قدر لى - منذ عدد من السنين - أن أقتني مجموعة أشعار الكاظمي التى أهداها الى ابنته (رباب ) ، وكنت يومها أعانى من دراستى للشعر الجاهلى مفرداته الحوشية ، وألفاظه الغريبة ، ومعانيه التى تبدو للمبتدئ غامضة صعبة المنال ، فلما اقتنيت هذه المجموعة لم أترك قصيدة منها الا وأشبعتها قراءة ودراسة ، فأعجبتنى تلك السهولة في تناول المعنى ، والاختيار الموفق في الالفاط التى قلما تنبو واحدة منها عن غيرها ، فباتت سميرى لعدة سنوات . وحقا لقد كانت هذه المجموعة سببا فى حبى للشعر الحديث ، وللكاظمى وشعره .
واكتشفت أن هذا الشاعر الفحل الذى لقب بـ (( شاعر العرب )) و(( شاعر العراق )) ، لم ينله من الدراسة والاهتمام الا القليل النادر ، الذى لا يكاد يتعدى الاشارة ، أو المقالة . ولولا اهتمام الاستاذ حكمة الجادرجى وابنة الشاعر ، باحياء آثاره لكان اليوم في عداد المنسيين من أدبائنا الذين هم بحاجة ماسة الى يد سحرية تعيد ذكراهم للناس .
ويوفق الله الاستاذ عبد القدوس الانصارى الى أن يخرج هذا الكتاب عن الكاظمى ، حياته وشعره ، فيروى به ظمأ عشاق الادب ويؤدى
تأليف الاستاذ عبد القدوس الانصارى - ١٣٨ صفحة حجم كبير - مطبعة دار العلم للملايين ببيروت
واجبا طالب به الادب وتاريخه ، الادباء والباحثين .
وهذه الدراسة التى تقع بين دفتي هذا الكتاب كانت حصيلة اجازة امتدت أربعة أيام ، تفرغ فيها الانصارى الباحث ، من كل شئ ، الا الكاظمى وشعره وما كتب عنه ، ولكن الحق ان هذه الدراسة القيمة ما كان لها أن تكتمل في أربعة ايام ، كما هو واضح من عنوان الكتاب ، فقد بدأ المشروع في اجازة عيد الفطر المبارك لعام ١٣٨٨ ه ، ولم ينته منه الا فى صيف عام ١٣٨٩ ه ، حيث راجع المؤلف جل ما ألف ووضع عن الكاظمى ، وما طبع له من شعر منذ عام ١٩١٩ م حتى عامنا هذا .
معنى ذلك أن الكتاب كان حصيلة جهد متواصل دؤوب ، أراد به مؤلفه أن يؤدي بعض واجب الكاظمى على أدباء العربية .
وقد استعرض الانصارى في حصاد عيده هذا ، مقدمات دواوين الكاظمى ومؤلفاته وذكرياته فى العراق ، كذلك استعرض الظلال
التى أضفتها صلته بمحمد عبده، والافغانى، والخديوي عباس حلمى الثانى ، وأحمد شوقي ، وعلي يوسف صاحب المؤيد ، والدولة العثمانية والدستور العثمانى ، على شعره ، كذلك أغراض الشعر الكاظمى من مدح ورثاء وفخر وغيره .
فقد اتصل الشاعر بجمال الدين الافغانى بالعراق ، وعاش في كنف محمد عبده ردحا من الزمن ، أجرى فيه له راتبا شهريا ثابتا ،
فلما توفى هذا ، حاول الشاعر التقرب من الخديوى عباس ، لينال ما كان يناله من محمد عبده ، فمدحه ومدح ابنته بقصيدة طويلة ،
ولكنه رد خائبا ، وقد تضافرت عدة أسباب أدت مجتمعة الى هذه الخيبة ، منها العداوة
التى كانت بين محمد عبده والخديوى ، ثم صلة شوقى ، الشاعر ، ببيت الخديوى ، وكان شوقي يخاف أن يحل مكانه شاعر آخر لاسيما اذا كان فحلا من طبقته كالكاظمى .
وقد أدى ايغار شوقى لقلب الخديوى على الكاظمى ، ان هجا الكاظمى ، شوقى ، بقصيدة طويلة (( مجلجلة بالنقد والوعيد والثبور وعظائم الامور )) ، وقد روى عن شوقى انه كان يكره من يتعرضون لشعره وشاعريته ، فلا يرد عليه النقاش مخافة منه أن يوغلوا في التعرض له .
