الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

جون ديوي الفيلسوف المربى وفلسفة التربية

Share

نشأته الفلسفية

ولد جون ديوى سنة 1859 وهي السنة التى نشر فيها جارلس دارون كتابه الشهير "أصل الانواع " ذلك الكتاب الذي بسط فيه نظريته فى النشوء والارتقاء عن طريق الانتخاب الطبيعى ( تنازع البقاء وبقاء الاصلح) وهى النظرية التى اثرت فى تفكير جون ديوى فيما بعد تأثيرا عميقا

ولد جون ديوى فى مدينة برلنكتن في ولاية فرمونت التى تقع شمال شرقى الولايات المتحدة الاميريكية . وفرمونت هذه ولاية صغيرة تغشيها الغابات والاشجار وكان أبوه بقالا ( جربى ) ومن عائلة زراعية وأمه مثقفة تحب المطالعة وهي التى دفعته الى الدراسة والتثقف . فدرس فى مدارس فرمونت الابتدائية والثانوية وكان فى أوقات فراغه يبيع الجرائد ويرقم الاخشاب وهكذا نشأ نشأة أمريكية نموذجية تمتاز بحب العمل والكسب الحر . ثم درس فى جامعة فرمونت وتأثر بالاستاذ ترى Terry أستاذ الفلسفة فيها وبعد تخرجه درس فى احدى المدارس الثانوية واتصل بالدكتور وليم هارس

الذى كان يصدر المجلة الفلسفية الوحيدة التى كانت تصدر في أمريكا آنذاك وهو الذي شجع ديوى على درس الفلسفة كمهنة . ثم ذهب ديوى الى جامعة جون هوبكنز حيث درس الفلسفة وحصل على شهادة الدكتوراه ثم أخذ يدرس لفلسفة فى جامعة مشيغان فشيكاغو فكولمبيا

الفلسفة فى كل زمان ومكان هى نتاج الفكر الانسانى متأثرا بما فى المجتمع من مؤثرات وبعوامل المحيط والبيئة . وجون ديوى وفلسفته خير مثال على ذلك . فهو نتاج الحضارة الامريكية الجديدة وهو الذى فلسف هذه الحضارة وعبر عنها أصدق تعبير . أما الحضارة الامريكية التى نشأ فيها جون ديوى وأثرت فيه وأثر فيها فأهم مزاياها :

1) حب المغامرة والاقتحام لاكتشاف القارة الواسعة واعمارها واستثمارها .

2 ) تجربة كل شىء جديد لمعرفة ما إذا كان مفيدا .

3 ) حب البحث العلمي الحر وتشجيع الدراسة لغرض تطبيقها على الحياة والطبيعة

4 ) احترام العمل اليدوى مهما كان شاقا وتشجيع الكسب الحر والانتاج على أوسع نطاق .

5 ) الحرية الدينية 6 ( الديمقراطية السياسية .

نشأ جون ديوى فى أمريكا يوم أخذت أميركا تصعد الى القمة فى التقدم العلمي والصناعي . وقد جاءت فلسفته معبرة عن هذا الصعود الى اللانهاية بتأكيده على كل من البحث العلمى والديمقراطية . انه أصبح ذا مركز فلسفى عالمى معترف به فى الشرق والغرب وفيلسوف أمريكا الاصيل فى النصف الاول من هذا القرن . ان الغوص فى فلسفته وتطبيقاتها على حياة الانسان وتربيته مدونة فى عشرات الكتب ومئات البحوث التى قام بنشرها هو ومئات التعليقات التى قام بها خصومه ومؤيدوه . وانى لا أطمع بتقديم صورة فلسفية كاملة وعميقة لجون ديوى . وكل ما استهدفه هو اعطاء القارىء صورة فوطوغرافية مصغرة لفكره الفلسفي وتطبيقاته على التربية والتعليم

1 ) ان جون ديوى نشأ كالكثيرين من الفلاسفة على الفلسفة المثالية الهيغلية شأنه فى ذلك شأن كارل ماركس . ولكنه بمرور السنين تأثر

بالفلسفة العلمية التى دعا اليها فرانسيس بيكون والفلسفة الوضعية ( أو الايجابية ) التى دعا اليها اوغست كومت . فابتعد بمرور الزمن عن الهيغلية وانصرف الى الفلسفة العلمية والنشوائية ولا سيما بعد تأثره بنظرية" دارون " ولكنه احتفظ من الهيغلية بتراث ثمين الا وهو النظر الى الوجود كوحدة مترابطة متفاعلة . ان هذه النظرة الى الترابط والتوحيد بين قوى النفس وقوى الوجود أصبحت ميزة انسانية جوهرية لفلسفة ديوى . فجون ديوى بشجب ويرفض الازدواجية والثنائية التقليدية بين الروح والمادة ، وبين العلم والاخلاق ، وبين العلم والعمل ، وبين الفكر والعاطفة ، وبين الفرد والمجتمع ، أو تقسيم الناس الى طبقات كادحة وأخرى مترفة ، أو فصل الثقافة المهنية عن الثقافة الحرة او فصل الثقافة الفكرية عن الثقافة العملية الى ما هنالك من ازدواجية وانشطارات شائعة فى التفكير الفلسفي القديم انه يؤمن بمنطق واحد هو عبارة عن أسلوب بحث يطبق فى كل من حقل العلم وحقل الاخلاق معا بدون انشطار أو فصل بينهما او بين الناس

