أحب الهوايات الى نفسى مشاهدة الآثار والبحث عن معالمها والتنقيب عن مآثرها . . لذلك كنت بعد نهاية كل سنة دراسية بمدرسة الفلاح الثانوية بمكة حيث كنت اقوم بالتدريس فيها اذهب الى الجنوب العربى للبحث والتنقيب عن الآثار والمخطوطات القديمة . ولقد تحملت فى سبيل هذه الهواية الممتعة ألوانا من المتاعب والمشقات وعرضت نفسى لضروب من المخاطر والمهالك .
حلقت بنا الطائرة من مطار جدة وراحت تشق طريقها الى عدن . جلست صامتا ولكن أحد المسافرين انبرى للحديث ، ولعله أراد أن يدخل الى نفسى السرور وكنت غارقا فى لجة عميقة من التفكير فانخفض صوته واختفت الكلمات بين شفتيه واطبق السكون مرة اخرى .
لم أكن نائما ولا حالما ولا هائما حين كان السيد علي العيسالى يحدثني وانما انا يقظ كأقوى ما تكون اليقظة ، حاضر الذهن كأحسن ما يكون حضور الذهن . وكل ما في الامر انى كنت أفكر طويلا فى الرحلة الى صحارى ماحلة وجبال شامخة ذات عقبات كأداء وطرق ملتوية شاقة .
دخلنا حدود اسمرة ، وبدت جبالها المكسوة بالاعشاب تناطح السحب وسرعان ما هبطت درجة الحرارة ، يا لها من مناظر جميلة : هضاب طاعنة فى السماء وأودية عميقة خضراء ومنازل جائمة على سفوح الجبال كانها ركامات من الجليد .
هبطنا مطار اسمرة . الجو بارد والنسيم عليل وكل شئ حولنا جميل ، وبعد ان أخذنا قسطا من الراحة ركبنا الطائرة ودارت محركاتها ودرجت فوق ارض المطار ثم
ارتفعت السحب رويدا رويدا ولم ير الركاب سوى قطع من السحاب تتراءى عن اليمين وعن الشمال ولم نسمع سوى الطائرة يهز الفضاء ويدوى فيصم الآذان واجتزنا البحر الاحمر فظهرت جبال جرداء وقفار غبراء ثم هبطت بنا الطائرة في مطار عدن فاستقبلتنا رياح ساخنة تشوى الوجوه . وعدن محطة هامة لتموين البواخر وبها أكبر سوق تجارية في الجنوب العربى فهي التى تمون مناطق هذا الجزء من شبه الجزيرة كما تمد اسواق سواحل افريقية الشرقية بمختلف البضائع المستوردة من الصين واليابان والهند واوروبة .
اندفعت عقب وصولى الى منزل آل عيسالى الى صهاريج عدن الأثرية ، والشئ العجيب فى هذه الصاريج ضخامة أحواضها واتساعها العظيم فهى تحوى من الماء أكثر من ثلاثين مليون جالون وهى جافة ، ولقد انشئت بوساطة ادارة حربية فنية فى عصر ما قبل الاسلام .
لم امكث في عدن سوى ايام معدوادات فقد كنت التهب شوقا لرؤية مناطق اخرى غنية بآثار أسلافنا القدامى .
غادرنا عدن وقد مررنا عبر الشيخ عثمان ثم قطعنا بلدة لحج وطرقاتها الممتلئة بالغبار . وعلى الرغم من ان ما يسمونه ( طريقا ) قد تهدم في عدة اماكن فان سيارة اللندروفر التى استأجرناها قد استطاعت ان تعبرها .
ومن حسن الحظ ان السائق يعرف الطريق معرفة جيدة ، تلك الطريق التى ضاعت معالمها في كثير من الاماكن .
وهبت عاصفة رملية عاتية واستمر الصراع بيننا وبينها حتى مغرب الشمس
ثم بدأنا نخترق هضبة صخرية تتخللها أخاديد . وفي الساعة الثامنة مساء وصلنا ( ملاح ) وهي قرية متواضعة مبنية من الطوب النيئ وتتكون المنازل من دور واحد . كان النسيم عليلا والهدوء يسود كل شئ في القرية ، والنجوم ترسل أنوارها الضئيلة على هذا الفضاء الواسع فتضفى على الكون جمالا صامتا هادئا فيه شفاء للاعصاب . وكانت صاحبة البيت تأتى الينا من حين الى آخر تقدم لنا القهوة اللذيذة وتحضر لنا الماء وتارة تنطلق فى الكلام فتمزق هذا السكون الذى يحيط بنا .
