الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

حوائل النهضة الأدبية الموريتانية،

Share

                        - 1 - الادب الموريتانى مهمل تماما من طرف وسائل الاعلام العربية ، ومن كل ساحشن والكتاب العرب ، وهذا الادب مجهول تماما عند الخاصة والعامة على امتداد الوطن العربي . واعتقد أنه دون غيره من الآداب ما يزال مطمورا مقصوص الجناح ، ولم يسمح له بعد أن يصبح رافدا مؤثرا ومتأثرا من روافد ما يسمى بالنهضة العربية المقتبسة عن الغرب .

اما سبب هذا الاهمال فهو معروف لقد اعتدنا فى الوطن العربي أن ان نحتكر وسائل اعلامنا للتعريف بأدبنا وفنوننا وثقافتنا . . ثم إن أول صحيفة يومة موريتانية ظهرت في سنة 1975 . . ولم تبدا الدولة الموريتانية فى جمع واحصاء وتوثيق تراثها المكتوب الكلاسيكى منه والحديث الا فى السبعينات ، ولم تبدأ بعد مرحلة التعريف به . وهذا التقصير الذانى من طرف الموريتانى نفسه ، واللامبالات من طرف المواطن العربى جعلا من الادب الموريتانى نسيا منسيا .

أما ما كتب فى الازمنة المعاصرة للتعريف بالثقافة والادب والاريخ الموريتانى فقيل ، وقليل جدا . باللغة الفرنسية نجد الصنفات التالية " مقاطعة أدرار " ( للعقيد غورو ) ، و " التغلغل داخل موريتانيا " ( لبريفتال جيليان ) ( 1926 ) ، و " صحراء خصبة " ( لكرستين غارنييه  ) (1960 ) و " مدخل للتاريخ الموريتانى " ) لجنيفاف ديزي فلمبن ( 1962 ) . وكلها ذات قيمة تاريخية محدودة تشويهية ، كلها مغالطات تبرر تجاوزات الاستعمار وتظهره فى إشراقة الشمس ونصاعة الثلج وتظهر الموريتانى فى سواد الفحم .

كما نجد بعض المصنفات بالعربية وهى : شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون " ( ليوسف مقلد ) ، و " جمهورية موريتانيا الاسلامية "  ( ليونس بحري ) ، و " تطور الادب فى موريتانيا " ) لأحمد بن أحمد الموريتانى ) ، وهذه المصنفات ، بالرغم من نواياها الحسنة ، تنقصها مراجع التوسع والمنهجية الصارمة والتقيد العلمي الضرورى لمثل هذه المباحث الرائدة .

وقد أصدرت مجلة " الفكر " التونسية ( س 23 - ع 2 - نوفمبر 1977 ) بالتعاون مع رابطة الادباء الموريتانيين ملفا خاصا بالادب الموريتانى ، يقع لاول مرة فى تاريخ المجلات العربية ، على ما أعلمه . وأنا اعتبر أن هذا الملف هو قنطرة عبور شيدتها هذه المجلة ، لتدعيم التواصل بيننا وبين شقيقتنا موريتانيا .

- 11 - حشد الاستعمار طاقات هامة للحد من كل مد ثقافى وحركة ادبية بقمع كل محاولة حادة للكتابة اشتكى محمد بن محمود بن يدره فى تأليفه من صعوبة التأليف نظرا لوجود الحاكم الفرنسي كابولانى فى البلاد . كما عمل على القضاء على كل المخطوطات المعبرة عن الاصالة ، إتلافا ونهبا ، وكل ما رمى اليه هو إيجاد فئة تكتب بلغته لكي تبرر تجوازاته من ناحية وترسخ لغته وثقافته فى الشعب الموريتانى من ناحية ثانية ، وقد استعمل لذلك كل المغريات المادية والحبل التنظيمية ، لكن بدون جدوى لان الرفض للحضارة والثقافة والتعليم الفرنسي كان مطلقا ، وبالتالي بقيت موريتانيا محافظة على كل نظمها الاجتماعية والسياسية والثقافية والتعليمية العربية الاسلامية وبقيت خارج دائرة الانماط الادبية الغربية من شعر حر ورواية وقصة ومسرحية واعتبرت أن الاستسلام لمثل هذه التيارات كفر وردة يقطع على مرتكبها طريق التوبة .

بداية من سنة 1936 ، بعد انتهاء المقاومة الشعبية مباشرة عمل الاستعمار على تعميق التركيبة الاجتماعية القائمة على القبلية ، أى صيرت التكتل القبلى هو النموذج السياسي والاجتماعى لكل عناصر المجتمع الموريتانى الابيض منه والاسمر ، ولم يتح لها أن تحقق وحدتها حول زعيم فرد أو عاصمة قاهرة ، وبانعدام مفهوم الامة ، أخذت القبلية كل الصلاحيات ، منها الثقافية طبعا كما انتهج الاستعمار بداية من السنة المذكورة سياسة " تهدئه " . . لان

الاستعمار يدرك جيدا ان الوحدة القومية الموريتانية والشعور بالانتماء هو الخطر الوحيد القادر على تفتيته . وطبيعة التركيبة القبلية تلفظ احلال اية ثقافة - وخصوصا الغربية منها - مكان ثقافتها التقليدية السلفية .

