باب الأسد والثور ( تابع )
قال على بن الشاه سطا على الفارسى رأس السلالة التى منها انحدرت وهى سلالة سحوان رحمه الله وبرد ثراه . تفرقت طرائق وتمزقت حرائق فاستقر منها فى بلاد المغرب شظايا اكلت الغله ودخلت فى المله واغرتها شمس هذه السواحل الآمنة المطمئنه فضربت فى الخضراء خيامها ووجدت من عاشرت من اهلها وغير اهلها فأقامت فيها على ألفة ووئام الى يوم الناس هذا ولله العودة والمآل .
قال جدنا المرحوم سحوان فى مذكرات له عثر عليها والدنا بين ركام زاوية الشيخ مرزوية بن مهرويه صاحب كتاب (( الأنات )) يوم هدمت البلدية حرم الشيخ بوازع التجديد ووجوب توسيع الطرقات والتمديد وهو وازع محمود وواجب للتعمير منشود . قال تغمده وآله اجمعين رب الخلق بالطافه فى هذه الدار الاريضة وفى دار الآخرة الواسعة العريضة .
قال : (( لما انفذ كسرى أنو شروان بن قباذ بن فيروز ملك الفرس ، رأس الاطباء سطا على بن برزوية الى بلاد الهند لأجل كتاب رأس البراهمة بيديا الفيلسوف ، حضر اليه الرجل الذى استنسخ الكتاب له سرا من خزانة الملك ليلا وادعى الرجل انه نسخ الاوراق التى عثر عليها على ضوء شمعة شحيحة ذابت فلم يجد من الوقت ما يكفيه لعمل كامل النسخة فآثر ان يظفر منها بما تمكن من جمعه من الاوراق وهى من باب الأسد والثور الذى هو بأول كليلة ودمنة الذى ترجم الى لغة العرب فى صدر الدولة العباسية . لكنه رجع الى الخزانة فى الليلة التالية وتمكن من نسخ بقية الاوراق فلم يستطع تسليمها الى ابن برزويه الا بعد طبع الكتاب لاسباب لا يعلمها الا الله فحفظها جدنا فى ملفاته ولم يتلفها رغم اسفاره وتنقلاته فتوارثها الابناء والاحفاد أبا عن جد وها هى ذى اليوم تطلع على الناس فى ترجمة حاولنا أن
تكون فى متناول كل يد رغم فصاحة العبارة وايضاح الاشارة واحكام المبنى . وقد يعتريها بعض لفيظات املاها علينا العصر وفرضها على ذوق القراء (( قوم المجددين الطلائع )) وهم - كما نعلم - لا يقيمون لبلاغة الاجداد وزنا ولا يستعملون الحال الا اذا كان لا مناص من المحال ولا يبدؤون بالمبتدإ ولا يرفعون الخبر ولا ينصبون المفعول به اذ لا يعتبرون فى الجملة غير فاعلها الفاعل . وهم أصحاب العصر وهم ادرى بالذى فيه . وقد عولنا ونعول دائما على عناية رب الخلق الذى علم الانسان ما لم يعلم وتحفزنا لهذه الترجمة لنثمر باذاعة الوريقات الاضافية هذه حديقة ثقافتنا (( الاصيلة المتفتحة )) المشرقة بطوالع العرفان والتنوير ، غفر الله ذنوبنا والزلل والعثرة وسترنا فى الدارين الآخرة والاولى بحرمة طه ويس وكرامة جدينا الحسن والحسين ... آمين .
حمراء مثورة (1) الأسد
الأسد فى المثورة :
لما حمل نوح عليه السلام فى سفينته من كل زوجين اثنين قال أصحابه : كيف نطمئن ومعنا الأسد ؟ فسلط الله عليه الحمى وهى أول حمى نزلت فى الارض قال بيدبا الفيلسوف الى الملك دبشليم :
الأسد من السباع والانث أسدة . وله اسماء كثيرة . فمن اشهرها أسامة والحرث وقسوة والغضنفر وحيدرة والليث والضرغام . ومن كناه أبو أشبل وأبو العباس وغيرها كثير .
وأسد قصتنا أيها الملك العظيم من فصيلة تشبه وجوهها وجه الانسان . وجسده كالبقر تماما - بقر الجنة بطبيعة الحال - وله قرنان سوداوان طولهما نحو شبر . ولدته أمه بقف من الارض يابس عابس فى مثورة كان يؤمها ويقيم بها ثلاثة ثيران . ثور ثور وثور نصف ثور وثور لا ثور كالبشر تماما منهم الرجال وانصاف الرجال واشباه الرجال ولا رجال .
وكان أول ثيراننا ابيض ناصع البياض فى لون اللبن فى لون الثلج فى لون البرد .