لقد تأثر جون ديوى تأثرا عميقا من درسه لكتاب ممتع فى علم وظائف الاعضاء (الفسيولوجية ) لمؤلفه العالم الانكليزى الشهير " توماس هكسلى" من معاصرى دارون والعاملين على نشر نظرية النشوء والتطور والمدافعين عنها . فقد ادرك ديوى من درسه لعلم وظائف الاعضاء ان أجزاء الجسم مرتبطة متفاعلة ولا يعمل أى جزء من الجسد السليم منفصلا عن الاجزاء الاخرى وهذا ينطبق فى نظر جون ديوى على أجزاء الكون كلها وعلي المجتمع الانسانى فالمجتمع الانسانى ليس عددا من الافراد منعزلين عن بعضهم يعيش الواحد الى جانب الآخر بل انهم يشكلون وحدة عضوية متفاعلة ومترابطة . فالمجتمع الانسانى هو وحدة عضوية افرادها أعضاء في جسم متشابك وتتعاون فى أفعالها . كما ان عناصر سلوك الفرد السوى تكون موحدة ومترابطة . ولذلك نستطيع القول ان الترابط والتوحيد ورفض الانشطار والعزل هو ميزة اساسية من ميزات فلسفة ديوى . ونظرة ديوى هذه الى الترابط العضوى بين أجزاء المجتمع تتفق والعديد من التعاليم الاسلامية والاحاديث النبوية

ان جون ديوى تأثر تأثرا عميقا بكتاب وليم جيمس فى علم النفس . لقد اشتهر جيمس بفلسفته البرغماطية . ولكن ديوى لم يتأثر من كتبه المعروفة في الفلسفة بقدر ما تأثر من كتابه فى علم النفس ذلك لان وليم جيمس نحا في علم النفس منحى بيولوجيا حياتيا . فانه من جهة خرج على النظرة التقليدية فى الفلسفة النظرة التى تعتبر علم النفس من العلوم الذاتية التأملية التى لا

تخضع للفحص والقياس . ومن جهة اخرى أعاد النفس الى مكانتها البيولوجيه فى نشوء الانسان وأهميتها فى توجيه حياة الانسان . فنظرته الى علم النفس هي نظرة حياتية فعالة وفوق ذلك كانت نظرة غنية شاملة تشمل نواحى الحياة الاخلاقية و الابداعية . ولا ينجرف علم النفس فيها بالنظرة المادية الميكانية الضيقة التى تتمثل فى بعض مذاهب علم النفس الرائجة اليوم فالنظرة الحياتية الفعالة الشاملة للنفس الانسانية كانت من أهم الاسس التى بني ديوى فلسفته عليها . انه وجد وليام جيمس يستعمل تعاببير ومفاهيم جديدة مما يعتبر تقدما كبيرا فى الفكر الحديث . فتعبير " مجرى الوعى " مثلا وما يدل عليه من استمرار وترابط ووحدة فى السلوك هو تقدم كبير في التعبير اذا قيس بالحالات النفسية المجزأة والمتقطعة التى كانت تصورها بعض مدارس علم النفس . فمزية جيمس فى نظر ديوى هى أنه كان يصور الحياة . وهذه النظرة تشكل الدور الاساسى الذى يلعبه علم النفس فى حقل الفلسفة

الفلسفة التجريبية

ان فلسفة جون ديوى سميت بالفلسفة العملية او التجريبية او الاختبارية او الالية ويمكن ان نسميها بفلسفة الخبرة . ذلك لان الخبرة فى الحياة هى الاساس لفلسفته . لقد استعار جون ديوى من الرئيس ابراهام لنكلن وصفه المشهور للديمقراطية واستعاض بالخبرة عن الديمقراطية . حين قال " ان الانسان يعيش فى الخبرة وبالخبرة وللخبرة " . ان الحياة فى نظر ديوى عبارة عن سلسلة مترابطة متفاعلة من الخبرات . والخبرة هذه تحصل من تفاعل الانسان بكليته مع محيطه الاجتماعى والطبيعى فيؤثر ويتأثر وينمو أو يذبل . فالانسان يعمل على تغيير محيطه وتحسينه على ضوء الخبرات المتلاحقة التى يقوم بها . والخبرة الجيدة هى التى تؤدى الى خبرات لاحقة مسرة ومثمرة للفرد والمجموع . والخبرة السيئة هى التى لا تؤدى الى استمرار فى النمو ولا الى خبرات لاحقة مسرة . فالانسان اذا جرب نوعا من الطعام ووجد أنه يغذيه وينعشه فتلك خبرة جيدة لانه يؤدى الى خبرات مسرة لاحقة ما إذا تناول مخدرا أو مسكرا فان ذلك يؤدى الى نحوله الجسمى واختلاله العقلى فالخبرة تكون سيئة لانها لا تؤدى الى خير الفرد وخير المجتمع .

هذا وللخبرة عند ديوى معياران . أولهما زمني استمرارى وهو ما عبر عنه "بالاستمرار التجريبى " فالخبرة الجيدة تؤدى الى استمرار فى الخبرات

الجيدة المتتالية . فدرس جيد ممتع يدفع الطالب الى ملاحقة الموضوع والتوغل فيه . فتستمر الخبرة وينمو الطالب فى المعرفة بعكس درس ممل ومرهق فانه قد ينهى علاقة الطالب به فيهرب منه ولا يعود اليه .

