الغرب المصفد باغلال المادة يريد تسلية روحية من الشرق .. كل شئ فى الغرب لا يوزن ولا يقاس إلا بالدرهم والدينار . . ولكن الشرق ما يزال لحسن حظه أو سوئه هو الينبوع الصافى الخالد لكل حياة روحية نقية . ولن تعدم
القاعدة شذوذا هنا أو هناك ، ولكن المقياس يطرد ، ويطرد فلا يختل إلا بنسبة تافهة ضئيلة ، مثل نسبة جزء من أجزاء [ الثانية ] بعد عشرات الساعات الطويلة فى [ ساعة بق بن ] - مثلا .
ويرى القارئ فى مقدمة هذه الكلمة رسالة [ أريك لومير ] وهى على ايجازها تعبر أجمل التعبير عن حالة صاحبها النفسية ، وحالته الاجتماعية ، ومن حتى بعد أن اختارتنى ] المنهل ] لتسلية صاحب هذه الرسالة أن أقدم اليه نفسى فأقول له : اننى شاب متزوج ولى أولاد ، وقد كنت معتزلا مثله الى أن دفعتنى الظروف القاهرة الى الاختلاط بالناس وكل الفرق بينى وبينه ، هو انه ينشد التسلية من أبعد الآماد ، ولكنى أنا لا أنشد التسلية ولو من أقرب سبلها ، والسبب سهل جدا ، فان الحياة نفسها هى التسلية الكبرى ، لبنى الانسان ، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم فيها .
لندن الصاخبة بكل عوامل آلاستمتاع والترف والزاخرة بأفانين اللهو والسرور ، أصبحت كلها عقارب برم وضيق وإرهاق فى نفس هذا الشاب الانكليزى الذكى ، ويلوح لى أن لذكائه الحاد أثرا فى مزاجه المرهف ، وهو مزاج شر ما فيه ، بل لعله خبر ما فيه انه يغذى عنصر الملل فى النفس حتى يحيله الى شبح مفزع مثل الشبح الذى يذكره [ أوسكار وايلد ] فى أحدى رواياته .
لأمراء فى أن الغربى أعرف بوسائل التسلية والاسترواح من الشرقى ، فما بالك يا صديقى بشرقى فى الحجاز ، وفى مكة المكرمة بالذات ?
قد تكون المطالعة - مطالعة الكتب والصحف - تسلية ولكنها مضنية ولن تنتهى منها الى نتيجة صحيحة ، حتى فى تقرير الحقائق المفروغ منها .
وقد تكون الصداقة تسليه لا مع الانسان فقط فان ضروها هنا أكبر من نفعها ، ولكن مع كل شيء ، مع الحيوان والحيطان والأثاث والشوارع ، ومع نفسك على الأخص ، فانك لا تستطيع أن تعيش هانئا ، وأنت تناصب نفسك العداء ، ان صداقة النفس فن عظيم سام ، ولكنه مرهق عسير : ولا يكون المرء سعيدا مسرورا فى الدنيا إلا إذا احتحكمت عرى الصداقة الرضية بينه وبين نفسه . . فهل تستطيع ?
ولا شك إنك تزور بطبيعتك عن دور اللهو ، على كثرتها لديك وضآلة تفقاتها ؛ فان أغلبها ينحصر فى إثارة الغرائز الوضيعة ؛ ولكنى أحسب أن [ لندن ] لا تخلو من فنون ممتازة عالية ، قد تجد عندها بعض التسلية .
ولو استطعت أن تغير اتجاهك ؛ لقلت لك أجمع لك من خير ما قرأت ، وانشره فى كتاب كما صنع [ اللوود وايفل ] فى مجموعته المصطفاة [ زهور قوم آخرين ] فقد ترجم منه الى العربية نخبة جيدة .
ام هل يمكنك ان تكون شاعرا ساخرا فى فكاهة ورزانة مثل [ توماس هاردى ] ؛ ولكنى لا اعرف عن مواهبك شيئا ?
ولو كنت تريد لاشعلت فى لندن [ حمى قوية ] مثل حمى [ بيرون ] غير انى اعتقد ان سبيلك غير سبيله فى محافظتك وحفاظك .
لست ادرى كيف اسليك ، وكيف يفعل ذلك من لم يستطع ان يسلى نفسه ، فاصبح لا يلتمس التسلية الا فى [سيرة ] الحياة الحمقاء ، ومفارقاتها السخيفة ، وما تنطوى عليه من غبن هائل .
ولوطابت لى مداعبتك، لقلت بأن الانكليز قومك ، يقولون انهم اصدقاء العرب ، وأن العرب قومى يجزمون بأن الانكليز ليسوا الاصدقاء مصالحهم فى بلاد العرب ، فلماذا لا تصادق مصالحكم على نحو ما يفعل قومك ? فانك لواجد فيها شيئا من التسلية ، ولكنها تسلية عنيفة .
ارض التسلية واسعة ، فعلى اي ناحية منها تقف قدماك ، فليكن هناك مثواك ومرساك، فان تسليت كما يشاء قلبك ، وامتدت امامك آفاق الحبور فاذكر صديقا لك عربيا وقف معك ساعة مرزمان ، يقرأ رسالتك بعد تعريبها، ويرد عليها ، ويطرب لها ، ويعجب منها ، وكم فيكم ايها القوم من اطوار كأنها آثار ؛ يتملأها الانسان - ويدهش لها ، فلا يكاد يفرغ منها الا وقد انتهى الى طور جديد .
فما هو طوركم الجديد يا أبناء التاميز?