اضطجع كل منا في فراشه وكنت مستلقيا على ظهرى انظر الى النجوم ، وفيما انا غارق في لجة من التفكير اذا بشهاب يهوى نحو الارض من أعالي الفضاء بسرعة تاركا خلفه خطا طويلا أبيض ، فانتصب رفيقي مبهوتا والخوف باد على وجهه فسألته : ما الذى ازعجك ؟ قال : هذا النجم الذى هوى . قلت له : ليس هذا نجما وانما هو من الشهب أو الرجوم او النيازك . قلت هذا وتهيأت للنوم ولكنه لم يتركني وشأنى فسألني : ( ما هى الشهب ولماذا تسقط الى الارض ؟ ولم ار بدا من الإجابة . قلت له : الشهب قد تسقط الى الارض وتصل على شكل أحجار . ولقد ظل العلماء والفلاسفة ينكرون ان هناك أحجارا تسقط من السماء حتى أوائل القرن التاسع عشر حين امطرت السماء ببلدة ( d.w.gle ) ليفل في فرنسا عددا من الرجوم او النيازك . وقام العالم يابوت بدراستها وفحصها واثبت انها من مادة تختلف في التركيب عن المألوف فى مادة الارض . ومنذ ذلك الحين اهتم العلماء بدراستها والتعرف على أنواعها واثبتوا بالحساب الدقيق أن الفضاء يقذف كل عام
الى جو الارض ما لا يقل عن سبعة آلاف مليون شهاب لا يصل منها غبر تام الاحتراق الى سطح الارض الا نحو تسعمائة يضيع نحو ثلاثة ارباعها في اعماق المحيطات ولا يعثر الانسان كل عام الا على ثلاثة أو أربعة ينقلها الى المتاحف ودور العلم حيث يوجد الان زهاء الف نوع من الشهب اكبرها شهاب نقله بيرى من جزيرة جرينلاند الى متحف لندن ويبلغ وزنه ٣٦ طنا ونصف الطن . وسرعة سقوط الشهب تتراوح بين ٢٥ و ٨٠ ميلا في الثانية . ومن الشهب ما يتم احتراقه في رحلته فلا يصل الى الارض سليما .
أما أصل الشهب ومصدرها فقد اختلف العلماء فيهما ، فجماعة فى " جامعة هارفارد " قالوا : ان قرابة ٧٠ % من الشهب يرد الى الارض من خارج المجموعة الشمسية . ويقول ( جامو ) ان الشهب هى أشلاء كوكب كان قرب المريخ وقد تحطم هذا الكوكب لاصطدام أحد أقماره به ، ويدلل على رأيه هذا بأن الحلقة المحيطة بكوكب زحل والتى يقال انها نتيجة اصطدام أحد أقماره به . هذه الحلقة مكونة من ملايين القطع الصغيرة التى تشبه الرجوم . ويقول آخرون ان الشهب من شظايا انقلاب المذنبات
وهنا رأيت صاحبي مستندا الى الحائط وقد استسلم للنوم . ولا شك انه لم يفهم شيئا مما قلته فتركته وشأنه ونمت .
غادرنا ( ملاح ) بعد مطلع الفجر واخذ الوادى يضيق وتقترب السلسلتان الجبليتان من بعضهما واجتزنا عقبة ( حردبة ) ( ١ ) وفى نهاية العقبة تمتد هضبة بها مساحات واسعة من الاراضى الزراعية وتظهر
جبال حالمين وحرير وجحاف طاعنات فى السماء . وتقوم مدينة الضالع فى الجانب الغربى لهذه الهضبة . وفي الشمال الشرقى تقوم مدينة قعطبة اليمنية وفي جنوبها الشرقي توجد بلدة خبة اليافعية
نحن الآن على ارتفاع . . ٤ قدم عن سطح البحر وعلى بعد حوالى عشرة اميال من شكع ( بضمتين ) المنطقة الاثرية التى قمنا بالرحلة من أجلها . هنا تبدو المظاهر الجيولوجية للمنطقة فى أبدع صورها ، فقد كانت المنطقة منبسطة لا تكاد تخفى صخورها ، وفيما عدا اعماق الأودية لم يكن هناك اية عوائق تمنع التمتع برؤية تاريخ قشرة الارض هناك
وصلنا خلة التى تبعد عن عدن بنحو مائة وثلاثين كيلومترا شمالا فاستقبلنا حاكمها الشيخ قاسم المفلحى بكل ترحاب وتقدير .
