استفتت مجلة الهلال فى عدد ديسمبر ١٩٥٢ م ثلاثة من اعلام الأدب العربى وهم الاساتذة عباس محمور العقاد ، وطه حسبن ، وتوفيق الحكيم - عن ادب النهضة الجديدة ، وكان مما وجهته اليهم هذا السؤال : " من هو اعظم الشعراء فى النصف الاول من القرن العشرين ؟ " وقد اجاب كل منهم بما ارتآه الا ان الذى استرعى الانتباه بصورة خاصة هو اجابة الاستاذ عباس العقاد حينما قال : ( سؤال محرج لأنني شاعر . وان شئت قلت لك انا اعظم الشعراء ) . . ومحل الملاحظة هنا امران :
الاول منهما أن مثل هذا القول سبق ان قال مثله المازنى فى اسخف قصيدة نظمها وهي على ما اذكر منشورة باحد اعداد مجلة الرسالة ، بعثوان " يوم الثلاثاء " ومنها قوله :
يوم الثلاثاء يايوم الثلاثاء يوم الثلاثاء يا يوم الثلاثاء
مما يشبه ان يكون من نوع :
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء
والثاني أن الاستاذ العقاد على ما يعرفه القراء ، من اعلام النثر العربى الموصوفين بالريادة والتقدم فيه ( ولكن شعره الذي من جملته قوله :
اكذبيني اكذبينى مرة أو مرتين
لا يمكن ان يرفعه الى مصاف اعظم الشعراء ونحن بدورنا نستفتي القراء فى هذا . . اللهم الا ان يكون الاستاذ الكبير اراد بذلك القول لونامن ألوان مداعبة قرائه ومزاحهم ..فان يكن هذا فان والحديث ذو شجون .
هنا وقد كان ضمن استفتاء الهلال : " بماذا تفسرون وجود نوابغ فى الشعر العربى فى صدر القرن العشرين كشوقي وحافظ ومطران والكاظمي والبارودى والرصافى والزهاوى وعدم وجود امثالهم الآن ؟ "
وقد اجاب الاعلام الثلاثة عن هذا السؤال كل بتارآه ، وكان واسطة عقد اجوبتهم اجا الاستاذ توفيق الحكيم حينما علق على الاستفتاء بقوله : " . . ومن جهة اخرى فان هنالك مسألة قد تكون عامة وملحوظة فى هذا العصر الذي نعيش فيه وهى ان دولة الشعر المنظوم اخذة فى الزوال ، فشعراء العالم الناظمون قليلون جدا فى كل امة ولغة فى وقتنا الحاضر . . هل سبب ذلك انتشار روح الحرية والتحرر الذى ينفر من حبس المعانى فى اغلال الوزن والقافية ؟ او ان السبب هو طغيان السرعة على النفوس فى عصر الطائرة النفاثة ، فأصبح الناس يطالعون بعيونهم مطالعة سريعة لا يلاحقهم فيها النظم المقيد بأغلال القوافى ؟ او ان السبب هو ان الشعر لغة الصفوة من المترفين المثقفين المتذوقين للفكر الرفيع فى الاطار البليغ ، وهؤلاء كانوا هم الذين يشجعون الشاعر بالاقبال والجوائز والتشريف ، فلما ضعف شأن هؤلاء الصفوة في المجتمع الديمقراطى والشعبى واندمجوا فيه وضاعت سلطتهم الاستقراطية ونفوذهم الاجتماعي لم يجد الشعراء حاميا لهم ولا مجيزا لأعمالهم ، فانصرفوا الى ما يمكن ان يقبله الناشرون ويدفعوا فيه المال ، وهو النثر الذي يقرؤه العدد الكبير الكبير من مثقفين وغير مثقفين ؟
مهما تكن الاسباب فان الملاحظ هو ان عصرنا الحاضر ليس عضو شعر . . وأن عدد الشعراء العظام فى كل امة ولغة فى وقتنا الحاضر آخذ فى النقصان . . وقد تعود للشعر دولته ومكانته فى اجيال مقبلة ، عندما يباح لسواد الشعب ان يقف برمته الى مرتبة الصفوة من المثقفين الممتازن المتذوقين للفكر الرفيع فى الاطار البديع "
وهذا الذي يقوله الاستاذ الحكيم قد سبق للمنهل ان عالجه فى احدى ندواته حول مكانة الشعر فى العصر الحاضر .
فالى ادبائنا والشعراء منهم خاصة نوجه علامة استفهام كبيرة حيال ما يقوله عن فنهم الاستاذ توفيق الحكيم ؟ .