وكان الثانى اسود قاتم السواد فى لون الفحم فى لون التوت فى لون المداد . وكان الثالث بين بين . أعلى وبره أغبر وأوسطه أحمر وأسفله ادكن . فى لون براقش يدل على أخويه وعلى ما بالاجمة من دقاق الحيوان وغلاظها بالليل والنهار .
وكان بعض الصيادين قد ضربوا أرواقهم حول الاجمة يتربصون بالثيران الدوائر ويضمرون لهم وللأسد الغوائل . فقد اقتنصوا أم الأسد فى يوم مشؤوم ثم اختطفوا والده فى ليلة نحس . واوثقوهما وقادوهما لحديقة البلفيدار وألقوا بهما فى قفص من حديد وانهما ليتميزان من الغيظ فى سجنهما إلى يوم الناس هذا لا حيلة لهما ولا طول . فليس العاقل ايها الملك العظيم من يحتال للامور اذا وقع فيها وانما العاقل الذى يحتال للأمور أن لا يقع فيها كانا فى غفلة وهما يحتفلان بالمولود الجديد فتركا النظر فى العاقبة . كانت الأسدة يومها تستظل من الهجير وكان الأسد ليلتذاك رابضا على حجر يفكر فى لحيته وقد وخطها بعض الشيب كيف يقتلع شعيراتها البيضاء ... كان حجرا على حجر لا يعلم ان أنفه فى السماء وأسته فى الماء . ولعله كان يعتقد انه كحمام مكة لا يثار ولايقنص . لم يكن ليتوقع انه سيقضى وزوجته ليلته تلك وراء قضبان الحديد فى قفص الحديقة .
وبقى الأسيد الولد فى وجاره قطعة لحم هامدة بها بصيص من حياة . فوحده الارقش أبو براقيش فى الصباح الباكر بين الثمام والضغه والخلة والاسليح والغمضة والعضاه (1) .
فما كان من صاحبنا الثور الا ان وضعه بين روقيه واخترق به السبخة جذلان يملأ الزهو جنبيه الى أن انتهى الى المثورة . ودار بين الاخوة وقطعة الأسد بين قواتمهم حوار طويل نقتصر على الممو منه . . . على ما قل ودل ..
الحوار :
قال الأسود : هذا عدونا ابن عدونا من يوم السفينة ومن ايقظ نفسه وألبسها لباس التحفظ نجا من المصائب وسلم من المكائد . لقد تضاغنا مع السباع
وشابت فى الضغن والاحقاد قرون آبائنا وأجدادنا فلم يخلصنا من ضرسهم وظلفهم والمخالب الا نوح عليه ألفا سلام وهؤلاء الصيادون جازاهم الله خير على حسن الصنيع . . . ووقانا من شرهم آمين .
وقال الابيض : انا على فكرة أخى . . الثور يحمى انفه بروقيه . . لكن من يحمينا من هذا اذا اشتد ساعده وطالت انيابه ؟ سيكفر صنيع من احسن اليه فوالله والله . . . واللازمة والحرام لو نزحت البحار وكنست القفار ما وجدت فى الغاب اغدر من هذه القطعة من اللحم ...
فأردف الأسود محذرا : اياك . . . اياك . . . الحية تدور وتدور لكنها الى الرحى ترجع ... والشبل هذا من ذاك الأسد .
فتارت ثائرة الثور أبو براقش وقال والتيه ينفخ صدره وشدقيه : الخضوع عند الحاجة من الرجولة وما أرانى الا أقربكما الى الحكمة والسداد . لقد حسبت لكل شئ حسابا بالمسطرة والكمباص . هذا آخر السباع فى الغاب . . . يأكلنى سبع ولا يقتنصنى صائد . . ومن ادراكما . . لعل المهدى الذى ننتظر . . لقد قهرنا القناص وقطعوا دابر جد أمنا وما بقى حولنا الا الجراد والسنانير والجرذان والعقارب والحيات . . عزل نحن .. عزل . . وسني عزلا ان لم ننسب هذا الأسيد الينا وندمجه فى فصيلتنا ورب أخ لم تلده أمك يا أخى . . . رب أخ لم ينجبه أبوك ...
