الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

حركة العلم والادب فى الجزائر

Share

لم يقف تاريخ الجزائر حيث وقف ابن خلدون ، وإن وقفت الافلام بعده عن وصل عمله بحلقات من نوع سلسلته ، وذلك مظهر من مظاهر تدليه .

حقا أن حركة العلم والادب لم تنقطع من الجزائر بعد عصر ابن خلدون ، ولكن اعتراها الجمود والشلل ؛ وأصابتها طبيعة الانحطاط المطرد ، من تغن بفضل السابق على اللاحق ، تغنيا مشعرا بأن ذلك الفضل وهى لا كسبى ، واعجاب من المتأخر بالمتقدم اعجابا ميئسا من بلوغ درجته ، واكبار الخلف للسلف اكبار تقديس فى غير اقتداء .

لعل الاخ الكريم يريد بحركة العلم والادب الحركة الحاضرة ، ولكن الحاضر انما يبنى على الماضى ، والذى تريد مدحه ان لم تجد فيه نعوتا حقيقية نعته بنعوت سببية ، على أن للنعت السببى فائدة التذكير الموقظ للشعور الباعث للعزائم المؤيدة للنصيحة .

" - ان حركة العلم والأدب فى العصر الحاضر تمتد فى ماضيها نحو سبعين سنة ،

يمثلها فى نظرنا دوران : الدور المجاوي القروى ، والدور الباديسى الزيتونى ، ولزهادة كتابنا فى هذه المباحث كان هذا التحديد والتسمية من وضعنا فى هذا المقال .

المجاوى هو الشيخ عبد القادر المجاوى ، ومجاوة من قرى تلسان . تعلم بمسقط رأسه ورحل إلى ناس ، وجلس للاستفادة والاستزادة أمام شيوخ جامع القرويين ثم عاد ، وزارة قنطينة ، فاستقر بها للتدريس والتصنيف واشتهر ذكره ، فأمه الطلبة من البوادى ، وكان يحمل العلوم المقروءة بالقرويين يدرسها باسلوب يقربها من فهم البليد . فكثر تلاميذه لذلك ، ثم توظف عند الحكومة فى التعليم الرسمى بقسنطينة ثم بالجزائر : واتفق أن زار بعد ذلك قسنطينة ، فتوفى بها ودفن فى مقبرتها العامة - رحمه الله .

ومصادر التعليم فى الدور المجاوى ثلاثة ترتبها حسب ترتيب اهميتها فى نظرنا المصدر الاول التعليم الرسمى . مقسم إلى ثلاث درجات : الدرجة الابتدائية لها شيوخ فى مساجد مخصوصة بمدن الوطن وبعض قراه ، وليست له مدة مضبوطة وإنما يجد بالامتحان .

والدرجة الثانوية لهائلاث مدارس بقسنطينة وتلسان والجزائر عددا معينا تنفق عليه الحكومة ، وسنواتها أربع ينتقل فيها من سنة إلى أخرى بالامتحان

والدرجة العالية . لها قسم واحد فى الوطن بمدرسة الجزائر . ومدتها سنتان والتعليم الرسمى مع كونه نظاميا ليس فيه تجديد من ناحيتة العربية . فكتبه قديمة وطريقته قديمة ، نعم تعلم الفرنسية فى المدارس الثلاث إلى جانب العربية ، فاستفاد التلاميذ من ناحيتها شيئا من حرية الفكر ومقدارا من الشعور ونصيبا من تقدير الحياة . وثمرة هذا المصدر هى التوصل إلى الوظيفة . أما العلمية بالتدريس فى المساجد ثم المدارس ، واما الشرعية بالانتظام فى سلك القضاء الاسلامى ، وأما القانونية بالوكالة فى المحاكم الابتدائية اسلامية ومدنية .

وفائدة العلم والادب من هذا المصدر هى فائدة الحكومات ، نعم لكل

قاعدة شواذ ، ولكل عموم خصوص فهنالك من خريجى هذا المصدر من نفع بعلمه ومن زان القضاء بسيرته ومن حرك الشعور بأدبه تحريكا ما .

المصدر الثانى الزوايا ، وهى فى القسم القبائلى ولا سيما زواوة مؤسسات علمية وفى غيره مؤسسات طرقية غالبا .

تدرس بهذا المصدر كتب خاصة فى الكلام والفقه والعربية ، وهو يؤوى من التلاميذ الكثير جدا ويزيد على التعليم الرسمي بتحفيظ القرآن وتعليم الرسم المصحفى ، وينقص عنه فى حرية التفكير وتربية الملكة . ويتفق معه فى فلة الاكفاء من الشيوخ وضعف مادة التعليم وجمود الأسلوب ، ويخالفه فى توجيه خريجه . فخريج المصدر الرسمى يتجه غالبا نحو الماده والعمل لها . وخريج المصدر الثانى يتجه غالبا نحو الزهادة فى الكسب ، وفائدة العلم من هذا المصدر تقديس أهله ، وفائدة الأدب تحميس المريدين

المصدر الثالث التعليم الشعبى ويكاد ينحصر فى تحفيظ القران وتعليم رسمه وهو فى هذا أكثر تلاميذ وأعم مراكز ، تجده بالمدن والقرى والبوادى ، أما تعليم العلوم فلا تبلغ مراكزه بالوطن كله العشرة فيما أرى .