أما المعيار الثاني للخبرة فهو التفاعل بين ما فى داخل الفرد من عوامل نفسية وبين الظروف الموضوعية التى يعيش فيها الفرد . فالتفاعل الحر بين الداخل والخارج هو من طبيعة الاختبار الجيد . اما ان يفرض الاختبار من الخارج أو من فوق فرضا على الفرد فيجعل تلك الخبرة امرا مكروها وقد يكون ضارا

فالخبرة الجيدة هى الخبرة التى تؤدى الى النمو المستمر والازدهار . النمو فى الحياة المادية والمعنوية معا . والخبرة الضارة توقف النمو وقد توقع الانسان فى المهالك . اذن فالنمو هو نتيجة طبيعية للخبرة الجيدة

والخبرة هى التى تعين لنا الهدف فى الحياة على رأى جون ديوى . فعلى ضوء الخبرة نقرر ما هى الخطوة التالية التى سنخطوها وما هو الهدف الذى نختاره . فالخبرة تدلنا على ان هناك ارتباطا وثيقا بين الغاية ( اى الهدف ) وبين الوسيلة . فما هو غاية اليوم يصبح وسيلة غدا لغاية أخرى وذلك بعد ان يتحقق . بناء مسكن قد يكون غاية لك فى الوقت الحاضر ولكن بعد ان يتم البناء يصبح المسكن وسيلة لغايات أخرى كالزواج وانجاب الاطفال . والزواج وانجاب الاطفال يصبحان غاية ومتى تحققا فقد يصبحان وسيلة لتقوية الامة وتزويدها بالمواطنين الصالحين وبالعلماء العاملين وهلم جرا . وعليه وجب أن تكون الغايات والوسائل كلها جيدة . فلا يجوز التوسل بوسائل دنيئة باسم الاهداف السامية اى ان الغاية لا تبرر الواسطة . اذ كل واسطة هى غاية حتى تتحقق . ومتى تحققت تصبح وسيلة . فالاخلاق وحب الخير مضمونان بتزويد الخبرة الجيدة للمواطنين

هذا وان جون ديوى يؤكد على الاهتمام بخبرات الانسان التى يعيشها فى حياته الحاضرة ذلك لان الماضي قد انقضى وهو يهمنا بقدر ما هو مرتبط بحاضرنا ومؤثر فيه . ولذلك فالماضى انما يراد كوسيلة لخير الحاضر وخدمته . وليس كغاية فى حد ذاته . فالحاضر الجيد يحمل فى ثناياه ما هو جيد من الماضى . اما الذين يعيشون فى الماضى ويهملون حاضرهم فانهم

سائرون الى الزوال لا محالة . اما خبرات المستقبل فهي ناتجة وناشئة من خبرات الحاضر ايضا . فان كان الحاضر خيرا فيجب ان يؤدى الى مستقبل خير . وان كان يحمل في ثناياه الضعف والوهن فالمستقبل وخيم . اذن فلأجل المستقبل تجب العناية بالحاضر . الحاضر هو نقطة التقاء الماضي بالمستقبل فى " مجرى حياتى " دائم الحركة ودائم التطور . أرجو الا يفهم من هذا ان جون ديوى يؤيد قول الشاعر العربى :

ما مضى فات والمؤمل غيب              ولك الساعة التى أنت فيها

ففي هذا البيت شئ من الدعوة الى التسيب والتحلل فى الحياة وهو ما لا يقبله جون ديوى بحال من الاحوال . فجون ديوى يعنى بكل من الماضى والمستقبل ويوحد ويربط بينهما وبين الحاضر . فما تزرعه اليوم تحصده غدا واذا كان الاباء قد اكلوا الحصرم فان الابناء تضرس أسنانهم كما يقول المثل المعروف فى التوراة . على ان الاهتمام ينبغى ان ينصب على تحسين الحاضر الى أقصى حدود الامكان وذلك لكى ن ضمن مستقبلا أفضل

هذا وان اعظم اداة يستخدمها الانسان فى اختباراته هو الفكر . فالانسان بتفكيره استطاع ان يوجد المدنيات وان يبنى ويزدهر . والتفكير الممعن هو المطلوب فى حل المعضلات . وهو ما حمل الانسان على الاخذ بالعلم وبالطريقة العلمية : طريقة التجربة والاختبار المقترنة بالتفكير الممعن . اذ بها استطاع الانسان ان يبنى صرحا شامخا من الحضارة الانسانية وفي وسعه ان يجدد بناء هذا الصرح باستمرار

فالطريقة العلمية التى تعالج الامور بالدقة التامة وبالتجرد والتى تجعل من الاختبار والتجربة دليلا لها هى نتيجة استخدام الفكر الانسانى كأداة فعالة فى الحياة . اذن فما على الفلسفة الا ان تتبنى هذه الطريقة وتفلسفها لا ان تبقى قابعة فى الابراج العاجية . ان العلم اليقينى هو ثمرة الطريقة العلمية ويتسع وينمو باتساع ونمو اختبارات الانسان . فما على الفيلسوف الا ان ينظم ويوجه ثمرات العلوم وعليه ان يعتمد طريقة التفكير الممعن ويحلل ديوى التفكير الممعن فى الخطوات التالية :

1 ) موقف يجابههه الانسان يهمه ويحرك أولاعه واهتماته 2) مشكله يثيرها هذا الموقف الجديد يريد الانسان التغلب عليها للوصول الى تحقيق ما يهمه وما هو مولع به .

3) جمع المعطيات التى تساعد على حل المشكلة وهاته تتطلب الدرس والبحث والسؤال .

4 ) تكوين فرضية اى حل مقترح وهذه فكرة تخطر على بال الانسان قد يؤدى تنفيذها الى الوصول الى الهدف .

5 ) فحص الفرضية : بتجربتها وتطبيقها فان نجحت فيها والا فلا بد من اعادة النظر فى المعطيات والبحث عن فرضية جديدة

ان هذه الخطوات فى التفكير الممعن الذي يصحب الخبرة الجيدة المؤسسة عنى المشاهدة والفعالية والتجربة هى ما تكون الطريقة العلمية . وهي تتطلب ضبط الاعصاب والصبر والدقة المتناهية الى درجة الصفر في الخطأ  Zero Error وهو الامر الذى استهدفه مخططو الهبوط على سطح القمر

