الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

حديث الامة والشعب والواقع

Share

- حديث الأمة :

لما أقامت لى عيناك مهرجانا دخلت جزيرة السحر على جناح الحلم والرقة ، وقدمك لى عصير ذاتك وحصاد احساسك على كفيك ، وسمحت لى بأن أقطف وردك فى الربيع ، وانحنيت في حنان لتضعى بعض النجوم فى جيبى وتطرحى بعض الاقمار تحت قدمى - فعلت كل ذلك ايتها التائهة بلا موعد ولكن لم يرق لى كل ذلك ، فتخليت عنك لأن قلبى كان مشغولا بأمتى .

كانت أمتى كطائر وقع فى مخالب الصائد ، كانت تصيح وتستنجد بى عندما طغا عليها الموج . فخرجت من جنتك الساحرة ، وابتعدت عن بحر عينيك ، وسرت بقدمين داميتين الى أمتى لأنقذها من الغرق .

كانت أمتى تصيح من اليأس وأبناؤها واقفون على شاطئ الحياة ينظرون للشمس ، ويستنشقون ريح الشمال فى لهفة المشتاق ونهم الجائع ، وكان بعضهم فى صراع وعراك مستمر . لما وصلت الى أمتى وقد أدمت قدمى حصباء الشاطئ ارتميت فى اللج بلا هوادة ، وأخذت بيدها وقد كاد الموت يأتى عليها . وعلى كتفى أخرجتها من العباب ومددتها على رمال رطبة ناعمة لتستريح من العناء ، فبدأت تسترجع قواها تحت وهج الشمس .

سألت أمتى وقد نظرت الى بعينين نام فيهما الحزن آلاف السنين : - من الذى تركك فى العباب لتبتلعك الامواج ؟ أشارت الى جمع غير قليل ينظر اليها فى لامبالاة وهى غارقة فى وهنها وضعفها قائلة :

- هؤلاء أبنائى . كنت محتمية بهم لما دخلت لأجرب السباحة فى بحر الحضارة . كنت أظنهم قواى التى أصارع بها الموج ، ولكنهم تفرقوا شيعا

وفبائل ، وتنافسوا فى الوضيع ، وتحاسدوا على التافه ، وتسابوا ، وتلامزوا بالألقاب ، فاشتغلوا بحالهم عنى ، فكانوا أحد من السيف على أنفسهم وأحفى من منجل قديم على الأعداء .

وتوقفت أمتى عن الكلام وبكت فبكيت . لقد كانت أمتى نبيلة وكانت جميلة وكانت شابة ، رغم ذبول وحزن يطفو على ملامحها ، ووهن قديم يكمن فى اعضائها .

وبعد صمت قصير أشارت أمتى باصبعها قائلة :

- آنظر الى هؤلاء العمالقة الذين نفقوا فى البحر ليغضب كى أغرق ويذهب ريحى .

ونظرت فاذا نفر من ذوى العضلات المفتولة يحدقون فينا ، وفى أعينهم أطنان عداوة وبغضاء .

- حديث الشعب :

كان ورائى شعب ينحو منحاى لما أتيت الى البحر لأنقذ أمتى قلت لشعبى وقد أدركت حقيقة ما تعانيه الأمة :

- عليك يا شعبى العظيم بصنع القلوب القاسية والنفوس التى تركب الهول ، حتى ننقذ هذه الأمة من الغرق الذى لا رجعة بعده . ان الزمن القاسى يا شعبى لا تلائمه إلا القلوب القاسية - قلوب تعصف متى وجب العصف ، وتهتك ستر كل أفاك أثيم .

وأشرت الى شعبى كى ينتبه من العمالقة الذين رموا بأمتى فى الغرق . فتأمل شعبى عضلاتهم المفتولة وعيونهم ذات الشر الدفين . وكان شعبى ضعيف البنية لا يستطيع المقاومة ، وكانت سلاسل من حديد تقيده عن المسير . بكى شعبى كالطفل فأحسست بحزن عميق يهد كيانى . انبرى عند ذلك رجل من الشعب وقد تجلى عليه العزم والحزم فقال بصوت عال :

- إن الشكوى لا تليق الا بالضعفاء ، وان القوة فى هذا العالم هى اللغة التى سطر بها كتاب الحياة ، فعلينا أن نكون أقوياء إذا أردنا السيطرة على حياتنا .

وانتفض شعبى لهذا القول وكان شعبى حساسا ، ووعدنى شعبى بأن يكون قويا جبارا ، يحمى أمتى على الدوام ويعطيها من ذاته بلا حساب .

- حديث الواقع :

انتشت نفسى لما وعدنى شعبى بأن يكون قويا ، وقلت لنفسى اننا سنخلق الحياة ، وننحت مثالا للمستقبل على مشهد من أمتى .

ولكنى تشاءمت لما رأيت ملامح الواقع القاسية ، لقد كان شيخا مصفر الوجه ، فى قسماته جفاف ، وفى تجاعيد وجهه قسوة .

أردت أن أسخر من الواقع وأعبث بسحنته الشيطانية ، فانحنى وأخذ حفنة من تراب ورمى بها فى عينى ، فغاب عنى الوجود ، ولم أعد أرى أمتى بل صرت أحسها احساسا يسرى فى أعصابى ، ولم اقدر على رؤية شعبى ، بل صار شعبى صوتا يدوى فى مسمعى كالحياة .

تساءلت فى حسرة أهكذا تفعل أيها الواقع القاسى ؟ أجابنى وهو يلتمظ فى خبث :

" - من ذاتى أسلخ أسلوب حياتكم وأملى عليكم ارادتى ، وأفرقكم شيعا وقبائل لتمكثوا ضعفاء ، لأن فى قوتكم اضمحلالا لذاتى وذهابا لريحى .

أنا الواقع الأعمى أسيطر على العميان ، وأحارب العزم وأقتل الفكر فى المهد ، وأشوه براءة العالم وأدنس طفولته لأكون أنا السيد وأنتم العبيد .

انتم لا تستطيعون التمرد على لأن عزيمتكم أنهكها الجنس ، وخدرتها المادة ، وقضت عليها ميوعة الحضارة .

أنتم لا تستطيعون التمرد على لأن مرض التواكل قد نما فيكم وسقته مياه الأنانية النابعة من ذواتكم ، تمردكم على خذلان ، وغضبكم حسرة ، وثورتكم دعاء للسماء وتضرع للأولياء .

أنا الواقع القوى وانتم العميان الضعفاء ، وفى ضعفكم قوة لذاتى ودوام لارادتى " .

التفت الى أمتى فوجدتها تذرف الدمع فى صمت . وتأملت من شعبى فرأيته ينظر الى الارض وعلى ملامحه أحزان دهر طويل .

عند ذلك حاولت ان انقض على الواقع القاسى لأقتله فرمى بحفنة ثانية من تراب فى عينى ، فغاب عنى الوجود مرة اخرى ، وكدت أفقد الوعى .

اشترك في نشرتنا البريدية