وكما فعل معظم الشعراء العرب في مطلع هذا القرن ، فقد مدح الكاظمى ، الدستور العثمانى ، ويتساءل المؤلف الفاضل هنا عما اذا كان ما قاله الشعراء فى هذا الدستور (( موحى أو موصى به من بعض عملاء المندوب السامى في القاهرة ، أو هو شعور نابع من أعماق أولئك الشعراء بالذات )) !.
لقد كان لكل شاعر فى تلك الايام ظل يسير فى كنفه الا ما ندر ممن ابتعدوا عن السياسة ، وآثروا الراحة وهناء البال ، فكان هناك ( الحزب الوطنى) بزعامة مصطفى كامل ، وكان هذا الحزب يدعو الى الوطنية على أساس من الدين ، وكان يشن هجوما عنيفا على الاحتلال الانكليزى ، وله شعراؤه وكتابه .
وكان هناك ( الحزب الوطنى الحر ) بزعامة محمد وحيد، وقد أثرت عليهم (المقطم) تلك الصحيفة التى كانت أحيانا تبرر أعمال المستعمر .
وكان هناك أيضا ( حزب الامة ) الذى يقول عنه الدكتور محمد محمد حسين : (( كان قوامه جماعة من الباشوات)) ، وقد
ضموا اليهم جماعة من المثقفين ، على رأسهم لطفى السيد ، وكان اللورد كرومر يسميهم ( حزب الشيخ محمد عبده ) ، وكان يعقد عليهم الآمال في مستقبل مصر السياسى ، ثم نشأ عن هذا الحزب ( حزب الوفد ) ، وكان زعيمه ( سعد زغلول ) .
ثم هناك أحزاب وجماعات غير التى ذكرت كانت في لبنان وسورية والعراق ، وقد وقف شاعر كل جماعة من هذا الدستور الوقفة التى يمليها عليه حزبه أو جماعته الناطق باسمها .
ثم يعرض المؤلف الفاضل صلة الشيخ على يوسف ، بالشاعر ، فقد كان الشاعر يؤثره كثيرا بسبب من رعايته لحاله عندما تشتد الكرب به ، وقد حاول الشاعر أن يوسط هذا الصديق لدى الخديوى ، ولكن لم يكن الامر بالذى يستطيعه هذا الصديق ، ويعرض للعتاب المر أحيانا الذى وجهه الشاعر للشيخ في احدى المناسبات ويجيد في ذلك .
ثم يتحدث حديث الخبير عن موهبتي الارتجال وطول النفس عند الشاعر ، وفرق بين أن يكون المتحدث عن هذه الامور شاعرا وبين أن يكون غير ذلك ، اذ ان هناك أمورا في علم الشعر لا يدرك كنهها الا الشعراء أنفسهم، ممن خاضوا الشعر ، وثقفتهم التجربة الشعرية . و (( أنصاريات )) الانصاري ، تشهد له في هذا المجال .
وقد منح الكاظمي (( موهبة الارتجال مع التسامى في المعانى والتسامى في البيان )) ، فقد تبلغ القصيدة عنده ما يزيد على المائة بيت ومع ذلك فهى بنت ساعتها ، ومن وحي
مناسبتها التى لا يعد لها اعدادا . بل تفجؤه فيكون الفارس المجلى .
وعندى أن لا شاعر يشابه الكاظمى ، في طول النفس الا ابن الرومى مع الفارق بينهما ، فابن الرومى ، اذا قال القصيدة الطويلة فهى لا تكاد تتعدى مجال الوصف ، وعلة ذلك أن ابن الرومى دقيق الملاحظة ، لا تكاد تفوته صغيرة ولا كبيرة فى الموصوف، الا وأحاط بها فسجلها فى قصيدته ، أما الكاظمى فمعظم شعره من القصائد الطوال من غير تحديد للغرض أيا كان ، ففى المدح والهجاء والرثاء والوصف والعتاب زادت بعض قصائده عن المائة بيت ، وهذا ولا شك ميزة كبرى للشاعر على أقرانه ، كما ذكر رفائيل بطي ضمن ما استشهد به الاستاذ المؤلف الذى أجاد حينما سمى قصائد الكاظمى (( بالمعلقات )) .