اذن ففلسفه جون ديوى فلسفة نشأت من العلم وتعتمد العلم وطريقة البحث كأساس يبعث على اليقين . ولكن الخبرة فى حقل العلم واستعمال الطريقة العلمية تصحبها خبرة اجتماعية على أسس ديمقراطية . فالديمقراطية هى الهدف الاسمى فى فلسفة جون ديوى . وهى هدف يعتبر الانسان لا كمجرد فرد عددى لا قيمة له بل يعتبره كشخصية لها معناها فى الوجود ولها قيمة لا تحد فالديموقراطية تحترم الانسان الفرد من حيث هو انسان يقطع النظر عن جنسه وعرقه ودينه وثروته . فلكل انسان مكانته المحترمة فى الوجود والمجتمع الديمقراطى هو ذلك المجتمع الذي يكون كيانا عضويا واحدا وليس عبارة عن مجموعة أفراد منفصلين عن بعضهم منعزلين . لكل فرد فى الديمقراطية ارادته . ولكل فرد امكاناته الروحية والفكرية والابداعية التى لا تحد . فالديموقراطية تختلف عن الديكتاتورية اختلافا جوهريا من حيث تقييمها للانسان الفرد فالانسان الفرد فى الديكتاتورية لا ارادة له ولا شخصية فالذين يسيرون الحكم هم أفراد قلائل والمجتمع لا يستفيد من آراء اكثرية أبنائه . أما المجتمع الديمقراطى كما يريده جون ديوى فهو مجتمع :

1) يشترك اعضاؤه جميعا فى اختيار الهدف القومى اختبار حوا وذلك بعد التفكير الممعن على ضوء الدرس والاختبار .

2) يساهم كل حسب اختصاصه فى تنفيذ الهدف وفق الخطط التى يتفق عليها

3 ) يساهمون فى الخيرات أو المضرات التى تنجم عن تنفيذ الهدف .

فالمجتمع الديمقراطي هو مجتمع اشتراكى بكل ما فى الكلمه من معنى لفظى انه مجتمع يؤمن بالمساهمة والمشاركة . انه مجتمع يحترم كل فرد فيه ويعترف بحقه ويحترم شخصيته ويحمله قسطه من المسؤولية . انه مجتمع تضمن فيه انسانية الانسان قبل كل شئ . وهذه الانسانية يشمل الحرية والعدالة والاخاء بين أفراده . والحرية والعدالة والاخاء هى الاسس الاخلاقية للمجتمع الديمقراطى حسب ما يرى جون ديوى . هذا ولا بد من الايضاح بأن جون ديوى ينظر الى المجتمع الديمقراطى وكأنه كائن عضوى واحد تترابط وتتفاعل كل عناصره وتنفذ هدفا واحدا . فهو مجتمع يعبئ مواهب كل أفراده ويكون أعظم قوة بشرية يمكن ان تصدر عن آية جماعه من الجماعات

اذن فالديمقراطية كهدف اسمى لنمو شخصية الانسان وما تتضمنه من قيم اخلاقية كالحرية والعدالة والاخاء بين البشر هى ما تكسب خبرات الانسان قيمها الروحية والانسانية وهي الحجر الاساسى لفلسفة جون ديوى الاجتماعية .

التربية والفلسفة :

بعد ان نضج تفكيره الفلسفى واتضحت معالمه شعر ديوى بان  نظريات التربية وممارستها يجب أن تكون أهم ما يشغل بال الفيلسوف . فبالتربية ولا سيما تربية الاطفال يمكن الوصول الى أى هدف فلسفى ذى تأثير على حياة الانسان . فالفلسفة اية فلسفة يجب ان تكون نظرية تربوية . والفيلسوف يجب أن يعنى بمشاكل التربية قبل كل شئ . وهذا ما جعل جون ديوى يعتبر فلسفة التربية هي الفلسفة الحقيقية بمعناها الصحيح الشامل . وهو يعتبر كتابه " والديمقراطية والتربية " الذي نشره سنة 1916 أشمل تعبير عن فلسفته . وهو يستغرب كثيرا لماذا أهمل معظم الفلاسفة أمر التربية والتعليم ولم يجعلوها أساسا لفلسفتهم . كما انهم أى الفلاسفة لم يعنوا بفلسفه ديوى التربوية في بادىء الامر . لذلك يمكن اعتبار ديوى بحق " فيلسوف التربية " أو المربى " الفيلسوف " .

لقد سبق ان اقترحت ان يعتبر جان جاك روسو ابا للتربية الحديثة فهو واضع بذرتها . وأن يعتبر المربى السويسرى العظيم بستالتسى أما لها باعتباره تلقف آراء روسو ووضعها موضع التنفيذ مع عاطفة الحب العميقة أما جون ديوى فهو الذى رعى التربية الحديثة ورباها فهو مربى التربية الحديثة . فهو قد رعى نشوءها وازدهارها وقوم ما استطاع من اعوجاج سلوكها

واتجاهاتها . فاذا صورنا التربية الحديثة كطفل له اب وأم ومرب . يصبح الاب روسو والام بستالتسى والمربى جون ديوى .

أسس جون ديوى حين كان استاذا للفلسفة والتربية فى جامعة شيكاغو من سنة 1894-1904 مع زوجته مدرسة دعاها " مدرسة المختبر " حاول ان يطبق فيها نظرياته التربوية المؤسسة على الخبرة والحياة وصف اختباراته فيها فى كتابه " المدرسة والمجتمع " . وهو كتاب صغير الحجم جليل الفائدة فوجد ان يبدأ بالاثاث المدرسى الذي لم يوضع على اساس حرية الطفل وحقه بالحركة والفعالية بل انه يقيد الطفل ويمنعه من الحركة . فذهب الى النجار واوصى بصنع أثاث جديد يسمح للطفل بالحركة وبالعمل لا بالجلوس فى مقاعد ثابتة يعسر الدخول والخروج منها . أما آراؤه التربوية وأساليبه فانها تتلخص فيما يلى :

التربية هى الحياة أى هى سلسلة خبرات حياتية يعيشها الطفل فى المحيط وفى المجتمع فينمو نموا مطردا . وهذه الخبرات تحوى نقطة البداية لكل المواد الدراسية :

فالطفل ( كل طفل سوى ) يحب ان يتصل اجتماعيا بالغير كما انه يريد ان يجلب انتباه الراشدين اليه وهذا يحمله على استعمال اللغة التى تكتسب معانى محددة واللغة تنمو وتزداد ثروة كلما نما الاختبار .