وفي الليل وبعد سهرة حلوة قضيناها مع الشيخ قاسم أوى كل منا الى فراشه ، وعلى الرغم من اعتدال مناخ هذه البلدة فقد فتحت شبابيك الغرفة فهب تيار قوى ، وجرى الهواء مع التيار وامتلأت الغرفة بهواء رقيق متجدد ، وشعرت بمتعة الجو ، وأخذت أمارس الشهيق والزفير . ولم ادر من فرط فرحي هل اتمتع بالنوم وأحرم من الاحساس بهذا الجو الجميل ؟ أم اتمتع بالجو وأحرم نفسي من النوم ؟ لم يكن لى ارادة في الاختيار فقد غلبني النوم على أمرى . وفي الصباح المبكر نهضنا من النوم ، ست ساعات قضيناها في نوم لذيذ لا ارق يقلقني ولا عرق يضايقني كما كان الحال في عدن .
صحيح انى تلمست كتفى التى تعرضت لتيار الهواء وانا نائم فوجدت التيار قد حرفها ولكن لا بأس . . فانه خير لى ان أعيش منتعشا بكتف واحدة من أن اموت مكتوم الانفاس ولى كتفان .
فى شكع - بضمتين
ذهبنا الى شكع سيرا على الاقدام فالطريق وعر ، ولولا برودة الجو ما استطعنا اجتيازها . وبعد نحو ساعة وصلنا شكع .
والمنازل هنا لا تتجاوز اصابع اليدين ، وتقع على تل شاهق تحيط بها اودية مزروعة ذرة ، وعلى سفوح التلال المجاورة لهذه القرية تنتشر مقابر أثرية . وفي احد المنازل المكونة من ثلاثة أدوار رأيت حروفا منقوشة على بعض صخور الجدران وقد كتبت الحروف فى جهات متعددة بعضها معكوس وبعضها مائل الى اليمين والبعض الآخر الى الشمال . وهذه العادة فى الكتابة كانت مستعملة بين الكنعانيين كما يستدل على ذلك من أبجدية الكنعانيين فى القرن الثنى عشر قبل الميلاد .
والجدير بالذكر ان ترتيب حروف جنوب الجزيرة العربية كان أقرب الى الترتيب الحبشى للحروف ، منه الى ترتيبها عند أهل الشمال ( سكان سورية وفلسطين ) .
أما اتجاه الكتابة فكان من الشمال الى اليمين فيما قبل القرن السابع قبل الميلاد ، ومن اليمين الى الشمال بعد القرن الخامس قبل الميلاد وهو مرة يتبع الاسلوب الاول ، واخرى الاسلوب الثاني في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد . وحروف الهجاء التى كانت تتداولها حمير وغيرها من ممالك جنوب شبه الجزيرة العربية ، القديمة .
حروف صحيحة ، لا حروف علة فيها . ولذلك فان قراءتها سهلة . واللغة العربية الجنوبية تحتفظ بأنقى اصوات الحروف ( اللفظ لمخارج الحروف ) الموجودة فى أية لغة من متفرعات الكنعانية القديمة . ومثالا على ذلك أقول : ان الحروف العبرية ٢٢ ، والاغريقية ٢٤ مع ستة حروف علة ،
والانكليزية ٢٦ مع خمسة حروف علة ، واللغة العربية ٢٨ .
اما الحميرية فكانت ٢٩ حرفا دون حروف علة على الإطلاق .
كنا على وشك ان نبدأ عمليات الحفر فى مكان لم يسبق لأى عالم اثرى ان بلغته يداه ، وفي مكان لم يسبق ان جرت فيه ابحاث اثرية علمية من قبل . فلو انك قلت لى : ان هذه المنطقة التى أمامنا تحتوى على منجم للذهب ، ما استثارني ذلك بالقدر الحاضر ، وانا اتطلع الى المشروع الذى كنا على وشك ان نبدأ العمل فيه .
كنت احاول ان ارسم في مخيلتي ، ان الرمال قد ازيحت ، لألقى نظرة على محتويات هذه المنطقة من الآثار . وتبين لنا من التحقيق الاولى الذى قمنا به ان مساحة هذه المنطقة الاثرية نحو ميلين ونصف ميل ولا بد ان هذه المقبرة تشكل جزءا صغيرا من مساحة مدينة اثرية على مقربة منها . والعمل للكشف عن هذه المدينة يحتاج الى جهود جبارة ومال كثير يستحيل على شخص مثلى القيام به .