فقال الأسود متحاملا : الحمق غريزة فيك دواؤها الموت . لقد كسد رأيك وفسد عقلك . ولا توجس خيفة من هذا الشئ الذى بين يديك ؟ ان فرائصى لترتعد من الخوف . . . اياك اياك ! سيكون لهذا الشبل فى امرنا مزاعم ومطامح ٠٠٠
فأجاب الارقش فى خبث : الاحمق أنت ... سوادك يظلم الحكمة امام عينيك . أراك كثير الكلام سريع الحكم راكبا رأسك . وما ضر . . نعم ما ضر لو تزعمنا وهو آخر السباع ؟ فهو سيفنا المسلول على الاعداء . . اما رايتهم حولنا يترصدون ؟ انظر الى هذا الملاك الوديع ... انه من بقر الجنة لا ينطح ولا يرمح . . . أقلبك من حجر ؟
فقال الأسود متثائبا وكأنما أضجرته مقالة أخيه الارقش : حمقك من طول لحيتك . . نعم ...من طول لحيتك . . . سلنى لماذا ؟ فسأله الارقش : لماذا برب الثيران ؟ تكلم . . . وإن كنت أعلم مسبقا انك اذا قلت افحشت وان سئلت بخلت وان سألت ألححت وان تكلمت تجشأت وان قيل لك لم تفقه وان جلست قعدت ( أوقعت اذا وجب الادغام ) وان نهضت
ضرطت ( أو ضرت اذا وجب الادغام ) تكلم يا سى طباله وأوجز . فأردف الأسود فى لوم : لتكن أمه اذا شئت وأباه . . لكن اعلم ان عينية تضيئان بالليل . . فمن منقذك منه يوم الكسب وقد تضاءلت الضباع ؟ .. الأسد اذا جاع كفر .
فقاطعة الارقش فى حدة : الكلام عن لحيتى لا عن عينيه وإلية الضبع وزمارة الصرار . قل . . . ما دخل طول اللحية فى حماقتى ؟
فأجاب الأسود فى لهجة المعلم : الا فاعلم ان مخرج اللحية من الدماغ . فمن أفرط طول لحيته قل دماغه ومن قل دماغه قل عقله ومن قل عقله فهو أحمق . والعبرة يا أحمق فى مخرج الدماغ .
فسيكت الارقش وكأنه يستنجد بأخيه الأبيض . . . لكن الأبيض سكيت من طبعه . فقد ظل صامتا وابتسامة عريضة على شفتيه . واطرق الارقش طويلا ثم صاح فى وجه الاسود .
قال الارقش لأخيه : نعم سأكون أمه وأباه . . سأكفله ... مسكين هذا الأسيد ... تلده أمه قطعة لحم وتستمر تحرسه ثلاثة ايام ثم يأتى أبوه فيفح فيه فتتفرج اعضاؤه وتتشكل صورته ثم ترضعه وتستمر عيناه مغلوقتين سبعة ايام ثم تفتح ويقيم على تلك الحال بين أبيه وأمه الى ستة اشهر ...
وهنا قاطعه الابيض مستخفا . . . وعندها يتكلف الكسب والسعى ... لكن الارقش تابع فى غير اكتراث كأن لم يسمع ما قاله الابيض . قال : الأسد من معدن شريف . . أبى النفس لا يعاود فريسته ولا يأكل من فريسة غيره . .
فقال الأبيض : لكنه متى أكل نهش نهشا . . . وما ينفعك إن قض عليك ان يعاودك أو لم يعاودك ؟ فلم يجب الارقش عن سؤال أخيه بل قال متحمسا : سينهش أعداءنا نهشا ... نحن فى حاجة الى ساعده الى فكيه الى عينيه الى دماغه الى عبقريته . من يقدم على الامور غير الأسد ؟ من يقينا غوائل الصيادين غيره ؟ من ؟
فقال الأبيض متسامحا : لا تصرخ هكذا كالمعتوه ... سنحنو على أسيدك يا ابا براقش . . . لكن . . أوصيك أوصيك . . . كن ثورة يوم يجد الجد . . وتحيض اذا أردت أن تسلم .
النار تأكل بعضها : ( 1 )
كبر الأسد أيها الملك العظيم وبلغ اشده وصال فى البطاح وجال وألب قلوب الدواب جميعها الساعية منها والزاحفة على العدو المشترك فكانت كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا . كان الأسد يتهمس فى البقاع ويشم الصيادين شما فلا يلبث أن يوقع بهم . والحيلة أيها الملك العظيم من فوائد الآراء المحكمة السديدة . وهى حسنة ما لم يستبح بها محظور فللضرورة احكام والضرورات تبيح المحظورات احيانا . . . حتى قيل فى كل الاصقاع انه أباد القناصين عن آخرهم اذا سمع احدهم وهو بآخر رمق يقول : (( اللهم خفف خبزتى . . . فهى فى هذا البلد عبء . . اشهد أن أبا العباس هذا (2) اشجع من عرف الزمان من السباع )) وقضى نحبه وهو يلهج بذكر الأسد وينوه بشأنه ... وكان رحمه الله برحمة الصيادين آخر المقيمين .