والطفل (كل طفل سوى ) يريد ان يعمل ، يريد ان يبنى ، يريد ان يقوم بأفعال هي من النوع المفيد اجتماعيا . انه قد يبدأ بالتقليد وباللعب وبالخيال ولكنه سرعان ما يتحول ما يفعله الى واقع فيصير يساهم فى فعاليات بيتية مفيدة .

والطفل ( كل طفل سوى ) يريد ان يعرف أسماء الاشياء وعلاقاتها فيبدأ بالسؤال عن هذا الشئ وذاك ومن أين جاء هذا ؟ ومن عمل هذا ؟ وكيف نصنع هذا ؟

والطفل ( كل طفل سوى ) يحب ان يكون له أصدقاء ، ويريد العمل واللعب معهم .

والطفل ( كل طفل سوى ) يحب ان يرسم ويصور ويحب ان يعبر عن خياله بالالوان ويحب ان يتمتع بالجمال . كما يحب ان يجمل ويزين ما يعمله عادة

اذن فحب الاتصال الاجتماعى وحب الاستطلاع والمعرفة وحب البناء والعمل

وحب اللعب وحب الجمال هي منابع حقيقية فى نفس الطفل . وهي رأس مال لاية تربية تبنى على الخبرة . فاذا جعلنا هذه القوى المتدفقة من الطفل تتفاعل مع المحيط المباشر للطفل وجدنا الطفل يتعلم اللغة ويتعلم أسماء الاشياء وفوائدها ويتعرف على المحيط المباشر جغرافيا وتاريخيا كما يتعلم العمل والبناء وما يرافقهما من حساب وقياس

هل شاهدت طفلا يصنع " علبة " من الخشب ؟ انه يسعى للحصول على الخشب ويقيس قطع الخشب وقد يحتاج الى " منشار " لقص القطع الخشبية لتوافق القياس المطلوب . ثم يسعى للحصول على المطرقة والمسامير . وهل يستطيع القيام بكل ذلك بدون ان يساعده الراشدون او الاطفال الاخرون فى بادىء الامر ؟ ان ثمرة خبرة كهذه تشمل استعمال اليدين وتمرين العضلات والدقة فى القياس والمثابرة والاستمرار على العمل والتعاون مع الغير . لا شك فى ان انجاز صنع علبة هذا قد يؤدى الى صنع شئ آخر مفيد .

هل شاهدت بنتا تقوم باعداد غذاء بسيط كقلى البيض . فمن هذا الطريق قد تتعرف على أنواع الاغذية وخصائصها : الاغذية النشوية ( كالخبز) والدهنية ( كالزبد ) والمعدنية (كالخضروات ) والزلالية ( كاللحم والبيض ) كما تتعرف على مزايا البيض وجموده بالحرارة المتزايدة . ان الاختبارات التى يقوم بها الاطفال فى اعداد الطعام تساعد الاطفال على ادراك أهمية الغذاء الصحى وتكوينه . والتربية العملية هذه قد تؤدى الى تربية صحية فى الوقت ذاته

هل شاهدت اطفالا يقومون بغرس نباتات فى بقعة أرض صغيرة او فى محبس ( سندان ) ؟ انهم يقومون باعداد التربة وغرس البذرة وسقيها ومراقبة نموها وحمايتها من غزو الطيور والحشرات . لا شك فى أنهم يحصلون على خبرات غنية .

هل شاهدت أطفالا يدرسون ما يقوم به الشرطى او الحرس الوطنى من اعمال انسانية قد تؤدى بهم الى المساهمة فى تسهيل مهام الشرطى والتعاون معه ؟

هل شاهدت أطفالا يتعرفون على " بلدية " المدينة وما تقوم به من أعمال صحية وخدمات اجتماعية كما يتعرفون نظام الانتخابات

خذ الاطفال الى المتحف واجعلهم يتعرفون على أهم الآثار التى تخص ماضى بلادهم

احملهم على تنظيم تعاضدية فى المدرسة يبيع الاطفال فيها مأكولات ومشروبات صحية وحاجات مدرسية أو لعب الى غير ذلك . واستثمر هذه الخبرة فى دروس الحسابيات والأشياء والجغرافية والتربية المدنية

اجعل الاطفال يرتلون الاناشيد والاغانى واجعلهم ينظمون رحلات مدرسية الى الطبيعة والحقول وان يعيشوا عيشة الكشاف . اذ بذلك يتعرفون على جمال بلادهم وتتسع آفاق معرفتهم وتنمو مداركهم