والتعليم الشعبى يتقاضى معلمه أجرته من جماعة لا يد للزاوية فى تكوينها ولا نظام لها فى جلساتها وماليتها ، بل يجتمعون عندما تكون للمعلم حاجة إلى جمعهم ، ويقبض المال من كل واحد منهم المعلم نفسه .

وليس لتعليم الزاويه والجماعة مستقبل ينتظر خريجه ولا امتحان يكشف عن حال المتعلم ، وإنما يتخرج متخرجه باجهاد الشيخ واذنه فياخذ فى البحث عن عمل ، فلا نجد عند الشعب والزاوية لمهمته محلا إلا قليلا ، ثم لا يجد إلا الحزابة والامامة والافتاء ، وهى وظائف مجدودة العدد ، والحزابة تلاوة حزب مقدر فى وقت معين بمسجد خاص .

ان دراسة هذا الدور المجاوى تنتج انه لا يختلف عن ادوار الانحطاط قبله الا فى التعليم الرسمى . وانما اضفناه الى هذا الشيخ لكثرة تلاميذه فيه ، لاسيما

يعمل قسنطينة . وقد كان لعهده شيوخ علم وتعليم : ولكنهم لم ينتجوا انتاجه ولا شهروا شهرته .

وقطعنا هذا الدور عما قبله لان نبغاء الأدوار السابقة عليه لم تتصل معهم نهضة يعدون نواة لها . اما الدور المجاوى فقد اتصل بالدور الباديسى دور اليقظة والنهوض .

واشهر علماء هذا الدور الشيخ حمدان الونيسى القسنطينى الذى هاجر الى المدينة المنورة ، وتوفى فيها رحمه الله . وهو من تلاميذ الشيخ المجاوى .

وأشهر أدبائه ولكن من غير تلاميذ المجاوى الشيخ عاشور الخنقى من خنقة سيدى ناجى على ابواب صحراء قسنطينة ، كان هجاء بليغا قلما تجيد فى الثناء قويا فريضه ضعيفا نثيره . ولم يدون من شعره الكثير القصائد ، القليل الاغراض الادبية ، الامادونه هو نفسه فى سفر لطيف . وهو خاص بقضية الشيخ صالح بن مهنا الذى حمل حملة علمية اثرية على الطرقية ومدعى الشرف . وقد سمى سنمره ذلك " منار الأشراف على فضل عصاة الأشراف ومواليهم من الاطراف " نهض لنقضه منافسه على زاوية الهامل اسبح محمد بن عبد الرحمن الديسى من جنوب عمل الجزاء وسمى نقضه " هدم المنار وكشف العوار "

ويغلب على هذا الدور التقرب من الزوايا والتسليم لشيوخها احياء وكان الشيخ الصالح بن مهنا - رحمه الله - ممن ارتحل الى المشرق وقرا بالازهر فلما عاد الى قسنطينة وولى امامة جامعها الكبير اعلن نكيره على العجزة من ابناء الاشراف والزوايا وعلى القضاة فى حكمهم بما فى الاعمال القاسية وان خالف الثابت فى الصحيحين . فلقى فى ذلك من الشيخ المجاوى وتلاميذه والشيخ عاشور ومغريه مالا قبل لأحدبه . ولم نجد معه غير قؤاده المشيع وقلمه المصمى . فتد كان كاتبا بليغا ومحدثنا فقيها .

ولم يترك لنا هذا الدور من الآثار القلمية المعبرة ، عن روح عصره غير ما كتب فى هذه القضية . وما عداه من التأليف والقصائد تقول فيها الأدوار السابقة " هذه بضاعتنا ردت الينا " .

ومادة التدريس فى هذا الدور هى مادة المتن والشرح والحاشية . فان كان للحاشية تقارير فتلك سدرة المنتهى . ومادة التذكير والوعظ هى كتب المناقب والرقائق. أما التفسير والحديث فهما محترمان احترام الخليفة العباسى القائل:

أليس من العجائب ان مثلى يرى ماقل ممتنعا عليه

وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا وما من ذاك شئ فى يديه

اليه تحمل الاموال

ويمنع بعض ما يجى اليه

تراهم حتى القادرين منهم على فهم التفسير والحديث وتفهيمهما يكبرون تدريسهما وتحكيمهما ا كبارا منفرا لمتبعهم عنهما وقادحا فى دياه من لا يقلدهم فى الأعراض عنهما :

والشيخ المهدى الوازانى - رحمه الله - من علماء فاس وممن شارك فى الحملة على ابن مهنا ، كتب رسالة فى السدل ينقض بها رسالة الشيخ مكى بن عزوز - رحمه الله فى القبض . وجاء فيها بحديث زعمه دليلا للسدل ، ومعارضا راجحا لدليل القبض . ثم اعتذر بانه انما استدل بالحديث مجاراة للخصم !.

ولا ندع هذا الدور حتى نسجل ان حركة التعليم به دون حاجة الشعب فنسبة متعلمى الكتابة الى الأميين نسبة ضئيلة مخجلة . وهنا ندع الدور المجاوى معتقدين اننا عرضناه عرضا يصور لنا مبلغ حركته فى العلم والأدب ، ويقف بنا على ما استعادته الجزائر من جامع القرويين اجمالا,

(يتبع ) ميله - الجزائر

اشترك في نشرتنا البريدية