنظريات على المجتمعات المفتوحة فقيلتها كلها وجعلت منها هجتمعا واحدا متماسكا يحكمه نظام واحد وتسود ، عقيدة واحدة وهو المجتمع الاسلامي .

ففي هذا المثال المحسوس يتضح كيف أن الافكار هي التى أثرت في واقع الحياة المادية فغيرت منه أى ان هذه الأفكار هي التى حددت للناس معيشتهم وطرائق سلوكهم الى درجة كبيرة سواء عندما نشأت هذه الافكار مع قيام الرسالة المحمدية في جزيرة العرب أم حين حملت هذه الافكار ونقلت الى خارجها وطبقت على انناس عند الفتوحات الاسلامية . تلك الاعور وغيرها تعتبر اليوم من البداهة بحيث لا تحتمل التقاش والجدل فالاتسان يولد ومعه على الاقل ميلان مستقلان عن وقع الحياة الماديه :حب الحياه والرغبه الجنسية.عندما  يحيو موعدها المحدود . وهاتان النزعتان على

فنشأن عن العوامل الاقتصاديه سواء اككت هذه العوامل ضد مع غير عامه،محسنه فطاع ثم شبهوت البورجوزية ام  غير محققه لها ، فكل مخلوق يوجد فى هذه الكون تحت ظل أى نظام اجتماعى يشبب بالحياة ولا يتركها الا مكرها . وتدركه الرغبة الجنسية ولا يمسك عنها الا جاهدا . وكل ما يمكن أن يضعه الواقع المادى بظروفه الاقتصاديه هو (تكيف ) الصوره التي يحيا بها الانسان أو ملاءمتها ، فيرفعه الى حياة القصور أو يهبط به إلى عيش الكهوف ، والقصورة التى يقضى بها حاجته الجنسية فيقضيها فى الطريق العام أو البيت أو الغابة . ويمكن هذا الواقع المادي ليس بمنشئ لهذه قرغية أو تلك فهى كلها من أصل نابع من النفس فقط .

وهذه الحقيقة البديهية ، ينكرها ماركس وأتباعه . لان اقرارهم بها يفسح المجال لهدم مذهبهم اذ يفتح الطريق لمن يقول : ان حب الاقتناء والتملك أصل من الاصول النفسية السابقة فى قيامها علي الواقع الاقتصادي. وفي هذا نفي لبدنهم ولذلك ينكرون منذ البداية أن النفس الانسانية هي الأصل وأن الواقع الاقتصادى يكيف المشاعر ولكنه لا يخلقها من العدم وان شعور الانسان هو الذي يحدد وجوده بالتفاعل مع العوامل المادية الخارجية

ان القيم الخلقية مثلا ليست فقط انعكاسا للوضعية الاقتصادية كما يقول ماركس وأتباعه بل أن لها مقياسا ثابتا في كل زمان ومكان قوامه تحريم اعتداء الانسان على لاستن ،لان الجميع اخوه في الانسانيه .

وجائت الاديان لتؤكد هذا المقياس وترسم حدوده فى وقت كان الواقع الاقتصادى للمجتمعات - وخاصة المجتمع العربى

الجاهلي - يبيح الغزو والقتل والاغتصاب والاعتدا ، على أموال الغير واهدار حقرق المرأة . . الخ . .

ان اكبر خطأ سقط فيه واضعو المذهب المادى هو تحديد عطالب الانسان في ثلاثة : الغذاء ، والكساء والاشباع الجنسي ، واهمال ما عداها من مطالب باعتبارها من الامور الثانوية التي لا يضير النظام الاجتماعى قيامه بدونها .

ولا جدال في ان هذه المطالب ضرورية للحياة ، وأن أى نظام اجتماعى لا يمكن أن يستقيم بدونها مهما كانت المعنويات التى يتشبت بها أفراده ، لأن المعنويات ليست مقصودة بذاتها انما المقصود منها هو تنظيم الحياة في المجتمع بصورة أرفع وأفضل . غير ان حصر مطالب الانسان يحاجات الجسد

وحده تعتبر من ناحية اخرى خطا شائنا . اذ فيها هبوط بالانسان من عليائه . ودفع به الى مدارك الحيوان . فاذا كانت حاجات الحسد تستحق ضرورة الاشباع فان هذا لا يعنى ان الانسان كله ينتهى عند هذا الحد . ويمكن القول من هذه الناحية أن انعكاس الواقع المادي على الانسان غالبا ما يكون في نطاق الغرائز والحواس . وفي هذا النطاق يشترك الانسان والحيوان . غير أن الإنسان ينفرد عن سائر المخلوقات بفكره وما يتسم به هذا الفكر من قدرة على الابداع والارتقاء اذن ، فان كل نظام يقوم فقط على اشباع هذه الحاجات الجسدية هو نظام فاسد مهما علت دقة تنظيمه ومهما بلغت العدالة المادية التى يحققها لأعضائه .

( البقية في العدد القادم )               ان شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية