الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

جواب الاستاذ حسين سرحان

Share

الغرب المصفد باغلال المادة يريد تسلية روحية من الشرق .. كل شئ فى الغرب لا يوزن ولا يقاس إلا بالدرهم والدينار . . ولكن الشرق ما يزال لحسن حظه أو سوئه هو الينبوع الصافى الخالد لكل حياة روحية نقية . ولن تعدم

القاعدة شذوذا هنا أو هناك ، ولكن المقياس يطرد ، ويطرد فلا يختل إلا بنسبة تافهة ضئيلة ، مثل نسبة جزء من أجزاء [ الثانية ] بعد عشرات الساعات الطويلة فى [ ساعة بق بن ] - مثلا .

ويرى القارئ فى مقدمة هذه الكلمة رسالة [ أريك لومير ] وهى على ايجازها تعبر أجمل التعبير عن حالة صاحبها النفسية ، وحالته الاجتماعية ، ومن حتى بعد أن اختارتنى ] المنهل ] لتسلية صاحب هذه الرسالة أن أقدم اليه نفسى فأقول له : اننى شاب متزوج ولى أولاد ، وقد كنت معتزلا مثله الى أن دفعتنى الظروف القاهرة الى الاختلاط بالناس وكل الفرق بينى وبينه ، هو انه ينشد التسلية من أبعد الآماد ، ولكنى أنا لا أنشد التسلية ولو من أقرب سبلها ، والسبب سهل جدا ، فان الحياة نفسها هى التسلية الكبرى ، لبنى الانسان ، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم فيها .

لندن الصاخبة بكل عوامل آلاستمتاع والترف والزاخرة بأفانين اللهو والسرور ، أصبحت كلها عقارب برم وضيق وإرهاق فى نفس هذا الشاب الانكليزى الذكى ، ويلوح لى أن لذكائه الحاد أثرا فى مزاجه المرهف ، وهو مزاج شر ما فيه ، بل لعله خبر ما فيه انه يغذى عنصر الملل فى النفس حتى يحيله الى شبح مفزع مثل الشبح الذى يذكره [ أوسكار وايلد ] فى أحدى رواياته .

لأمراء فى أن الغربى أعرف بوسائل التسلية والاسترواح من الشرقى ، فما بالك يا صديقى بشرقى فى الحجاز ، وفى مكة المكرمة بالذات ?

قد تكون المطالعة - مطالعة الكتب والصحف - تسلية ولكنها مضنية ولن تنتهى منها الى نتيجة صحيحة ، حتى فى تقرير الحقائق المفروغ منها .

وقد تكون الصداقة تسليه لا مع الانسان فقط فان ضروها هنا أكبر من نفعها ، ولكن مع كل شيء ، مع الحيوان والحيطان والأثاث والشوارع ، ومع نفسك على الأخص ، فانك لا تستطيع أن تعيش هانئا ، وأنت تناصب نفسك العداء ، ان صداقة النفس فن عظيم سام ، ولكنه مرهق عسير : ولا يكون المرء سعيدا مسرورا فى الدنيا إلا إذا احتحكمت عرى الصداقة الرضية بينه وبين نفسه . . فهل تستطيع ?

ولا شك إنك تزور بطبيعتك عن دور اللهو ، على كثرتها لديك وضآلة تفقاتها ؛ فان أغلبها ينحصر فى إثارة الغرائز الوضيعة ؛ ولكنى أحسب أن [ لندن ] لا تخلو من فنون ممتازة عالية ، قد تجد عندها بعض التسلية .

ولو استطعت أن تغير اتجاهك ؛ لقلت لك أجمع لك من خير ما قرأت ، وانشره فى كتاب كما صنع [ اللوود وايفل ] فى مجموعته المصطفاة [ زهور قوم آخرين ] فقد ترجم منه الى العربية نخبة جيدة .

ام هل يمكنك ان تكون شاعرا ساخرا فى فكاهة ورزانة مثل [ توماس هاردى ] ؛ ولكنى لا اعرف عن مواهبك شيئا ?

ولو كنت تريد لاشعلت فى لندن [ حمى قوية ] مثل حمى [ بيرون ] غير انى اعتقد ان سبيلك غير سبيله فى محافظتك وحفاظك .

لست ادرى كيف اسليك ، وكيف يفعل ذلك من لم يستطع ان يسلى نفسه ، فاصبح لا يلتمس التسلية الا فى [سيرة ] الحياة الحمقاء ، ومفارقاتها السخيفة ، وما تنطوى عليه من غبن هائل .

ولوطابت لى مداعبتك، لقلت بأن الانكليز قومك ، يقولون انهم اصدقاء العرب ، وأن العرب قومى يجزمون بأن الانكليز ليسوا الاصدقاء مصالحهم فى بلاد العرب ، فلماذا لا تصادق مصالحكم على نحو ما يفعل قومك ? فانك لواجد فيها شيئا من التسلية ، ولكنها تسلية عنيفة .

ارض التسلية واسعة ، فعلى اي ناحية منها تقف قدماك ، فليكن هناك مثواك ومرساك، فان تسليت كما يشاء قلبك ، وامتدت امامك آفاق الحبور فاذكر صديقا لك عربيا وقف معك ساعة مرزمان ، يقرأ رسالتك بعد تعريبها، ويرد عليها ، ويطرب لها ، ويعجب منها ، وكم فيكم ايها القوم من اطوار كأنها آثار ؛ يتملأها الانسان - ويدهش لها ، فلا يكاد يفرغ منها الا وقد انتهى الى طور جديد .

فما هو طوركم الجديد يا أبناء التاميز?

اشترك في نشرتنا البريدية