ان الخبرات فى المحيط لا تحد ولا تعد فلكل مدرسة محيطها . ولكل جماعة من الاطفال مسائلهم ونشاطهم . ولا يمكن ان يكون المنهج واحدا لمدرستين ما دامت الجماعات متعددة ومصادر الخبرة تختلف من بلد الى آخر ومن محلة الى اخرى فخبرات أطفال الريف تختلف عن خبرات أبناء الاحياء الغنية . على المربى ان يدرس حالة كل طفل وسابق خبراته ليكيف ويهيئ الخبرات الجديدة وفق احتياجات الاطفال . فبعض المناطق تحتاج الى التأكيد على الصحة والنظافة وبعضها تحتاج الى التأكيد على الصناعة فى المعامل او الصناعات التقليدية التعاونية . والمهم هو ان ترتبط التربية بنواحي حياة الانسان كلها فتوجه وتنمى ميوله وقابلياته . كما يؤمل ان تعوض المدرسة عما تجده من نقص فى حياة الطفل وخبراته . ان ارتباط منهج الدراسة بحياة الطفل واحتياجاته هو الميزة الاساسية للتربية الحديثة . فهى بذلك تختلف اختلافا جوهريا عن التربية التقليدية التى فيها يفرض منهج الدراسة الواحد على كل طفل بقطع النظر عن احتياجاته وميوله . فالمنهج فى التربية الحديثة ينبع من ميول الطفل ويتصل بالمحيط بينما المنهج فى المدرسة التقليدية هو منهج يضعه الراشدون حسبما يعتقدونه يناسب الطفل واحتياجاته فى المستقبل . اى انه اعداد لمستقبل قد لا يتحقق . ثم ان المنهج الحديث يتصل بمواضيع الحياة كوحدات ذات ارتباط كالقيام . بطبخ غداء . بينما المنهج التقليدى منسق تنسيقا تطبيقيا بعيدا عن نفسية الطفل ومقطعا الى أجزاء لا حياة فيها . فالطفل فى التربية التقليدية يتلقى الدرس اما بالمكافآت والمرغبات الخارجية المصطنعة واما بالاكراه . اذن فالثورة فى التربية الحديثة هى ثورة حقيقية على الاوضاع التقليدية وكان لجون ديوى الفضل الاول فى احداث هذه الثورة فى العالم في النصف الاول من هذا القرن .

هذا وان جون ديوى يقدم الآراء التالية لكل الذين يعنيهم أمر التربية ووضع المناهج :

1 ) ان النظريات العلمية ليست قطعية أو نهائية . فهى دائما عرضة للتطور مع نمو العلم وظهور حقائق جديدة فهي فرضيات على الاكثر

2 ) ان الاكتشافات والبحوث العلمية اصبحت من الوفرة والاتساع بدرجة يستحيل معها على الفرد الواحد فى حياته القصيرة ان يلم بها . فالمهم فى التربية العلمية ليس حشو الدماغ بالمعلومات بل تعويد الطالب على الاسلوب العلمى وطريقة البحث والتحرى بحيث ينمى معلوماته طوال حياته ويتعلم كيف يستعين بالمراجع العلمية

3 ) ان مسألة النمو العلمى هى عملية اجتماعية تعاونية . ولذلك وجب تنشئة الجيل الصاعد على اسلوب التعاون الاجتماعى

4 ) ان التفريق بين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية خطأ فاحش وله جذور اجتماعية بالية . فالعلوم الطبيعية هي علوم انسانية اذا استخدمت لخير الانسان كما ان العلوم الانسانية يجب ان تخضع للطريقة العلمية التى هى طريقة العلوم الطبيعية .

5 ) ان عملية التربية هي عملية مستمرة مع الحياة ولا تنتهى بانتهاء الحياة المدرسية . اى أن ديوى يؤكد الحديث المعروف " اطلب العلم من المهد الى اللحد " .

"الولع " او "الاهتمام " والتربية :

يعنى جون ديوى عناية فائقة بولع الاطفال بالخبرات وبالاعمال التى يقومون بها . والولع بالشئ هو القوة التى تربط الانسان بذلك الشىء فيستمر فى السعى وراءه حتى يظفر بتحقيق امنيته . والاهتمام بالاولاع الاجتماعية المفيدة التى توجه الاطفال نحو الخبرات الجيدة هو رأس مال تستثمره التربية الحديثة . فالولع المفيد يصبح من المنابع الرئيسية فى اختيار مادة الدرس وطريقة التدريس وهو خير وسيلة لتنمية الروح الايجابية فى الضبط والتثقيف . أما التربية التقليدية فانها قلما عنيت بأولاع الاطفال

فباسم التثقيف والضبط Discipline يساق الطفل الى حفظ ما لا يرغب فيه أو ما لا يفهمه . حتى ان أحد الفكاهيين وصف المدرسة التقليدية بقوله ان شعارها " لا يهمك ماذا يتعلم الصبي ما دام الصبي يكره ما تعلمه اياه" . ان جون ديوى لا يفصل بين مادة التدريس وطريقته . فالمادة والطريقة فى عرفه وحدة لا تتجزأ فما يجب أن يحصل عليه الطفل هو الطريقة التى تؤدى الى اختبارات جديدة جيدة . والاختبار الجيد يتضمن الولع والفعالية الذاتية والتفكير الممعن . فالمدرس الجيد ذو الطريقة الفعالة هو الذى يهيئ الظروف لحصول الخبرة التى تثير الفعالية وذلك بتحريك أولاع الطلاب . ويعني خاصة بالفعالية التى تتطلب التفكير الممعن

هذا وان ديوى يعترف بان فلسفته التربوية على بساطتها صعبة التطبيق . فهى تتطلب نوعا جديدا من المربين لهم سعة اطلاع على الحياة والمحيط الذي يعيش فيه الطفل وخبرة عملية فى توجيه الاطفال وارشادهم الى الافعال والمشاريع المفيدة التى تنمى أولاعهم وتثرى خبراتهم . ومن الخطا الفادح أن نظن ان التربية الحديثة تترك الطفل وشأنه يعبث بأوقاته ومحيطه . فالعكس هو الصحيح . والفرق الجوهرى بين التربية الحديثة والتربية التقليدية هو ان الطفل فى التربية الحديثة يساهم بكليته مساهمة فعالة فيما يدرسه ويتعلمه بينما هو فى التربية التقليدية مساق من الخارج وبدون عناية بما فى داخله من ميول واتجاهات وقوى حية