كان بعض سكان شكع قد حفروا الارض في احد المواقع بحثا عن الحجارة الحميرية الجميلة التشذيب ، تلك الحجارة التى بنوا منها قسما من بيوتهم . ولقد عثر احدهم اثناء الحفر على خاتم من الذهب وسيف محطم وبلاطة جميلة عليها نقوش . وقد فهمت من وصف مضيفنا لهذه البلاطة انها تشير الى أنها مقدمة للآله ( القمر ) وكان القمر هو المعبود الرئيسى لجميع الممالك القديمة فى جنوب شبه الجزيرة العربية . ولا شك ان ذلك من أهم العوامل التى دفعتنى للرحيل الى هذه المنطقة والبحث عن الآثار .
بعد اربع ساعات من الحفر والتنقيب عثرت على قبر اثرى على سفح أحد التلال القريبة من منزل شيح قرية شكع ، ووجدت بداخل القبر سيفا محطما من تأثير الصدأ ومبخرة وأوانى أخرى من البرنز قد علاها الصدأ ، واناء من الزجاج وابريقا صغيرا من الخزف ووجه تمثال صغير من الحجر الجيرى . ومن بين المكتشفات الهامة صحن من الخزف أحمر اللون مصقول ، يعتقد أنه قد استعمل فى العهود الاولى من العهود الخزفية . ويستدل من طريقة صنعه وصقله أن ثمة علاقة تجارية كانت موجودة بين هذا الجزء من العالم وكل من فلسطين وسورية فى خلال اواخر العصر الحديدى الاول والثانى فى الفترة الواقعة ما بين سنة ١٠٠٠ وسنة ٦٠٠ قبل الميلاد
والجدير بالذكر أن الاناء الزجاجي ذو لون أخضر ، ويستدل من طريقة صنعه انه مستورد من مصر فقد رأيت كثيرا من الاوانى الزجاجية الشبيهة به فى دار الآثار بالقاهرة . وصناعة الزجاج فى مصر ازدهرت منذ عصر الفراعنة وكانت مدينة الإسكندرية قبل الإسلام من اعظم مراكز صنعه فى العالم .
أما الاوانى الخزفية التى عثرت عليها فعلى غاية من الاهمية . وصناعة الخزف عريقة وواغلة فى القدم ، فقد احتاج الانسان منذ اجيال بعيدة الى أوعية يصنع فيها غذاءه وشرابه ، وكان الفخار أسهل مادة متوافرة لديه استطاع أن يتخذ منها هذه الاوعية .
وما زلنا حتى اليوم نستعمل الفخار فى حياتنا اليومية لا فرق بيننا فى ذلك وبين أجدادنا الذين عاشوا قبل التاريخ .
ولشدة اتصال الاوانى الفخارية بحياة الانسان عني بدراستها علماء الآثار عناية
كبيرة . لانها تعكس صور تطور الحياة ، فكلما تدرج الإنسان في الرقى تدرجت معه هذه الاوانى فى سبيل الكمال فافتن فى صنعها وزخرفتها وأفرغ جهده فى تجميلها وتنسيق الوانها حتى خرجت على يديه من سذاجتها الاولى ، بل خرج هو بها عما وجدت له فى الاصل ، فاذا هي اليوم تتخذ مكانها بين التحف الجميلة .
في عصر ما قبل الاسلام لم يهتم الحكام والملوك بصناعة الاوانى الفخارية لاتخاذهم الاوانى من المعدن لا سيما الذهب والفضة . . لم يفكروا كثيرا فى الاوانى الخزفية التى كان يستعملها من هم أقل منهم مكانة
وفي العصر الاسلامى تغير الحال اذ أثر عن النبى ( ص ) احاديث تحرم اتخاذ الاوانى من الذهب أو الفضة . وقد كان لهذه الأحاديث النبوية من غير شك أثر فى توجيه العناية الى صناعة الخزف وفى النهوض بهذه الصناعة ، الامر الذي كان من نتائجه ابتداع أنواع جديدة من الخزف لم تكن معروفة من قبل ، أهمها الخزف ذو البريق المعدنى
لا شك أن منطقة شكع غنية بالآثار ، ويستدل من وجود تلك المقبرة بها على أن هناك على مقربة منها مدينه اثرية طغت عليها الرمال ومحت معالمها .
كانت الساعة تدنو من الخامسة بعد ظهر الخميس وكان لا بد لى من العودة الى عدن للسفر الى مصر فى اليوم التالي لمباشرة عملى كمدرس بمدرسة محمد على الثانوية بالقاهرة . وهكذا أرغمت على مغادرة هذه المنطقة الاثرية .

