-١-
كانت الرغبة عارمة الى زيارة المدينة المنورة . . وكانت هذه الرغبة الملحة تستبطن شعورا دينيا قويا ، الى جانب شعور عاطفي جارف .. فأما الشعور الديني فيتمثل فى الصلاة بمسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ، والسلام عليه ، وعلى صاحبيه وزملائهم من صحابته الكرام ، والتمتع برؤية معالم الهدى ومواطن السمو ، ومآ ثر الجمال والجلال ضمانا لاشراق نفس ، وازالة لاكدار الحياة المادية الرعناء الطاغية.. واما الشعور العاطفي الجارف فيتمثل فى الحنين المكبوت الذي يكاد ينطلق انطلاقة القذيفة المدوية ، نحو مراتع الصبى ومرابع الخلان والاهلين ، ففي المدينة لكاتب هذه السطور ، ذكريات لامعة . واستنشاق نسيمها المنعش يعيد الى النفس نشاطها والى الفكر لمعانه وبريقه ، والى الجسم حيويته وبهجته ..
وصح العزم ، وتهيأت الوسائل ، وكان التوفيق حليف الرحلة الميمونة . وفى مساء معتم الاجواء المحسة ، مشرق الأجواء المعنوية ، حزمنا امتعتنا ، ثم امتطينا سيارتنا الصغرى ، وكنا خمسة فى السيارة ، وتوكلنا على الله ، واتجهنا صوب الشمال وفى الروح حماس ، وفي العزيمة شبوب ، وللفكر ابتهاج ، وانشراح وغبطة ، ومضت بنا السيارة تنساب فى سرعة سريعة على هذا الطريق المعبد اللاحب الذي يراد له ان يصل بين مكة والمدينة ، وما هى الا ساعة واذا بانوار جدة الكهربائية تتراقص أمامنا واخترقنا الثغر القديم فى كيانه ، الجديد فى اهابه ، متجهين صوب الشمال ، واذا
بالطريق لا يزال مفتوحا معبدا امامنا ، كما كان ، وكذلك مضت السيارة بنا ، فى أقصى سرعتها تنساب ، وتتهادى مرتاحة هادئة ، لا زفير لآلاتها ولا زئير ، حتى اذا شارفنا رابغ ، حيث منتصف الطريق ما بين مكة والمدينة ، لم نشعر الا ونحن نترجح وتنقلب ، واذا بالسيارة التى كانت تسير هادئة متزنة قبيل هنيهة ، وقد دخلت فى معركة رهيبة مع هذا الجزء الفطري من الطريق الذي لما تصل اليه اعمال التعبيد الحديث وان كادت تلتهمه .. ومع ذلك فقد مضينا ومضينا الى الأمام ، وفى أعصابنا توتر ، نتيجة توتر اعصاب سيارتنا ، ولما نخشى ان ينجم عن هذه الحرب العون من تعطيل لبعض اجزاء السيارة التى تقلنا ، او توقف فى بعض آلاتها ؛ وطال الطريق او طال ، وطالت المعركة وتنوعت ، وازمع الطريق الذي لما يتحضر ، ان يحيلها معركة هائلة ، ان لم ينتصر علينا بها على طول الخط فلن يكون المنهزم على طول الخط ، واطلق قذائفه على لجوانب السفلية من السيارة ، وقد هلعت القلوب حينما توالى اطلاق هذه القذائف على السيار الصغير ثم ادركنا الفرج وابتسم لنا الحظ حينما أشرقت معالم " طيبة " الحبيبة بعد لأي ، ودخلناها فرحين ، فرحتين : فرحة ببلوغ البلد الحبيب ؛ وفرحة بسلامة الوصول ، بعد العراك الشديد الطويل .
وهدأ البال ، وزال الاشكال ، وصلينا فى مسجد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، وزرنا صاحبيه ، ومضينا الى زيارة الشهداء والصحابة والمآثر الصحيحة ، ودخلنا الحدائق الملتفة وشاهدنا فى المدينة النبوية نشاطا عمرانيا جديدا ، سببه الأكبر هذا التعمير العظيم الذى تقوم به حكومة الملك عبد العزيز آل سعود ، لمسجد الرسول ، مستهدفة تدعيمه وتوسعته ، منفقة عليه المرتخص والغالى . . واقمنا ما اقمنا فى المدينة ، نستذكر الماضي الحفيل وندرس صحفات التاريخ الجميل ، وتنتملى بمشاهدة مرابع الصبي ونستانس بمجالسة الاصدقاء القدامى ، والأهل والخلان . . حتى إذا عبت الروح العطشى من ذلك النور الطامى ، ماشاء الله لها ان تعب ، أزمعنا القفول ، وفي النفس آمال وآمال ، ولكننا سرعان ما تذكرنا وعورة نصف الطريق الآخروما قابلناه
-فيه من حرب عوان ، ولكننا ازمعنا القفول ، ولابد مما ليس منه بد ، وعدنا من حيث جئنا ، وقد صارت لناخبرة محدوده بمعالم الطريق وسرنا مساءا ايضا ؛ اتقاء لوقدة السموم والحرور فى الصيف اللافح ، وقطعنا الليل بالسرى ، وأول والنهار التالي بالسير حتى دخلنا مكة ضحي;سالمين ، حامدين الله جل وعلا على توفيقه وتيسيره وكذلك شأن من يستهدف الخير مخلصا فانه يحمد السرى ، وخيرا كثيرا يجني ويرى .