لقد ندر أن نجد شاعرا عربيا أو كاتبا في بداية هذا القرن لم يخض قلمه ولسانه في ميدان السياسة ، لقد كانت السياسة ومقاومة المستعمر هى الشغل الشاغل لشعراء الوطنية تماما كما كانت الشغل الشاغل للشعراء الذين انحدروا الى مناصرة المستعمر وسياسته وحضارته ، تزلفا وطلبا للقمة العيش ، ولمغانم عاجلة .
وكان الكاظمى ، كما يقول المؤلف ، أحد شعراء الوطنية ، الذين أحسوا بفداحة الخطب الذى حل ببنى قومهم من جراء التفكك والتمزق الذى أصاب صفوفهم فهبوا لمناجزة المستعمر وأعوانه من النفعيين .
ومن غرر القصائد التى ما زلنا رغم مرور الوقت نحفظها تلك القصيدة الفياضة بالوطنية . التى يخاطب الشاعر فيها العرب، والتي أتى على معظمها وحللها المؤلف الفاضل، والتى منها هذان البيتان
سيروا ندب عن الحمى
ونرد عنه المستبدا
سيروا نؤلف شملها
ونعيدها عقدا فعقدا
لقد أحسن المؤلف الاختيار وهو يستشهد على آرائه القيمة في شعر الكاظمى ، فأضاف خلودا الى خلود بعمله هذا .
وأخيرا أحب أن أقف مع المؤلف عند الفصل الذي جعل عنوانه (( الكاظمى والدين الاسلامى )) ، لقد نعى فيه على الشاعر عدم تمسكه (( بالدين الاسلامى )) في شعره الذى بين أيدينا ، وهذا يعنى (( ان روح الدين الاسلامى في شخص الكاظمى نفسه وان كانت موجودة بسبب صلته في فجر شبابه بالشيخ جمال الدين الافغانى ، وبسبب من التزامه بتوجيهاته فانها لم تصل من القوة والعمق الى المكان الذي يغطي مساحة تفكيره كله دائما )) . ويستشهد على ذلك بشعر الكاظمى من أمثال البيتين التاليين في رثاء سعد زغلول :
سيان كان الدين نصرانية
في نصرة الاوطان أو اسلاما
انا اتخذنا ديننا استقلالنا
ولقد عبدنا الله لا الأصناما
ان صلة الشاعر بمحمد عبده ، وبجمال الدين الافغانى ، من قبله ، توضح المفهوم الذى قام يناضل عنه الشاعر في سبيل الوطن والبلاد ، ويعكس هذان البيتان ظلالا كبيرة من هذا المفهوم .
لقد كان من حق البحث على مؤلفنا القدير العلامة أن يغوص في توضيح صلة الكاظمى
بمحمد عبده (١) ، ومقدار ما أعطت الكاظمى نفسه من أبعاد وآفاق مقصودة ، جال فيها وصال ، تلك الآفاق التى منحت الكاظمى عاطفة دينية تكاد تكون سطحية بالقدر الذى يعرض فيه للدين الاسلامى في شعره .
لقد كان محمد عبده يمثل اتجاها معينا هو تقريب الدين الاسلامى من مفهوم الحضارة المادية الغربية ، واثبات ان الدين الاسلامى يصلح لهذا الزمان كما صلح لغيره ، بمعنى آخر ، كان لب دع دعوته (( هو الدعوة الى الملاءمة بين الاسلام والحياة في القرن العشرين )) وهى دعوة (( مبنية على ما يردده الغربيون من أن الاسلام دين متخلف لا يناسب العصر الحديث ، فهى محاولة للرد على هذا الزعم )) ( المنهل عدد شوال ١٣٨٩ ص ١٤٣٠ ) .
وكان أتباع محمد عبده من أمثال أديب اسحاق ، وغيره يرددون في كل مناسبة بأن (( الدين لله والوطن للجميع )) .
ولا شك أن الكاظمى كان أحد هؤلاء الاتباع والتلاميذ الذين كانوا يبثون دعوته ، فلا غرو أن يكون حديث الانصارى صادقا ، يصيب به كثيرا من الحقيقة الدينية التى كان يبشر بها الكاظمى فى شعره .
وليس خافيا أنه يبقى للمؤلف الفاضل دائما شرف البحث عن آفاق جديدة ، يخرج بها عن كثير من الاقليمية التى يتسم بها كثير من الادباء والباحثين هنا ، وشرف التعريف بالكاظمى لقراء العربية عامة ، وقراء هذه البلاد خاصة ، فمزيدا من البحوث القيمة ، والفتوحات الجديدة في ميادين جديدة من الادب والنقد والتاريخ .
( الدمام )