جون ديوى يشجب الفلسفات التى تعتبر الطفل وعاء يملأ من الخارج وتنفى كل فعالية داخلية مؤثرة فى الطفل . فهذه الفلسفات تنسب كل شئ للمحيط وتنفى الفعالية الباطنية للطفل . كما انه يشجب الفلسفات التى تعتبر التربية عملية تفتح من الداخل فقط بقطع النظر عن العوامل المحيطية والحقيقة ان الخبرة التى تستد اليها فلسفة ديوى هى تفاعل بين الداخل والخارج أى بين القابليات والمواهب الفطرية والاحتياجات والظروف المحيطة

الديمقراطية فى التربية الحديثة :

ان الديمقراطية التى يعتبرها جون ديوى الهدف الاسمى للمجتمع الانسانى تتضمن الاجراءات التربوية التالية :

1) ضمان المساواة فى الفرص التعليمية لابناء الشعب جميعا بدون تفريق بين ابن الريف وابن الحضر او ابن الغنى وابن الفقير ولا تفريق على أساس

المذهب الديني أو العنصر أو اللون أو الجنس . فالتربية تنمي مواهب الجميع الى اقصى الحدود لمصلحة الجميع

2 ) ان المعلم فى المدرسة الحديثة يعامل الطلاب كأفراد أسرة واحدة متعاونة فلا ديكتاتورية ولا محاباة . ان دور المعلم هو دور عضو العائله الرئيسى الذى يقود الجماعة قيادة ديمقراطية حكيمة

3 ) ان الحكم الذاتى والتنظيم الذاتى الذى هو اساس النظام الديمقراطى موجود فى طبيعة الاطفال . فان الاطفال فى اللعب يقبلون حكم احدهم عادة واذا استبد هذا أو أساء التصرف فانهم يحتجون على تصرفاته وينبذونه

ان التربية الحديثة تسعى لتنظيم ضبط ذاتى على أسس ديمقراطية بين الطلاب بخلاف المدرسة التقليدية التى تقيد حريات الطلاب . وتحجر حركاتهم فهم يخافون السلطة ويرغبون فى التحرر منها .

4 ) ان الحرية فى المدرسة الحديثة هي وسيلة لمعرفة طبيعة الطلاب ومعرفة ميولهم وأخلاقهم . فالمدرسة الحديثة تربى على الصراحة والتعاون بخلاف المدرسة التقليدية التى قد تولد الرياء والمحاباة بسبب ما فيها من ضغط على الطلاب وكبت لميولهم .

5 ) ليس صحيحا من ان التربية الحديثة لا تهتم بآداب الطلاب الاجتماعية وحسن تصرفهم . انها تعترف بأهمية ذلك كل الاعتراف ولكنها لا تشجع الرياء والتصنع في المجاملات كما تشجب لبس المظاهر التى لا تعبر عن الاخلاص الداخلى للفرد .

7 ) ان التربية الحديثة تشجع النشاط الطلابي على أساس ديمقراطي كما انها تشجع التعاونيات وتشجع الحكم الذاتى بين الطلاب كما تشجع الاعتماد على شرف الطالب .

وصفوة القول فان جون ديوى يرى ان الديمقراطية تمثل فلسفة التربية الصحيحة الشاملة . فهى تمثل الهدف والاسلوب او الغاية والوسيلة معا اذن فعلى المعلم ان يربى الجيل الجديد بالاسلوب الديمقراطى وان يسعى لتحقيق الاهداف الديمقراطية فى الحياة وفي المجتمع

حاجة العالم الى فلسفة جون ديوى اليوم

هناك ثورات طلابية فى معظم انحاء العالم اليوم وهناك تفكير تربوى عميق هنا وهناك . ولو بحثنا عن العوامل المؤدية إلى حالة القلق والفوضى السائدة فى العالم اليوم لوجدنا انها ناجمة عن :

1) الانشطارات الاجتماعية وفقدان الوحدة العضوية فى المجتمعات قديمها  وحديثها . فهناك انشطارات وانقسامات بين الافراد والشعوب انشطار يؤدى الى الصراع بين الاسود والابيض وبين الغنى والفقير وبين القوى والضعيف وبين الامم المتصنعة والامم المتخلفة وبين أبناء دين ودين آخر وبين العمال وأصحاب المعامل وبين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب . ان فلسفة ديوى تدعو الى وحدة عضوية وترابط اخوى بين بنى الانسان تقضى على هذه الانشطارات .

2 ) ان المنظمات الانسانية بما فيها الحكومات والشركات والمنظمات الاجتماعية والاقتصادية لم تؤسس على الاخلاق الديمقراطية . فالحرية المسؤولة والعدالة الاجتماعية والاخوة مفقودة فى الكثير من الحالات والبشرية تحتاج الى حرية وعدالة واخوة اذ بدونها لا يستتب نظام ولا استقرار فى المجتمع . ان فلسفة جون ديوى هى العلاج الناجع للانسان

3) ان التطورات فى العلم والاختراع وما يرافقهما من تفكير جديد تسير بسرعة فائقة . أما التطورات فى الحياة الاخلاقية والاجتماعية فانها بطيئة نسبيا . ولذلك عمدت بعض شعوب العالم الى ثورات دموية باسم ثورات اجتماعية . ولكن هذه الثورات الدموية ترافقها نظم ديكتاتورية كما ترافقها خسارة جسيمة فى الارواح والاموال فضلا عما تقاسية الشعوب من فقدان للامن والاستقرار وما تعانيه من فوضى فى القيم واضطراب فى الحياة العامة ان ثورات كهذه هى من النوع الهدام المنافى للروح الديمقراطية وما تنطوى عليه من انسانية . وما يقال عن الحكومات الثورية يقال عن الطلاب الثوريين فى العديد من جامعات اليوم . فهؤلاء الطلاب قد يجدون ان التطور المطلوب فى الجامعة او المجتمع بطيئ او عسير المنال فيعمدون الى أساليب الفوضى والعنف الامر الذى ينسف الديمقراطية والتربية الصحيحة من الاساس فأسلوب الثورة البناء هو أسلوب ديمقراطى وسلاح الثورة هو التربية والتعليم ( والتوعية ) . هذا ما يحتاج اليه العالم اليوم وهذا ما دعا اليه جون ديوى .