وساد السلام ارجاء المثورة . . . مثورة الأسد . . واستأسد الثيران واستأسد كل ذى ناب وذى مخلب وكان الأسد يحفزهم ويستنهض الهمم .. ونزل المثل السائر فى زماننا فى ذلك الظرف بالذات فقيل : (( إن البغاث بارضنا يستنسر )) كان السلام كالماء القراح كالعسل المصفى لا شائبة فيه ولا كدر .
لكن حلت بالقوم عين . . . والعين أيها الملك العظيم حق . . . فما لبث لخصام ان فرق بين اخوان الصفاء وخلان الود والوفاء اذ تسرب الحقد الى قلوب الثيران فكادوا المكائد ودسوا الدسائس وحفر كل أخ لأخيه جبا ليوقعه فيه .
فاذا الأسد من أمرهم فى حيرة . . . كان يعتقد - وهو طيب القلب سليم النوايا - انهم اذا اتحدوا كانوا قرة العين وجلاء الصدر . . . لكن ٠٠ العين
حق . فقد عم الشغب وكانت الفتنة والعياذ بالله . فثار الأسد واستشاط غضبا . وصيد الطير بالطير . . . والناس أيها الملك العظيم اتباع لمن غلب .
كان الأبيض يدعى ان الأسود فى الظهيرة كالعلم المنشور على الوهاد . وان سواده منارة لكل صائد وهدف لكل مناوش . . . مرمى متاح مبين . فاغتيل الأسود فى النهار المبصر .
وكان الأسود يدعى ان الأبيض ركيك اللون - كان الأسود يكره اللبن - كالنبراس فى الليل ينير السبيل . فاغتيل الأبيض فى صخب الدهماء ... ليلا . . . فى سكون مقيم .
وصاح صائح فى الغاب يبشر برجم التمثال اللعين وقيل كفانا الله شر الاثنين ... شر الطرفين . . . شر النقيضين . وخير الامور اوسطها . الارقش ضالتنا . . . والأسد .
ومن جرائر الثورين المستبدين الضالين انهما لم يجمعا القوم قط على أمر لاستشارة واستخارة ... بدعوى انهما اذا استشارا الواحد من القوم دون ان يعلم الآخر لا يقع بين الواحد والآخر مناقشة ولا جدال فالمحاورة فى رأيهما تذهب اصابة الراى . لان من طباع المشتركين فى الأمر ( أو الاشتراكيين ان اردنا الاختصار ومسايرة العصر باستعمال مصطلحاته ) التنافس والطعن فى بعضهم البعض . وربما سبق الواحد الآخر بالراى السديد فحسده القوم وعارضوه .
كان الأبيض يقول : فى اجتماعكم للمشورة تعريض السر للاشاعة . وكان الأسود يقول : إذا اذيع السر لم اقدر على مقابلة من اذاعة (1) للابهام .
ويقول الأبيض : ان عاقبتكم جميعا عاقبتكم بذنب واحد منكم . وان عفوت عنكم الحقت الجانى بمن لا ذنب له . لذلك تروننى لا أجمعكم على أمر استشيركم فيه لانكم من عباد الاشاعة .
ويقول الأسود : انى لا استشير الا من شبع وارتوى فاملأوا بطونكم تكتمل عقولكم وعندها . . . أنا لها . . .
ويقول الأبيض : وكيف يستوى العاقل والجاهل والسفيه والرشيد ... وما حكاية الوحدة هذه ؟ كيف تريدون أن يؤلف بين الضب والنون ؟
وهكذا اتحد الخصمان بالتقاء ساكنين . حذف السابق ولم يصلح اللاحق فحذف بدوره . . . فلا ساكن ولا علة .
وبقى الارقش وحده فى مثورة الأسد . . .
خاتمة باب الأسد والثور :
من قال من الثيران : (( يعلم الله أنى أكلت يوم أكل الثور الأبيض )) ؟ لم يجب بيدبا عن هذا السؤال أيها الملك العظيم لكنه ختم مقالته بهذه السطور :
((كانوا ثلاثة ثور لا ثور وثور نصف ثور وثور ثور كالبشر تماما منهم الرجال اشباه الرجال والرجال انصاف الرجال والرجال الرجال )) .
وبقى الأسد فى مأسدة الثيران عبوسا شموسا مصلخدا . عيناه فى الدجى كجمر الغضى . . . يديل بانيابه الحداد كانها الخناجر المصلته على رؤوس الزافرين الناعبين المشاغبين ... عتيد عتيد ... الأسد الأسد . . . لا يقضى الا بالعدل ولا يحكم الا بالسنة ::: فلم تناحرت ابقار الجنة ؟ ولم أحمرت مثورة الأسد ؟
( انقضى باب الأسد والثور ) = ويتبعه بحول الله وعونه فى كتاب كليلة ودمنة (( باب الفحص عن أمر دمنة )) )