- 111 - مناخ موريتانيا شديد القساوة شديد الحرارة ، صحرؤها الفسيحة ، عزلتها عن كل بؤر الثقافة المتوسطية ولافريقية ، اقتصادها أعجف يرتكز بالاساس على الزراعة البعلية وتربية الماشية ، كل هذه الحوائل جعلت منه شعبا راسخ الجذور فى تقاليده وعاداته ، ثابتا فى دينه ، بسيطا فى معاشه وملبسه ومسكنه وبالتالى عرقت عنده عملية اقتباس الانماط الادبية الحديثة .

ثم إن هنالك عدة لهجات متواجدة فى موريتانيا ، وهي الحسانية وهى عربية محرفة وفيها الكثير من الالفاظ البربرية ، وهنالك اللهجة الصنهاجية وهى قريبة من اللهجة الشلحية وفيها ألفاظ فرنسية وهناك اللهجة التكرورية واللهجة السرغية واللهجة الوليفية . كما أن هنالك فئتين اجتماعيتين . الفئة الاولى وهى العربية ، وتمثل أربعة أخماس السكان ومساكنهم غرب الصحراء ) على شاطئ المحيظ ) وهؤلاء العرب هم أحفاد المرابطين من لمتونة وعدالة ومسوغة ، وتنقسم هذه الفئة او ثلاث طبقات ، الاولى تمثل سيادة السلاح والحكم ، والثانية تتولى الخطط الدينية والتعليمية ، والثالثة تقوم بالحرف والصنائع وكل وجوه الحياة . وعلى هذه الطبقة مغرم لطبقتين الاعلى . والفئة الثانية وهم السمر وهي خليط من السرغلات والتكارير والفلان ، وأقلية من الولف ومساكنهم شواطئ نهر السنغال . وكثرة اللهجات وهذا التقسيم الفئوى العرقي الطبقي ساعدا بدون أدنى شك فى عرقلة النهضة الادبية الموريتانية ، وقد اضمحل الآن .

                                - ١٧ - " المحاضر " فى موريتانيا هى عبارة عن مؤسسات تعليمية وتربوية أسسها الداعية المرابطي عبد الله بن ياسين ، حافظت وحدها على المقومات الدينية والاخلاقية وعلى الاسس الثقافية والادبية للشعب الموريتاني على امتداد قرون وبالاخص الكاوية منها . وكانت قواسمها المشتركة هى الانتماء الى المذهب المالكى فى الفقه والمنهج البصرى فى النحو والنمط الجاهلى فى الشعر . وكانت

كلها تدرس المعارف الاسلامية بجميع أبوابها بدرجة أولى القرآن ورسمه وضبطه وتجويده ، والحديث ومصطلحه والسيرة وغزوات الرسول وصحبه وفتوحاتهم وانسابهم وبدرجة ثانية علوم اللغة والبلاغة والنحو والعروض وبدرجة ثالثة التاريخ وانساب العرب وأيامهم وبدرجة رابعة العدد والهندسة والمنطق والفلك . وقد بلغت التآليف فى هذه الفروع المعرفية ثلاثة آلاف بين منثورة أو منظومة ، مطولة أو موجزة ، وما يهمنا الآن هى الانماط الادبية التى احتضنتها المحاضر .

اعتنت " المحضرة " بالادب كما ذكرنا لكنها اعتنت أكثر بالشعر وهى التى حددت مبناه ومضامينه . وهو ينقسم الى مدرستين ، الاولى ، المدرسة الجاهلية التى استوحت أشعارها من الشماخ بن ضرار واعشى قيس ومن سار مسارهم ومن أهم ممثليها محمد ابن الطلبة ومحمد النانه بن المعلى ومحمد السالم بن الشين ومحمد بن الطلب التيرسى ومحمد بن احميد .

والثانية هي الولاتية ، وقد اهتمت بالمدائح النبوية على الطريقة البوصيرية أو البرعية ، وبالمواعظ ونظم القواعد العلمية . وكانت هذه المدرسة ترى أن فى الشعر رجسا من عمل الشيطان الا ما كان منه ذا طابع ديني يحت وكان من أبرز ممثلى هذه المدرسة الشيخ سيدى محمد ومحمد بن محمدى .

لم يتخلص الشعر المويتانى الى اليوم من القوالب و " الكليشهات " التى رسختها المحضرة واعتبرتها نماذج مثالية جديرة وحدها بالاقتداء ، وهكذا فحتى الشعر ، الذي هو الآن أنضج الاعمال الثقافية في الوطن العربي ما زال بترقب فى طاقته الدافعة وهى آتية لا ريب .

اشترك في نشرتنا البريدية