4) ان معظم البلاد النامية تستطيع النهوض السريع فيما لو أخذت بفلسفة جون ديوى الفعالة فى تطبيق المنهج الدراسى على الحياة وجعله عمليا نظريا فى الوقت نفسه . أما البلاد المتقدمة فلا بد لها من اعادة نظر أساسية فى مناهجها واساليبها وتطويرها لتصبح اكثر ارتباطا واتصالا بالحياة الاجتماعية والاقتصادية وذلك يقبول مبدأ مشاركة الطلاب فى الحياة الدراسية مشاركة فعالة وتوجيههم نحو الحياة الحرة وهو ما يدعو اليه جون ديوى . وصفوة القول ان العالم كله يحتاج الى فلسفة جون ديوى التربوية وجعلها ديمقراطية وعملية أكثر من أى وقت مضى . وفى رأينا ان اهم المشاكل الانسانية اليوم ناجمة عن عدم أخذ معظم ساسة العالم اليوم بآراء جون ديوى وعدم تطبيقها

وليست هذه المشاكل ناجمة عن الاخذ بآراء جون ديوى التقدمية كما يدعى الرجعيون .

ان الشرق العربى مثلا بدأ يتعرف على آراء جون ديوى منذ أربعين سنة تقريبا وقد ترجم من كتبه الى العربية اربعة عشر كتابا على ما أعلم . ولكن حكومات تلك البلاد لم تتأثر تأثرا يذكر من فلسفة جون ديوى العملية والعلمية والديمقراطية . وان القوى المسيطرة على التعليم فى الشرق العربي ما تزال متأثرة بالمنهج التربوى التقليدى على الاكثر . ومستوى المعلمين عامة ما يزال دون المستوى المطلوب . وفى الحقيقة ان الواقع العربى فى واد وفلسفه جون ديوى فى واد . وهذه ثنائية بل انشطار يشجبه ديوى حتما . فعسى ان نتيقظ جميعا فندرس فلسفة ديوى لا لغرض الدرس فحسب بل للدرس والتطبيق معا . وفي اعتقادى ان تونس هى البلد العربى الذى تتجسد فيه الى حد ما ما يعنيه جون ديوى فى فلسفته الاجتماعية الديمقراطية . فالدولة التونسية دولة مثقفة ( بكسر القاف ) تحاول توعية أفراد الشعب وتنشئتهم على أسس ديمقراطية ومشاركتهم فى الحياة مشاركة فعالة بالتنوير والاقناع وليس بالسوط والسوق . وهذا هو الاسلوب الصحيح فى البناء الديمقراطى وهو ما يدعو اليه جون ديوى . وها ان تونس بدأت تعمل جديا بالاخذ بالناحية العملية الحياتية للمنهج التربوى وربطه بحاجات النمو الانسانى وهو ما نرجو ان تحققه فى اقرب الآجال .

الفلسفة والدين

بعد ان درست فلسفة جون ديوى أجدنى متفقا معه فى كل آرائه وتفكيره التربوى والاجتماعى . فانى اؤمن بقيمة الخبرة الجيدة فى الحياة كما أومن

بالطريقة العملية . كما انى أعتنق فلسفة ديوى الديمقراطية تلك الفلسفة التى تدعو الى الحرية والعدالة والاخوة لكل بنى الانسان . ولكنى أذهب الى ابعد مما ذهب اليه ديوى فى تفكيره الدينى

هذا ومن الانصاف القول ان جون ديوى يعطي الخبرة الدينية مكانها السامى فى الحياة وفي التربية . فانه يؤكد فى كتابه " الايمان العام" " The Common Fith "على أهمية التدين للانسان كما انه يؤكد على  الاسس الاخلاقية للحياة الديمقراطية فى العديد من كتاباته . ولكنه فى كتاباته الاخيرة لا يؤكد بوضوح ايمانه بالله خالق الكون ومسيره كما كان يفعل فى كتاباته فى المراحل الاولى من حياته الفلسفية .

يظهر لنا ان مشكلة الانسان اليوم هى مشكلة أخلاقية قبل كل شئ . فلو توفرت الحياة الاخلاقية الفاضلة بين الافراد والشعوب لما رأينا الثورات الدموية والحروب تنتشر فى الكثير من أنحاء العالم اليوم . ولكن الاخلاق لا نقوى ولا تزدهر فى الحياة الاجتماعية ما لم تسق من ينبوع الايمان بالله خالق الكون وواهب النعم . ان هذا الايمان وهو ما يزود البناء الفلسفى الشامخ الذى خططه جون ديوى بالاساس الراسخ المتين

ان تفكيرى الشخصى الذى يتضمن كل ما جاء به جون ديوى يمكن تلخيصه على الوجه التالى : إذا شئنا الحياة السعيدة الهانئة المطمئنة علينا بأن نتعهد بما يلى :

أ ) ان نأخذ بالاسلوب الديمقراطى الشامل فى كل نواحى حياتنا .

ب ) ولاجل ضمان نجاح الاسلوب الديمقراطى لا بد من اخلاق فردية واجتماعية تبنى على النزاهة والمحبة وطهارة النفس والغيرية بين الناس

ج ) ولاجل غرس هذه الاخلاق لا بد من سقيها من ينبوع الايمان بالله خالق الكون ومسيره والعمل بمقتضى سننه الكونية

فلنرجع أولا وآخرا الى الله والى الايمان به ايمانا صادقا مطلقا . فهو دليلنا الى كل الخبرات الصالحة . وهو مصدر العلم والقوى الخلاقة . وهو الواهب لاسمى القيم الانسانية .

اشترك في نشرتنا البريدية