للامسيات الشعرية بتونس فائدة كبرى لخدمة الادب بصفة عامة والشعر بصفة خاصة إذ فيها يلتقى عدد من شعرائنا ليقدموا لنا الواحا مصورة مما جادت وتجود به قرائحهم . وفيها يلتقى المعجبون بشعرائها ويشاهدونهم لحما ودما وبذلك تتقوى الروابط بين الشاعر والمولعين به . وهذه الامسيات جاء بها الى تونس الشاعر نور الدين صمود الذي عاشها في لبنان الشقيق عندما كان يدرس باحدى جامعاته . وتكررت هذه الظاهرة الجميلة وأقبل عليها الجمهور بتعطش وشغف وخاصة الشباب منه . وآخر امسية شعرية هى التى انتظمت بنادى ابو القاسم الشابى بالوردية والتي صاحبتها انغام الموسيقى العذبة وهكذا عشنا بين نغم الاوتار ونغم الشعراء الذين قدموا لنا باقة طريفة اختلفت في المظهر والاتجاه وتنوعت فى العذوبة والسحر . وتفاوتت فى الخلق والابداع . عشنا لحظات ننتقل فيها من جو الى آخر على بساط سحرى نسجه كل شاعر ترنم بألحانه وارسل انشاده بين الحاضرين .
واتضح لي من هذه الامسية أن الشعر التونسى بدأ يتجاوز التغني بالحبيب والتشكى من جفوته والحنين الى لقياه الى مواضيع تصور واقع شعبنا وتبرز مشاكله الاجتماعية فى أسلوب سهل جذاب يصل الى الاعماق ويترك أثره الطيب فى النفوس . وهذا ما لمسته في قصيد عبد المجيد ابن جدو الذى حدثنا فيه عن الارض والفلاح ، فلاح اليوم العائش بكده وعزمه يصارع أشباح الفقر . الفلاح الشاعر بدوره اليقظ الحى المتفاعل مع واقعه والساعى الى الانتاج وايجاد الخير . هو يعلم انه السيد على ارضه يعمل لاسعاد نفسه ومجتمعه لا يستثمر مجهوده الطغاة الغاصبون الذين كانوا بالامس يأكلون من عرق جبينه ويتمتعون بكل أنواع الخيرات
عرض عبد المجيد بن جدو هذه الصورة الحية التى تتجاوب مع شعبى
الكادح الثائر على التخلف والساعى للوصول الى فرحة الحياة فى ظل اشتراكية خططتها أدمغة تونسية تعيش بروحها مع واقع بلادها وشعبها . قلت عرض صورته على لسان حضرى يعيش فى رفاهية لا يتصور معها سكنى الاكواخ والمبيت على الحصير ولا يدرك معنى البؤس والمبيت على الطوى ويسخر من ساكني الاكواخ والكادحين ويتباهى بما اعطته الايام ناسيا ان الزمن تبدل . ولم ينتبه الا على صوت ازعج احلامه وأقض مضجعه صوت ينادى بأن الارض اصبحت للكادحين العاملين صارخا فى وجهه افق من سباتك فكل شئ تبدل وعهد الظلم والقهر ولى وأدبر والانسان الضعيف الفقير نفض عنه غبار اليأس والاستسلام والرضى بالدون ونهض ليطالب بحقه في الحياة الكريمة حياة انسان القرن العشرين هو فى حقله وفوق أرضه كائن حي يتحرك وينتج ويغنم ثمرة أعماله . ان الفلاح الذى داسته بالامس اقدام الطغاة وافتكت أرضه الايدى الاثيمة . ارضه الكريمة المخصابة تحوطه اليوم رعاية وتحدوه عزيمة ثابتة لا تتزحرح يسير مع الايام ويتطور مع الاحداث مدركا أن شمس الحرية غمرت الكون كله
اما نور الدين صمود الشاعر الذى امتاز شعره بالرقة والعذوبة المتمثلة في الزهور والفل والياسمين والفراش فهو يعبد طريقنا بالامل ويزرع بالورود والرياحين لنسير وسط عبير شذى تحوط بنا الفراشات من كل النواحى .
- ولعل هذه الروح التى نلمسها في شعر صمود مرجعها الى المناخ الذى ولد فيه .
زرعت على عتبات الشباب حقولا من الفل والياسمين
ورويتها بالامانى العذاب وسيجتها بالمنى والحنين
شاعرنا يعيش في فرحة دائمة يحدوه أمل عذب .
ورحت أناجى الفراش الشرود وأسكب فى أذنيه النغم
وعلمته كيف يغرى الورود لتمنحه ثغرها المبتسم
وصمود يبغض الظلام ويعيش دنيا احلامه باسما يشع من نوره على الظلام فيحوله الى شمس مشرقة تضئ الكون وتدفئه .
وألبسنى الدهر ثوب فخار جررت على النجم اردانه
وغام الضياء بعين النهار فكحلت بالنور أجفانه
سأبنى على البدر بيتا جميل اسيجه بالضيا والزهر
وامزج بالصبح ظل الاصيل فيرقص فى الارجوان الشجر
ومن هذا الضياء والنور الساطع ينتقل بنا الشاعر مزهود الى عالم اخر مملوء بالاشواك عالم كله شؤم ودموع تلمس فيه المسحة التشاؤمية لشاعرنا ونظرته المعقدة للحياة فهو لا يعرف الابتسام ولا يشعر بالحنين ينكر الامل ولا يحب الا العواصف والرعود لاينظر الى الازهار ولا يروم شم عطرها المنساب . فشاعرنا مزهود رغم متانة تراكيبه اللغوية وقوة بنائه الفنى لشعره - كاد أن يحول الامسية الى ماتم لا تسمع فيه الا الزفرات ولا ترى الا وجوها عابسة تشكو السأم والملل من الحياة . وهذا ما لمسته فى كل الحاضرين الذين نادوا بفرق الموسيقى اثر انتهاء الشاعر من الانشاد
وبعد هذا نلمس فى قصيد جعفر ماجد روحا جديدة تتمثل فى الشعر القصصى " الذى يحمل السامع الى أجواء بعيدة صورها الشاعر وأحكم نسجها فى كلام منظم متناسق .
وفعلا حلقت مع جناح ماجد عبر الشفق وشاهدت ما شاهده وتصورت مصاعب الرحلة وأخطارها وأدركت الجو المقتم والظلمات الحالكة التى اعترضتنا فى طريقنا ونحن عازمون على مواصلة السير كلفنا ذلك ما كلفنا
وغردت الاغصان لما ترشفت من الشفق المخضل والجدول العذب
فقلت كذا أمشى وللشرق ناظرى فلست بسباح على لجة الغرب
لقد سدت الغربان بالصمت سمعها وسرت بلا علم الى ساحة الحرب
وحلقت في الظلماء من غير ريشة فزلت بى الارياح فى المهمه الصعب
نلمس من هذه الابيات خطورة الرحلة ومصاعبها واصرار الشاعر على مواصلة المسير لبلوغ الغاية والوصول الى الهدف مهما كانت التكاليف وهى عزيمة الشباب المندفع الذى يهزا بالمصاعب . فهذا القصيد الذى صور لنا صراع الانسان مع الاحداث وثبوته امامها سلاحه ايمانه بنفسه وعزيمته هدفه الذى رسمه . شأن كل انسان حي لا يخشى الاتعاب ولا يبالى بالتضحيات مقابل تحقيق طموحه ونيل مبتغاه - هو فى الحقيقة أقرب الى نفوسنا من شعر الحب والشكوى والبكاء والتوسلات المبينة عن ضعف فى العزيمة وجعفر ان خاب فى رحلته - عبر الشفق - وكسر جناحه من قوة العواصف
والاهوال فهو سيعود مرة ثانية وان بقى وحيدا لا يصاحبه أحد فهو مستميت ثابت ولو بعد الهزيمة .
فوليت والاشباح تلهب خطوتى اضرج سمع الليل من صيحة الذئب
واسلمت شعري للرياح أعنة وكفى على جرح يثن به جنبى
اذا سال نور الشمس فى الافق عندما سأغمس ريشاتى وان ضلنى سربى
انه مؤمن بأن نور الشمس سيتغلب على الظلام الحالك ومصمم على العودة الى المحاولة حتى ينتهى الى الغاية التى يرومها ويسعى اليها .
اما الميداني بن صالح فنحا نحوا آخر وأعطانا صورة رائعة لخفافيش الظلام - وكشف النقاب عن مشكل اخلاقى نشاهد أثاره كل يوم فى جمع من الشبان فقد كل مظاهر الرجولة وتجرد من الضمير . يعيش عالة على مجتمعنا لا يجلب له الا العار والاحتقار صورهم الميدانى بأسلوب نقدى لاذع يضحك السامع لاول وهلة ولكنه يدفعه فيما بعد الى الامعان والتفكير العميق فى محاربة هاته الآفة الفتاكة بالقيم الاخلاقية . يتحدث الميداني عن رهط من الشباب لئيم يعيش كالخفافيش فى الظلام ويقتات من موارد مخزية لا تشرف مجتمعا ثائرا .
هو فى زيه بدع عجيب
هو فى شكله الوان تريب
اتراه مبدع ازياء عارض ؟
أم ترى قرد معارض ؟
ام هو الشرك أتانا .
فحيانا
اذ رآنا
بدعة مسخا سخيفا
ظنه شيئا طريفا
حقا لا ندرى أهو من النساء ام من الرجال شعره ومشيته وكلامه تدل على فتاة تتباهى بأنوثتها وجمالها لتغرى الرجال وتلفت اليها الانظار . هو يدعى انه من صنف الرجال
عجبا زير نساء وخطر
هكذا ظن الاشر
لست تدريه أنثى أم ذكر ؟
أم ترى لون جديد للبشر ؟
وهذا النفس الجديد الذى لمسته في شعر اثنا جعلني أبارك هذه الخطوات نحو اكتمال الادب التونسى والشعر . وهو أمر يدل على أن شعراءنا يعيشون واقع البلاد واعين مشاكلها ساعين لحلها متحملين قسطهم الكامل كنخبة مثقفة فى طليعة الركب الزاحف نحو الرفاهية .

